نبيل سليمان روائي وناقد سوري صدرت له ست عشرة رواية وثلاثة وعشرون كتاباً في النقد الأدبي والشأن الثقافي، ومنح جائزة عبد الله باشراحيل للرواية عام 2004. من رواياته: جرماتي، ثلج الصيف، مدارات الشرق، درج الليل درج النهار.
ومن مؤلفاته النقدية: فتنة السرد، الثقافة بين الظلام والسلام، المتن المثلث، كتاب الاحتفاء. في كتابه «أسرار التخييل الروائي» يقر نبيل سليمان أن أرسطو كان قد افتتح القول بالعالمية الكونية كمرادف للعام مقابل الخاص، وكخصيصة للشعر مقابل التاريخ.
فالشعر بحسب أرسطو يصور الإنسان بمقتضى قانون الاحتمال أو الضرورة أي كما يحتمل أن يكون الإنسان، أو كما لا بد له أن يكون. والعالمية الكونية الأرسطية اذاً تشير إلى الجوهري.
وقد التقط «غوته» هذا الجوهري، ولكن ليمضي إلى الجغرافي الثقافي الأوروبي في العالمية الكونية. ومن عالمية كونية غوته إلى يومنا هذا تسيدت عالمية كونية الغرب بمقتضى مركزيته، أي ان الجغرافي الثقافي الأوروبي في مفهوم العالمية الكونية قد تسيد، وإن لم يغب الجوهري، وبخاصة في الفضاء غير الغربي، وفيما بعد الكولونيالية.
ومن ذلك تبدو العالمية الكونية في الثقافة العربية المعاصرة (قيمة) جوهرية، كما تبدو غربية.
فالأديب العالمي ـ كما تتلمذنا على محمد مندور في (الميزان الجديد) ـ هو من يعترف به الغرب. والعالمية كما تتلمذنا على محمد غنيمي هلال في (الأدب المقارن) هي الأدب الغربي.غير أن آخرين نقدوا هذا التسييد للمركزية الغربية، من شكري عياد وفاضل تام وعبد الله إبراهيم و... إلى محمد برادة.
وهذا النقد يتقاطع مع نظيره لدى إدوارد سعيد وهومي بابا وفريدريك جيمسون وسوزان باسنيت وغاياتري سبيفاك وتشينوا أتشيبي ونجوجي واثيونجو الذي أصر أن يكتب بلغته المحلية (الجيكيويو) رافضاً العالمية الكونية الغربية.
واليوم وقد اشتبكت العالمية والكونية بالعولمة والكوننة، قد يكون التعبير الأوفى عن واقع الحال أن يقال: (إن العالمية هي نتيجة لهيمنة الغرب، بينما العولمة وصف لكيفية حدوث تلك الهيمنة) وببلوغ ذلك إلى الرواية العربية، تبدو الإشكالية قائمة منذ البداية في الترجمة وفي محاولات الرواد، وصولاً إلى الحداثة الروائية العربية،
وحيث تتراجع العولمة الثقافية في هيمنة حتمية وتلقائية ومرغوبة، وفي قلق على الخصوصية، لكن ذلك ليس كل شيء، لا في بداية الرواية العربية، ولا في تطورها، ولا في راهنها، فالرواية العربية تنجز كونيتها، والكونية تتأكد أفقاً لها، بالمعنى الجوهري أولاً وأخيراً، وبالمعنى الغربي أيضاً، أي بالحضور المتواتر في المحفل الغربي.
ثم يذهب نبيل سليمان بعد ذلك في مبحثه الذي عن «كفائية المدينة الروائية» وهي من أساسيات التخييل الذي تبنى عليه العمارة الروائية بالقول: إن بشار الغول ـ راوية وبطل غازي القصيبي (العصفورية) يتطوح في الفضاء الخارجي،
وفي الفضاء المترامي بين أميركا وبريطانيا وسويسرا واليابان والبرازيل، لكن تطوحه الأكبر هو في الفضاء العربي الذي لا يعين منه إلا لبنان، وإذا كان المضي سهلاً من خليج عربستان في الفضاء الروائي إلى الخليج العربي، فكل من البلاد ـ المدن الروائية الأخرى يخاطب أكثر من عاصمة عربية،
ولا سيما: العواصم المشرقية. واللافت هنا أولاً هو أن تحمل المدينة الروائية الاسم الروائي للبلد أو الدولة: عربستان 48، عربستان 49، عربستان 50، عربستان 60، واللافت ثانياً هو تمايز المدن الروائية بالزمن الذي توقع له نكبة فلسطين عام 1948
والانقلابات العسكرية (الانقلاب السوري الأول عام 1949) وحربا الخليج الأولى والثانية. بينما في رواية (آخر الرعية) لأبوبكر العيادي نرى أنه يصدرها بما يؤكد أن عربانيا بلد منفلت من الجغرافيا.
فمن زعم أن عربانيا بلد بنصه وفصه، وأن الكبير حاكم بعينه هو مدع وكاذب. وعربانيا هنا هي الدولة ذات الولايات العشرين التي تحمل أسماء أصنام العرب: جهار وسواع واللات والعزى، لكن عربانيا أيضاً هي تلك المدينة الروائية ـ العاصمة ـ التي تجري فيها أغلب أحداث الرواية.
لكن نبيل سليمان حين يبحث عن الشخصيات التي تملأ المكان الروائي بـ (الصراع) فإنه يعتبر أن رواية عزت القمحاوي (غرفة ترى النيل) هي رواية تسترجع أشتات الماضي، فعزت يبني الشخصيات ببرودة ومكر، والكتابة تسري رهيفة وموجعة،
تهتك فساد المؤسسة الزوجية (عيسى وروز). والمؤسسة الإعلامية (أبو جهل) والمؤسسة الصحية (لصوص المستشفى العام والخاص) والمؤسسة الحاكمة متمثلة بالسيطرة على أملاك الفلاحين في جزيرة الذهب لإقامة مشروعات سياحية.
بينما في رواية (حلم كزرقة البحر) للكاتبة الإماراتية أمنيات سالم والتي تفر منها الرواية إلى الجزيرة الحمراء ـ بقعة من إمارة رأس الخيمة ـ فإننا حسب نبيل سليمان مع امرأة مسكونة بالبحر؛ تعصف بها النوستالجيا إلى الطفولة والأسرة والمدرسة، وذلك العالم الذي تقوض منذ هَلَّ الزمن النفطي الحداثي بما قبله،
وعبر ذلك سمقت شخصيات الأب والجدة والخال، سواء بعلاقتها بالرواية أو بما يندفق من ذكريات كل منها، لتعيد تشكيل الجزيرة الحمراء التي باتت قفراً منفراً.
وقد ترجمت في الرهان على السيرية وعلى اللغة الشاعرية، وكبر الرهان في بناء شخصيتين الأب والجدة كما في شخصية الرواية، غير أن فخ الذاكرة قد أوقع بالرواية غير مرة، فحق لناقد مثل عزت أحمد أن يصفها بالمحاولة الخجولة التي تختلط فيها السيرة الذاتية بحياة أبطالها، كالعهد بكتاب الرواية الأولى.
نبيل سليمان لا يفتأ في كتابه (أسرار التخييل الروائي) وهو يقرأ ويدرس أعمال أكثر من خمسين روائيا عربيا من مثل: صنع الله إبراهيم وفوزية شويش السالم وجميل عطية وإبراهيم وسمر يزبك وأحمد إبراهيم الفقيه وفواز حداد ويوسف المحيميد وخيري الذهبي ورجاء عالم وهيفاء بيطار وعبده جبير ومؤنس الرزاز وخليل صويلح، أن يأخذ على بعضهم عدداً من المثالب تسييء إلى سمعة الرواية العربية، مثالب يسميها بالمنغصات
التي لم يأبه لها أو لم يرها الكثير منهم، والتي من بعضها: الاستسهال اللغوي وتفاقم الأخطاء الإملائية واللغوية ويضرب على ذلك مثلاً رواية (أميركانلي) لصنع الله إبراهيم، و(فخاخ الرائحة) ليوسف محيميد، و(فتنة الماء) لآمال بشيري، و(باب الحيرة) لأنيسة عبود، ويتصل بهذا الأمر الإيثار المتفاقم للعاميات في إدارة الحوار بخاصة بين الشخصيات، كما في المتون السردية.
لكن الخطر الأكبر يجيء من تأزم الحداثة الروائية العربية، عبر التقنين وعماية التجريب وشرنقة الذات وغواية الإكزوتيكا التي تلوح للترجمة إلى اللغات الأخرى، وسوى ذلك مما دعى لتجاوزه بمنعطف روائي جديد، يستثمر منجزات اللحظتين التقليدية والحداثية، ويتطلع إلى أفق مختلف.
وها هو سعيد يقطين يكتب معززاً كل ذلك، ومحذراً من خسارة الرواية العربية للقارئ، ومن سعيها إلى القارئ المفترض وتضييعها للقارئ الحقيقي، ومن مغالاتها في التجريب وندرة النص الجديد اللافت، وهو ما سيجعل الرواية العربية تستنفد دورها،
وتنتهي إلى ما انتهى إليه الشعر منذ عقود، وآية ذلك كما يرسمها سعيد يقطين هو بروز روايات عديدة وروائيين جدد، وافتقاد الكتاب الحقيقيين والروايات الجديدة بالقراءة وسط هذا الزخم، حيث تتكرر التجارب ويقل الإبداع، فهل ينبئ هذا الوضع بالكارثة؟
أنور محمد
*الكتاب: أسرار التخييل الروائي دراسة
*الناشر: اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2005
*الصفحات: 277 صفحة من القطع الكبير
