قام بتأليف هذا الكتاب المؤرخ والباحث الفرنسي جيرار نوارييل الأستاذ في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس. وكان قد نشر سابقاً عدة كتب عن العمال المهاجرين، والدولة القومية الحديثة، والتاريخ الاجتماعي للمؤرخين الفرنسيين. وهو هنا يقدم دراسة مبتكرة وجديدة عن أصول المثقفين الفرنسيين وعلاقتهم بالسلطة بعد الثورة الفرنسية وحتى اليوم.
ويرى هذا الباحث المختص أن الفصل بين الأستاذ الجامعي العالم من جهة، ورجل السياسة من جهة أخرى، كان قد حصل في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وفي ظل النظام المدعو بالجمهورية الثالثة باعتبار أن الجمهورية الأولى كانت قد تشكلت بعد الثورة الفرنسية مباشرة عام 1798.
ويرى المؤلف أن فرنسا شهدت ثلاثة أنواع من المثقفين عندئذ. فقد كان هناك أولاً المثقف الثوري وهو فيلسوف ينتمي إلى الايديولوجيا الماركسية. وكان يناضل من أجل تقليص التفاوت الطبقي بين مختلف فئات المجتمع، ومن أجل وضع حد لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
ثم جاء بعده مثقف السلطة الذي كان يدعو إلى إجراء إصلاحات معتدلة وعدم الانخراط في الخط الثوري المتطرف الذي يؤدي إلى تدمير المجتمع في رأيه وإشعال الحرب الأهلية بين طبقاته. وأخيراً ظهر في فرنسا ما يمكن أن ندعوه بالمثقف الخصوصي أو المتواضع على طريقة ميشيل فوكو وبيير بوردير. ومعلوم أن هذا الأخير كان يقول بأن العلوم الاجتماعية قادرة على قيادة مسيرة البشر نحو العدالة والحقيقة.
ثم يردف المؤلف قائلاً: على مدار القرن العشرين المنصرم راح هؤلاء الانواع الثلاثة من المثقفين يتصارعون فيما بينهم دون هوادة. فمثقف السلطة ريمون آرون كان واقعاً في حرب ايديولوجية مكشوفة مع المثقف الثوري ذي التوجه الوحدوي الماركسي جان بول سارتر. والمثقف الخصوصي بيير بوردير أو ميشيل فوكو كان ينتقد بشدة كلا المثقفين السابقين ويدعو إلى تحديد جديد لدور المثقف يختلف عن سارتر وأرون في آن معاً.
ولكن بشكل عام كان للمثقف دوره في تلك الأيام. والواقع أنه ما دام الاعتقاد سائداً بأن المثقف قادر على إضاءة الطريق أمام الممارسة الجماعية للبشر فإن دوره كان كبيراً ومكانته عالية. ولكن بعد أن انهارت الحركة العمالية في فرنسا متجسدة بالأحزاب الشيوعية الماركسية فإن دور المثقفين اضمحل وتضاءل حتى كاد أن ينعدم.
والآن أصبح المثقفون محرومين من أي دعم خارجي لإسماع صوتهم في الساحة اعامة، فما العمل إذن؟ ينبغي عليهم أن يجتمعوا ويوحدوا قواهم على الرغم من اختلافاتهم وتنوعاتهم إذا ما أرادوا أن يكون لهم دور ما في المجتمع، وكل شيء يتوقف على الجواب الذي سيقدمونه على السؤال التالي الذي لم يطرحوه على أنفسهم أبداً في أي يوم من الأيام: ما الشيء الذي يجمع بيننا؟
ما هي القواسم المشتركة التي تجمع بيننا كمثقفين متمايزين عن بقية فئات المجتمع؟ بمعنى آخر: ما هي خصوصية المثقف بالقياس إلى كل العاملين الآخرين في المجتمع؟ ثم يعود المؤلف إلى الوراء ويقول: لقد ظهر المثقف على مسرح التاريخ في فرنسا بالمعنى الحديث للكلمة في أواخر القرن التاسع عشر، أثناء محاكمة الضابط دريفوس ومعلوم أنه اتهم بالخيانة العظمى في حين أنه كان بريئاً. ولذلك انخرط بعض المثقفين وعلى رأسهم إميل زولا في حملة صحافية للدفاع عنه، وبدأوا يوقعون البيانات والمنشورات من أجله.
ومنذ ذلك الوقت ظهرت عادة توقيع البيانات من أجل قضية سياسية معينة أو شخصية مظلومة ومضطهدة.. إلخ، عندئذ قرر المثقفون والفنانون والأساتذة الجامعيون أن يتدخلوا في القضايا العامة التي تشغل المجتمع وأن يخرجوا من برجهم العاجي أو من نطاق بحوثهم الفكرية وتخصصاتهم، ولذلك أصبح المثقفون الفرنسيون نموذجاً يحتذى من قبل مثقفي العالم أجمع ،فالمثقفون في العالم العربي، أو الصيني، أو الهندي، أو الإيراني، أو الياباني، أو أميركا اللاتينية، أو إفريقيا السودان.. الخ.
أصبحوا يتدخلون أيضاً في القضايا العامة لمجتمعاتهم ويتخذون موقفا منها واصبح لهم رأي وصوت مسموع تخشاه السلطات احيانا بل وتعاقب عليه عن طريق القمع والسجن اذا لزم الامر. باختصار اصبح المثقف شخصا يخيف السلطة ويحسب له الحساب. ومعلوم ان جان بول سارتر عندما نزل الى الشارع في مظاهرات عارمة ضد النظام قال بعضهم للجنرال ديغول: لماذا لا تسجنه؟ فأجابهم: لا احد يسجن فولتير!
وهذا يعني ان انخراط المثقف من اجل قضايا الحق والعدل سابق على القرن التاسع عشر بل ويعود الى القرن الثامن عشر أي الى عصر التنوير بالذات ففولتير نفسه انخرط من اجل القضايا العامة وناضل من اجل التسامح الديني وطالب بمحاربة التعصب الطائفي الذي يصيب الاقليات او المثقفين انفسهم ولكن في زمن فولتير ما كانت كلمة مثل مثقف قد ظهرت بعد وان كانت ظاهرة المثقف موجودة كانوا يستخدمون عندئذ كلمة الفيلسوف او المفكر لا المثقف اما كلمة المثقف ذاتها فلم تظهر بالفعل الا في اواخر القرن التاسع عشر اثناء محاكمة دريفوس وربما كان الروائي الشهير اميل زولا اول من اخترعها او اول من اطلقت عليه على الاقل.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن جان بول سارتر في الستينات من القرن الماضي. ويقول: لقد بلغ المثقف الثوري ذروته في تلك الفترة على يد جان بول سارتر ومعلوم انه هو الذي اخترع مصطلح المثقف ويلتزم تمييزا له عن المثقف البرجوازي او مثقف السلطة واصبح سارتر عندئذ منارة لكل المعذبين في الأرض كما يقول فرانز فانون اصبح يتدخل في القضايا العامة ويناضل من أجل تحرر الجزائر من نير الاستعمار الفرنسي أو ضد الحرب الأميركية المجرمة على فيتنام الخ .
يضاف ذلك ان سارتر انخرط فعليا في العمل السياسي عندما وقع على بيان المئة وواحد وعشرين مثقفا فرنسيا من أجل جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وقد خاطر بنفسه عندئذ وتعرض للملاحقة البوليسية وبعض الموقعين سجنوا، أو هربوا او اختفوا عن الأنظار وبالتالي فالمثقف شخص يدفع ثمن مواقفه وليس فقط صاحب امتيازات وشهرة طويلة وعريضة والكلمات لها ثمن غال احيانا ،فكثيرا ما عرض سارتر نفسه للازعاجات بسبب مقال نشره او كتاب ألفه.
وبعد ثورة مايو الطلابية والعمالية الشهيرة عام 1968 نشر كتابا بعنوان مرافعة عن المثقفين وفيه يقول بما معناه: ان المضطهدين من قبل البورجوازية الرأسمالية أو الأنظمة الاستعمارية بحاجة إلى مثقف ثوري لكي يهديهم إلى طريق النضال ويقول لهم ما ينبغي ان يفعلوا لكي يتخلصوا من نير الاضطهاد والظلم.
عندئذ بلغ المثقف أوجه كشخص اساسي في تاريخ البشرية وتحرير الشعوب وأصبح سارتر نجماً كبيراً لا يقل أهمية عن نجوم السينما أو الفن. أصبح محجة لكل الناس الراغبين في التعرف على الحقيقة وفي الدخول إلى معترك الكتابة والثقافة والفكر.
كلهم كانوا يزورونه في المقاهي المقفلة التي يرتادها في حي السان جيرمان ديبري وسط العاصمة الفرنسية وهو قريب جدا من الحي اللاتيني، أي السوربون والمثقفين فجان جينيه تعرف عليه هناك وقد ساعده سارتر في بداية حياته الأدبية ودافع عنه بصفته أحد ضحايا المجتمع لأنه ولد كلقيط من دون أب أو أم، ثم خرج على المجتمع فسجنوه وعذبوه.
مهما يكن من أمر فان سارتر جسّد شخصية المثقف الكوني على أفضل وأكمل وجه ممكن، وبعده لم يتح لأي مثقف فرنسي أن يصل إلى مثل هذه المرتبة الرفيعة للمثقف، ولا يعادله في هذا المجال إلا فيكتور هيغو في القرن التاسع عشر، أوفولتير في القرن الثامن عشر، هذا بالإضافة إلى جاك روسو بطبيعة الحال.
* الكتاب: الأبناء الملعونون للجمهورية مستقبل المثقفين في فرنسا
* الناشر: فايارـ باريس 2005
*الصفحات: 335 صفحة من القطع الكبير
LES FILS MAUDITS DE
LA REPEBLIQUE
LAVENIR DES INIELLECTNULS EN FRANCE
GERARD NOIRIEL
FAYARD - PARIS 2005
P.335
