قام بتأليف هذا الكتاب البروفيسور ستيفن د. مارتينسون أستاذ الدراسات الألمانية في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأميركية. وهو عضو في كلية الدراسات الدينية التابعة للجامعة نفسها. كما انه نائب رئيس جمعية تحمل اسم المفكر التنويري الألماني الكبير ليسنغ. وقد كتب معظم مؤلفاته عن الأدب الألماني في عصر غوته وشيلر. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف صورة عامة عن حياة شيلر وأعماله، وكذلك عن عصره وظروفه الاجتماعية والسياسية.

ويرى المؤلف أن شيلر لم يكن فقط أحد كبار شعراء ألمانيا على مر العصور، وإنما كان أيضاً أحد كبار الألمان الذين ساهموا في تشكيل الرومانطيقية والعالم الأدبي المعاصر. وبما أن العالم يحتفل اليوم بمرور مئتي سنة على وفاته فقد توالت الاحتفالات في ألمانيا عنه، وظهرت بهذه المناسبة كتب عديدة عن الشاعر الكبير من بينها هذا الكتاب.

ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد ولد شيلر عام 1759 في المنطقة نفسها التي سيولد فيها هولدرليني لاحقاً. وهي من أجمل مناطق ألمانيا لأنها تحتوي على كروم العنب والأنهار والوديان والطبيعة الخلابة التي قل نظيرها. وبما أنه كان من بيئة فقيرة فإنه لم يستطع أن يتعلم إلا بعد تدخل أحد الأمراء لصالحه بعد أن لاحظ موهبته وذكاءه. ثم اشتغل شيلر بعدئذ كأمين مكتبة في احدى المدن الألماني لكي يكسب عيشه، وبعدئذ راح يتنقل بين مدن ألمانية عدة من أمثال لايبزيغ، ودريسه وفايمار، ولم يلتق بغوته للمرة الأولى إلا عام 1788.

وبعدئذ نشأت بينهما صداقة وثيقة قل نظيرها. ثم أصبح شيلر أستاذاً لعلم التاريخ والفلسفة في جامعة يينا. وهي الجامعة نفسها التي درًّس فيها فيخته وهيغل. وعندما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 تحمس لها كثيراً وكتب المقالات العديدة لتأييدها في الصحافة الألمانية. ولذلك كافأه قادة الثورة وخلعوا عليه الجنسية الفرنسية عام 1792. والواقع أنه كان مضاداً للطغيان والاستبداد ليس فقط في فرنسا وانما ألمانيا أيضاً. كان عاشقاً للحرية.

وفي عام 1799 استقر في مدينة فايمار، حيث كان يعيش صديقه غوته. وقد أسس مع هذا الأخير مسرح فايمار لتجديد الآداب الألمانية الراكدة. ثم نال شهرة واسعة إلى درجة أن الأمير خلع عليه لقب النبالة فأصبح اسمه فريدريك فون شيلر. وكلمة «فون» في الألمانية تدل على النبالة، وكان ذلك عام 1802، ولكن شيلر لن يعيش طويلاً بعد ذلك. فقد مات في أوج الشباب عام 1805، وعمره لا يتجاوز الخامسة والأربعين. ويقال ان غوته بكاه بكاء مراً، ولم يعزّه شيء عن موته المفاجئ والسريع.

ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد عالج شيلر معظم الموضوعات السياسية والأخلاقية والجمالية في كتاباته النثرية والشعرية، وساهم في تقديم حركة الأفكار في القرن الثامن عشر، حيث عاش، كما وأثر كثيراً على الشعراء الرومانطيقيين، وربما كان هو مدشن الحركة الرومانطيقية الألمانية، لقد كان رومانطيقياً أكثر من غوته.

ولكن شيلر أراد في السنوات الأخيرة من عمره أن يزود ألمانيا بالطابع الكلاسيكي الذي لم تعرفه. ولذلك ترجم بعض مسرحيات الشاعر الفرنسية الشهير راسين إلى الألمانية. كما ترجم بعض المسرحيات الإغريقية. من هنا مكانته كشاعر كلاسيكي ورومانطيقي في آن معاً. ولهذا السبب احتل مكانة مركزية في الآداب الألمانية والأوروبية على حد سواء. ومن بين المعجبين الكبار بشيلر يكفي أن نذكر دوستويفسكي، وبيتهوفن، وتوماس مان، وآخرين عديدين.

ومن أهم أشعاره نذكر الدواوين التالية: المساء (1776)، الفاتح (1777)، مرثية لموت شاب (1780)، لأجل الفرح (1786)، آلهة الإغريق (1789)، الفنانون (1789)، نزهات (1797).. الخ. وأما عن رواياته فنذكر: المجرم بسبب العار والفضيحة، ثم الرائي، وأما دراساته النقدية والأدبية فعديدة، نذكر من بينها: رسائل عن التربية الفنية والجمالية للإنسان (1795)، وكتاب عن العلاقة بين الطبيعة الحيوانية للإنسان والطبيعة الفكرية (1777)، وكتاب عن الشعر الساذج والعاطفي (1796).

ثم يردف المؤلف قائلاً: في الواقع أن شيلر هو أكبر اسم في الآداب الألمانية بعد غوته. وربما كان شعبياً، ويمثل الخصوصية الألمانية العميقة أكثر منه، ولكن نيتشه كان يحتقره كثيراً، وهنا ينبغي الاعتراف بأن شيلر لا يمتلك عبقرية غوته نفسها على الرغم مما قاله بعضهم هنا أو هناك.

فهو كمفكر لا يمتلك الأفق الكوني الواسع الذي كان يمتلكه صاحب فاوست أو آلام فيرتر، ولا يمتلك عفويته كشاعر كبير نفسها. ولكنه على الرغم من ذلك يبقى أحد كبار الممثلين للأدب في بلاده. ومسرحياته العديدة ساهمت في تشكيل المسرح الألماني. وقد مارست تأثيراً ضخماً على كل الإنتاج المسرحي في القرن التاسع عشر الذي تلا موته. بل ولا تزال تهز الجمهور الألماني وتفعل فعلها فيه حتى اليوم. نذكر من بينها: قطاع الطرق (1781)، مؤامرة وحب (1783)، دون كارلوس (1787) وهي التي ألهمت احدى سيمفونيات الموسيقار الكبير فيردي.

ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه: لكي نفهم شيلر جيداً ينبغي أن نوضعه في عصره. فقد ولد وعاش معظم حياته في القرن الثامن عشر، أي في عصر التنوير. ولذلك تأثر به، ولكنه تأثر أيضاً بحركة مضادة له: هي الحركة الرومانطيقية، هكذا نلاحظ أن الأضداد اجتمعت في شخصه كما اجتمعت في غوته وبعض الكبار الآخرين.

ولا يمكن أن نفهم شيلر إذا لم نأخذ بعين الاعتبار ما حصل عام 1770 في ألمانيا، وكان عمره آنذاك أقل من عشرين عاماً. في ذلك التاريخ اندلعت الحركة الرومانطيقية الألمانية تحت اسم: الإعصار والانقضاض!! وقد سبقت الحركة الرومانطيقية الفرنسية بثلاثين سنة على الأقل بل ان هذه الأخيرة تأثرت بها. وكانت هذه الحركة الرومانطيقية عبارة عن رد فعل للشباب ضد الكهول أو المسنين، وكذلك ضد النظام، والعقل، و«الأنوار».

كانت حركة انفجارية برلمانية تريد أن تدمر في طريقها كل شيء كالإعصار. كانت تعبر عن تمرد الشباب الألماني على الوضع القائم اجتماعياً وسياسياً وأخلاقياً وفنياً وجمالياً... الخ. ونجد أصداء ذلك في كتابات غوته الأولى وبخاصة مسرحيته «بروميثيوس».ثم جاءت مسرحية شيلر «قطاع الطرق» عام (1781) لكي ترسخ الموضوعات الرومانطيقية والأسلوب الرومانطيقي في الآداب الألمانية.

والواقع أن الشباب في عصر شيلر كانوا قد ملوا من كانط وعقلانيته الصارمة على الرغم من اعجابهم بفيلسوف التنوير الأكبر في ألمانيا. وكانوا يتفقون معه على نقد الدين ورجال الدين والقمع الفكري الرهيب للأصولية المسيحية. ولكنهم في ذات الوقت كانوا قد ملوا من سيادة المنطق والعقل والنظام وأرادوا تفجير كل شيء في حركة عفوية، رومانطيقية عارمة.

ضمن هذا الجو العام ينبغي أن نموضع شيلر لكي نفهمه على حقيقته. فالرجل ابن عصره ككل الأدباء والشعراء. أخيراً يمكن القول بأن شعره كان من النوع التأملي والفلسفي المركز، وللأسف ففي بعض الأحيان كان يثقله بالبلاغات اللفظية التي لا ضرورة لها، ولكنه عندما كان يترك نفسه على سجيتها كان يتوصل إلى شعر رائع لا مثيل له. ومعلوم أنه أثر على ريلكه الذين يعتبره البعض أكبر شاعر ألماني بعد هولدرلين.

* الكتاب: الدليل المرشد إلى أعمال فريدريك شيلر

* الناشر: كامدين هاوس ـ نيويورك 2005

* الصفحات: 333 صفحة من القطع المتوسط

A COMPANION TO THE WORKS OF FRIEDRICH SCHILLER

STEVEN D. MARTINSON

CAMDEN HOUSE - NEW YORK 2005

P.333