قيل عن رواية «حلم الغرفة الحمراء» الصينية التي كتبت في منتصف القرن الثامن عشر، بأنها أول رواية أقرب إلى الواقعية في الصين. وبقي كاتبها مجهول الهوية حتى عام 1921 حيث نجحت البحوث المكثفة من قبل أحد الأكاديميين المختصيين في اكتشاف راويها وهو كاو كسيكين. تعتبر هذه الرواية من الأعمال الكلاسيكية الرائدة سواء في الشرق الأقصى أو خارجه،
فقد بقيت حاضرة ومقروءة حتى يومنا هذا. وعندما تمت ترجمتها إلى اللغتين الألمانية والانجليزية عام 1971 استقطبت اهتمام الأوساط الأدبية في الغرب، وباتت محورا للعديد من البحوث والدراسات والأطروحات سواء على صعيد مضمونها أو كاتبها أو خلفيتها التاريخية. وسنتناول في البداية خلفية العمل التاريخية ومؤلفها لننتقل بعدها إلى المضمون.
بينت البحوث المرتبطة بالرواية، بأنها تضم مائة وعشرين فصلا، وهي أقرب إلى السيرة الذاتية وبمثابة مرآة للمصير الذي واجهته عائلة كاتبها كاو كسيكين. وقيل بأنه كتبها بهدف تخليد ذكرى النساء اللواتي عرفهن في شبابه سواء من صديقات أو قريبات وحتى خادمات. ويتجلى ذلك في الفصل الأول من العمل.
وقد أجمع الباحثون بأن الثمانين فصلا الأولى من هذه الرواية كتبها كاو بلا أدنى شك، وتدل الملاحظات المدونة على هوامش الصفحات، على مسار الرواية ونهايتها. ويذكر بأنه أعاد كتابة عمله خمس مرات وتوفي قبل أن ينهي المرحلة الخامسة، وما يزيد الأمر صعوبة هو فقدان بعض الأجزاء. كما يؤكدون بأن الأجزاء الأربعين الأخيرة قد كتبها شخص آخر هو غاو إي الذي قام بتنقيحها كاملة مع شينغ وين ليتم نشرها عام 1791.
وتدور أحداث الرواية في مدينة بكين خلال الفترة ما بين 1729 و1737 في عهد حكم الأسرة المالكة شينغ، وتبدأ بأسطورة آلهة العمل التي تسعى إلى ترميم الفردوس قبل 4623 عاما، وأعدت لعملها 36500 لوح من حجر الجاد النفيس، وبعدما أنجزت مهمتها تبّقى حجر صغير جدا من الجاد لا دور له، مما أشعره بالأسى.
وبعد مضي زمن التقطه راهبان متجولان واصطحباه إلى الأرض ليأخذ دوره في الحياة من خلال أحد أفراد عائلة نبيلة وثرية في الصين. وهكذا ولد باو يو وفي فمه حجر الجاد النفيس مما دفع العائلة إلى ربطه بقدر ابنهم ليحمله الأخير كقلادة تلازمه طيلة حياته. تبدأ الأحداث بالتصاعد حينما تعود القريبة الشابة تاي يو للعيش مع جدتها وأقربائها الأثرياء في بكين بعد وفاة والدتها.
منذ البداية استأثر قريبها باو يو باهتمامها وسرعان ما أغرمت به، فهو شاب مقدم على الحياة محب للهو. وبالتدريج نشأت بينهما صداقة متينة انضم لها فرد جديد هو باو تشاي ابنة خالة باو يو التي تكبره بعام ولتعيش معهم أيضا في الدار.
كانت الفتاتان على درجة واحدة من الجمال وخفة الظل، إلا أن تايو يو كانت ضعيفة البنية، إلا أن هذا لم يمنعها من الاستئثار بحب قريبها وإبعاده عن باو تشاي التي أحبته بصمت.
بدأت العائلة خلال تلك الفترة تواجه العديد من الكوارث المتتالية التي كانت تقلص من ثروتها وحظوتها لدى الامبراطور تدريجيا، ومع ذلك لم تع خطورة الموقف. ونظرا لوجوب سفر الوالد رب البيت بحثا عن الرزق
فقد تم التخطيط لزواج ابنه الشاب واختيار عروس له لينوب عنه. وحينما تناهى إلى سمع تاي يو هذا الخبر، وقعت فريسة المرض ولم تتجاوز محنتها إلا عندما طمأنها باو يو بأن عروسه ستكون قريبته، ومن ستكون سواها!
وفي أحد الأيام يفقد باو يو قلادته، فيبدو ذاهلا لفترات طويلة أو معتزلا في غرفته مكتئبا وفي النهاية تمكن منه المرض. وفي محاولة لإخراجه من حالته عمدت العائلة إلى التسريع في إجراءات الزواج.
ومن خلال حوار جانبي بين خادمتين تدرك تاي يو بأن عروس باو المختارة هي باو تشاي، وبسبب اعتلال صحتها تستسلم للمرض وتعاني آلاما لا مثيل لها، إلا أن باو يو يعود ليؤكد لها مجددا بأنها العروس المختارة.
مع اقتراب موعد الزفاف كان باو يو يتعافى تدريجيا، ولم ينتبه إلى تدبيرات العائلة إلا بعد أن تمت اجراءات الزواج حيث أدرك حينما رفع الغلالة عن وجه العروس بأن أسرته خدعته، فلم تكن العروس سوى باو تشاي التي هربت إلى غرفة داخلية حينما ارتسمت على وجهه خيبة الأمل والغضب، وسرعان ما تهاوى على الأرض فاقدا وعيه.
وخلال مرضه سمع خبر وفاة محبوبته مما زاد حالته سوءا، وفي إحدى الليالي وحينما ظن أهله بأنه يحتضر شاهد في الحلم راهبا يعيده من العالم الآخر ويقول له بأنه إن أراد اللحاق بحبيبته عليه أولا أن يؤدي دوره ويعيش قدره في الحياة.
وهكذا نهض الشاب من فراشه ليواجه الواقع المتردي الذي وصلت إليه العائلة، وفوجئ الجميع بتعافيه وبالتحول الذي طرأ عليه، إذ بات رجلا مسؤولا ذا صلابة وهمة. بدأ باو بالدراسة والإعداد للامتحانات العامة التي تمنح المرء الفرصة لتحسين ظروف حياته، وكان كثير الجدل مع زوجته بشأن قراءاته عن الدين والرهبنة خلال تلك الفترة.
وبعد غيابه ما يقارب من الشهر ظهرت نتائج الامتحانات، وعم عائلته الفرح بنجاحه في المرتبة السابعة وتجمعوا لاستقباله باحتفال كبير. وعلى الرغم من عودة جميع الممتحنين إلا أن باو لم يظهر، ومع مضي الأيام تنامى خوف وقلق العائلة وبعد البحث والتقصي تبين لهم بأن الامبراطور قد استدعاه إلى قصره فور إعلان النتائج وهكذا اطمأن الجميع.
وماهي إلا أشهر معدودة حتى استعادت العائلة ممتلكاتها وحظوتها لدى الإمبراطور، إلا أن باو يو لم يعد ولم يشاهده أحد.
وبعد مضي زمن كان والده واقفا بالقرب من ضفة النهر، وهناك رأى قاربا راسيا نزل منه ثلاثة رهبان وتعرف على أحدهم وكان يحدق فيه مليا، وحينما أدرك الوالد من يكون كان الثلاثة قد اختفوا وتلاشوا بعيدا عن الأنظار.
وتبعا لفلسفة كونفوشيوس، فهذه الرواية تحكي قصة ثراء وكبرياء عائلة نبيلة تدمر نفسها لتستعيد مكانتها من خلال الاعتماد على الفكر والمنطق والارتباط بالقيم والمعاني الإنسانية.
