مؤلف هذا الكتاب هو د. محمد سعيد الكاتب التونسي المتخصص بقضايا النسب والقرابة وما يتصل بقضايا الإثنولوجيا، وله العديد من الأبحاث والدراسات في هذا المجال. وفي كتابه «النسب والقرابة في المجتمع العربي قبل الإسلام» يوجه المؤلف اهتمامه إلى أدب الأنساب أو مصنفات الأنساب العربية،
حيث يسود شعور عام وشائع في وعي الكثير من الدارسين للتاريخ العربي في العصر الوسيط، يفيد بأن مصادر النسب تمثل من ناحية صنفاً ثميناً من التوثيق، الذي يُخبر بأواصر القربة بين الأفراد والجماعات، ولا مبالغة في القول إن لدراس التاريخ بشكل عام موقفاً ذهنياً إيجابياً من أدب النسب تبدو له ـ على الأقل في مستوى الوعي الأولي ـ خارج الدائرة المحدودة للأدب التاريخي.
ومن ناحية ثانية فإن هذا الصنف من الاخبار لم يكن موضع اهتمام واستثمار كافيين في دراسات التاريخ العربي في المرحلة الإسلامية وقبل الإسلامية، رغم ما فيه من إطلالات جدية وقريبة من المجتمع التاريخي الحقيقي، ورغم ما يوحي به أحياناً من توفير إمكانية فريدة أمام المؤرخين للقيام بما يشبه الصعود الارتدادي في النسيج الاجتماعي،اعتمادا على روابط القرابة.
ويسعى المؤلف إلى استثمار الأدب التاريخي العربي، الذي تبلور في محيط دعوة دينية، كمورد لشواهد تاريخية، بوصفه يطرح مسألة مركزية، تعود جذورها إلى بداية انفتاح تاريخ الإسلام الأول على آفاق المقاربة التاريخية بالمعنى الحديث للكلمة،
تتمثل في «صدقية» مضامينه بشكل عام، ومدى إمكانية اعتبارها إخباراً تاريخياً يحيل على الواقع تاريخي حادث، ومدى شمولية هذا الإخبار كتوثيق للأوجه المختلفة لهذا الواقع.
وينطلق المؤلف من فكرة إعداد مونوغرافيا تأخذ شكل الإحاطة «الميدانية» بمصادر النسب، باعتبارها أحد روافد «الكتابة التاريخية العربية»، قصد دراستها كأثر أدبي تاريخي، تبلور وشاع في الفضاء الثقافي العربي الإسلامي، وأظهرت فيه الذاكرة التاريخية إبداعاً قد يكون عربياً أصيلاً.
إضافة إلى أن هذا الصنف من الكتابة التاريخية الذي يمثله النسب يوحي بقرب كبير من البينة القبلية ومن الذهنية القبلية العربية، ويمثل فرصة كما ذكرنا لشكل من إعادة الاعتبار للمصادر العربية.
وهذا يقتضي الإحاطة بمصنفات النسب، والنظر إلى روافده في المصادر المختلفة. وليس من العسير التميز بين كتب التاريخ وكتب النسب إذا كان الاهتمام بالنسب يتخذ إما شكل التأليف المستقل في النسب، لأعلام معروفين من أشهرهم ابن الكلبي وابن حزم، أو يتخذ شكل باب من أبواب المؤلفات الموسوعية،
ومنها ما يحيل على علمائه ومصادره الأصلية. ويوجه المؤلف اهتمامه إلى الدراسات المتعلقة بابن الكلبي، وأهمها نشرة «ورنر كاسكيل» لجمهرة النسب لابن الكلبي، والمقدمة الطويلة التي تتصدر نشرته، والتي تتجاوز في الواقع حدود جمهرة النسب في اتجاه مجمل أدب ابن الكلبي، ابتداء بابن الكلبي الأب:
محمد بن السائب (ت 146 هجري - 763 ميلادي) وصولاً إلى ابن الكلبي الابن هشام بن محمد، ومنه إلى أدب النسب بشكل عام. ويعود هذا الاهتمام إلى احتلال مسألة الجذور مكانة مركزية في الكتاب من خلال التركيز على رواية الإيلاف التي تعود في مضمونها الأكثر تداولاً إلى ابن الكلبي. وقد حفظت الإيلاف جوانب مهمة من التحول في مجتمع البداوة،
من أبرزها أن الإيلاف هو مرحلة مهمة من مراحل التحول التاريخي في مصير عشائر الحجاز الجنوبي. لكن هذه الرواية تخبر بشكل منقوص عن البداية في شكلها المقبول تاريخياً، حيث تشكو من غياب تاريخ سابق للإيلاف، وغياب الافرازات السياسية والثقافية، وغياب تاريخ الإندماج الاجتماعي، إلى جانب وجود خلل في المستوى النصي يعكسه ارتباك مضامين الاخبار.
ويستنتج المؤلف وجود مرحلة «ضائعة» من التاريخ السابق لمرحلة الإيلاف. ويتحدد الإيلاف بنظام تجاري أسسته قريش، وكانت غايته ربط مكّة بمسالك التجارة العالمية، وضمان مساهمة قبائل الجزيرة أيضاً، فيصبح من المنتظر أن ينعكس في المستوى الاجتماعي، وأن يستقطب بعد مرحلة من إنشائه، مجتمعه الأصلي ويجعله يحقق درجة ما من الاندماج الداخي ومن تجاوز الحياة القبلية بمعناها التقليدي.
وتقدم رواية النسب لتاريخ الإيلاف أرضية ومستنداً في علاقات القرابة الدمّية، حيث أعطاها النسّابة الهيكل العام ووفروا للرواية أرضية من بنى القرابة، وانتشر الكلّ في المصادر التاريخية. وبغية الوصول إلى تاريخ دقيق، يعيد المؤلف التأريخ لإيلاف قريش التجاري بشكل تطوري، ضمن أربع مراحل،
تمتد فيها المرحلة الأولى من نقطة مجهولة حتى زمن الإيلاف، وكانت خلالها العناصر البشرية القاطنة بمكة ومحيطها لا تمارس إلا أشكالاً بدائية من التبادل التجاري. وفي مرحلة ثانية، لها كل الحظوظ في أن تكون بدأت بمجيء بني هاشم، ارتبطت مكة بالدورة التجارية عند نهاية القرن الخامس الميلادي.
وفي هذا المستوى نعثر على المناخ التاريخي الأصلي لفكرة رحلتي الشتاء والصيف. وفي مرحلة ثالثة يعسر ضبط دقيق لبدايتها، يمكن أن تكون بداية القرن السادس، تطور رجال مكة من مشتغلين بالعمل التجاري إلى وسطاء مع العالم القبلي، بمعنى أصبحت مكة قاعدة للتجارة.
على المستوى الاجتماعي، يرى المؤلف أنه ليس من النادر أن يكتب تاريخ الإسلام إنطلاقاً من وحدات انتسابية غير مبينة ولم تكن موضوعاً للتساؤل. من هذه الوحدات القبيلة التي لا تعتبر فقط وحدة اجتماعية للتنظيم، بل أيضاً وحدة انتسابية للوقائع تعوّض غالباً الوحدة الانتسابية الجغرافية التوطينية.
وعليه يتببن من دراسة مرحلة الإيلاف أن النسيج الاجتماعي المصاحب لهذا التاريخ لم يكن نسيجاً تربط بينه روابط دمية حقيقية، وأن الوحدة الدميّة هي إفراز لرواية تبلورت في مراحل لاحقة. مع أن مفهوم القبلية الذي تجعل منه النصوص بنية للمجتمع، ووحدة انتسابية للوقائع، ليس - في حال عشائر مكة زمن الإيلاف - إلا تلخيصاً متأخراً لواقع المجتمع المكي في المرحلة قبل الإسلامية القريبة.
ويقترح المؤلف في سياق كتابة تاريخ جديد للاندماج الاجتماعي بؤرتين اجتماعيتين للاندماج الاجتماعي لكل منهما بعض الخصائص التي ولدت طبيعته وهويته المختلفة. البؤرة الأولى مركزها مكة، وتدلّ عليه كثافة مصاهرات العائلات المركزية للإيلاف: عبد شمس والمطلب ونوفل.
والقاسم المشترك بين أفرادها هو إرادة واعية ومتصاعدة في أن تكون مكة وجهة للقبائل. والبؤرة الثانية مركزها يثرب ووادي القرى وفلسطين الجنوبية، تلك التي دلّت على وجودها كثافة المصاهرات بين بني هاشم وبني عمرو بن ثعلبة، وبني سلامان من قضاعة، وبني عبد ودّ من خزاعة، وبني عمرو بن عوف في يثرب، وبني نهم وبني الحارث بن مالك.
أي تلك العشائر التي يضمها علم النسب في أطر قبلية كبرى. ويمكن استنباط العلاقة بين البؤرتين من تاريخ المصاهرات وتواترها، حيث يميز المؤلف بين صنفين من العائلات. الصنف الأول تمثله العائلات التي حققت بشكل مبكر اتصالاً وثيقاً مع العالم الشمالي، بواسطة المصاهرة مع بني هاشم. والصنف الثاني تمثله العائلات المعبرة عن «هوية» مكة والحجاز الجنوبي، وهي عائلات شاعت فيها فكرة التجارة في مرحلة متأخرة عن الأولى.
ويخلص المؤلف إلى أن البؤرة اليثربية - اليمنية هي الأسبق زمناً، والأكثر كثافة لأنها تشمل النسيج البشري القديم في يثرب ومحيطها، وبالتالي لا يبقى لمكة، كموطن للبداية والانطلاق في المرحلة القبل إسلامية،
أهمية كبيرة في التاريخ الجاهلي، ذلك أن تضخيم دور مكة جاء في مستوى الرواية من أسباب كونها موطن العوة الإسلامية في سياق تاريخ الدعوة، ومن جهة الحج في الإسلام. يضاف إلى ذلك أن النخبة السياسية والعسكرية ابتداء من الفترة الأموية تعود بأصولها إلى الفضاء المكي. أما مستوى التاريخ فيتناغم مع القول ان واحات يثرب كانت الوطن التاريخي لنشأة الأمة.
ومن الطبيعي أن لا يتطابق المفهوم التاريخي للإيلاف مع مفهومه التقليدي، من جهة اعتبار أن فكرة الإيلاف نشأت في أوساط قبلية يجمعها الوسط اليمني، وعرفت درجات أعلى من التفكك القبلي والاندماج الاجتماعيين،
وكانت أقرب إلى الدائرة الممتدة بين يثرب وفلسطين الجنوبية، حيث استنبطت صورة متطورة للتنظيم من خلال درايتها بدور قبيلة سليح في القرن الرابع وغسّان في بداية القرن الخامس.
وقد نشأت في أوساطها ما يشبه الثقافة الاقتصادية والسياسية المختلفة عن ثقافة القبائل في الحجاز الجنوبي، وكانت تبحث عن دور مكمل لخدمة التجارة البيزنطية، في زمن شاع نشطت فيه التجارة على الطريق التقليدية بين سوريا وفلسطين من ناحية واليمن من ناحية أخرى.
عمر كوش
*الكتاب: النسب والقرابة في «المجتمع» العربي قبل الإسلام
*الناشر: المركز الثقافي العربي - بيروت 2006
*الصفحات:622 صفحة من القطع الكبير
