قامت الدنيا ولم تقعد لأن الكاتب الألماني غونتر غراس كان عضواً في الشبيبة الهتلرية عندما كان في السابعة عشرة من عمره. وذهب البعض إلى مطالبته بالتخلي عن جائزة نوبل التي فاز بها عام 1999 وطالبه ليش فاليسا الرئيس البولندي السابق بالتخلي عن لقب المواطن البولندي الذي منحه إياه ذات يوم،
وانضم كثيرون من محبي التسلية والتصريحات الإعلامية إلى الحملة التي تطالب صاحب رواية «طبل الصفيح» بالاعتذار عن كونه واحداً من شبيبة هتلر السرية التي توازي الاستخبارات آنذاك.
في حين تضامن البرتغالي خوسيه ساراماغو مع غراس معتبراً أنه كان صبياً وقتها ويجب النظر إلى باقي إنجازاته وليس فقط تلك المرحلة الديكتاتورية من حياة ألمانيا النازية.
العالم يجد دائماً ما يتسلى به وخاصة عندما يتعلق الأمر بالفضائح والنيل من سمعة الآخرين، ولكن ماذا بالنسبة لهؤلاء الذين صمتوا عندما كان الآلاف يموتون في الشرق الأوسط وخاصة عندما قصفت إسرائيل الأطفال في قانا خلال عدوانها الأخير على لبنان.
صمت هؤلاء على مجازر تحدث أمام أعينهم وتذكروا انتساب صبي يافع إلى شبيبة هتلر، أي نفاق يقود عصبة من محبي التسلية للحديث عن أمر نسيه العالم، وخاصة في بلد يحكمه دكتاتور مثل هتلر في تلك الحقبة السوداء من تاريخ ألمانيا، حيث الانتساب إلى شبيبة هتلر ليس اختيارياً بل هو انتساب بحكم المكان والزمان فمن يمكنه العبث مع سلطة لا ترى حولها سوى أفكارها وأفعالها.
ترى لو نظرنا حولنا في البلاد العربية كم من الأدباء كانوا ذات يوم منتسبين إلى تنظيمات وأحزاب وغيرها دون حول أو قوة. لأن ما تعيثه دكتاتوريات اليوم في أوطانهم يشبه تلك الأيام السوداء في ألمانيا النازية وقد حدث ذات يوم أن وجد عدد كبير من أدباء العراق أنفسهم أعضاء في حزب البعث وما يتفرع عنه من تنظيمات،
لم يكن هناك خيار آخر سوى التصفية أو النبذ، ولم يكن هناك خيار للحياة سوى الانخراط في جوقة الهتافين «بالروح بالدم نفديك يا قائد»، ولو كان الأمر عكس ذلك لما حصل أحد على وظيفة متدنية في قبو مدرسة نائية، فما بالك بأدباء لهم حضورهم على الساحة الثقافية.
هل ينطبق الأمر على مواقع جغرافية أخرى؟
نعم ينطبق على عشرات الدول ذات الأنظمة الشمولية، ورغم اختلاف المسميات والظروف، ولكنها تشبه بشكل أو بآخر حالة غونتر غراس، إنها حرب العيش بالطريقة التي يحبها القائد، ولا طريقة سواها غير النبذ أو التصفية بتهمة مناهضة الثورة أو خيانة الوطن.