مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي والباحث بيرنت غلاتزير الذي أمضى وقتاً طويلاً في أفغانستان من أجل التعرف عليها، وعلى مشكلاتها عن كثب ومراسلة الصحافة الأجنبية وهو يقدم هنا مدخلاً تاريخياً عاماً عن أوضاع هذا البلد وعن الاضطرابات والقلاقل التي أصابته منذ زمن طويل وحتى يومنا هذا. وهو يقدم في البداية صورة عامة عن جغرافية أفغانستان وشعبها وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. ويقول بما معناه: أفغانستان هي أحد بلدان آسيا الوسطى المحاطة بدول عديدة كتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان والصين والباكستان وإيران، وهي أحد أفقر البلدان في العالم.

وفيما يخص وضعها الجغرافي نلاحظ أن أفغانستان بلد جبلي وعر عموماً. ولكنه يحتوي على سهول واسعة في الشمال والجنوب الغربي. وأعلى قمة جبلية هناك تصل إلى سبعة آلاف وأربعمئة وخمسة وثمانين متراً فوق سطح البحر. ومعظم أنحاء أفغانستان جافة. وبالتالي فالمياه قليلة هناك. ومناخ أفغانستان قاري بمعنى أن شتاءها بارد جداً وصيفها حار جداً. وتتعرض البلاد للزلازل غالباً.

وأما مدنها الأساسية فهي بالإضافة إلى العاصمة كابول: مدينة هراة، وجلال أباد، ومزار الشريف، وقندهار. ثم يردف المؤلف قائلاً: وينقسم سكان أفغانستان إلى عدد كبير من الأعراق المختلفة، وبما أنه لم يجر إحصاء دقيق لعدد السكان والأعراق مؤخراً فإن الأرقام التي سنقدمها هنا تظل تقريبية. يبدو أن الناس الذين يتكلمون الفارسية هم الأكثر عدداً ويشكلون خمسين بالمئة من عدد السكان الأفغان.

وهم يضمون الطاجيكيين 25% والهزاريين 22% وبعض القبائل الأخرى، أما الجماعة العرقية الثانية من حيث العدد فهي جماعة الباشتون الذين يشكلون 39% من سكان أفغانستان. ويليهم الأوزبكيون 9%. وأما التركمان والبلتوشيون فيشكلون 6%. وأما الأربعة بالمئة الباقية فمشكلة من أقليات صغيرة جداً وتتكلم ما لا يقل عن ثلاثين لغة.

وبالتالي فلا توجد وحدة لغوية في أفغانستان لا وحدة عرقية، ولكن توجد وحدة دينية لأن الأغلبية الساحقة من السكان هم مسلمون (80% سنة، 20% شيعة). وهناك أقليات هندوسية وسيخية ويهودية قليلة جداً. والكثيرون هربوا من البلاد بعد وصول الطالبان إلى السلطة. ولكنهم عادوا بعد سقوطهم، وقد عاد بعضهم وبخاصة فيما يتعلق بالسيخ. أما وجود اليهود فرمزي جداً.

ثم يردف المؤلف قائلاً: أما فيما يخص الثقافة والتعليم فيمكن القول ان البلاد تراجعت كثيراً من هذه الناحية بسبب الحروب المتواصلة منذ عشرين سنة على الأقل. ففي عام 2003 مثلاً كان يوجد في أفغانستان سبعة آلاف مدرسة. وقد دمرت الحرب 30% منها. ونقصد بالحرب هنا حرب التحرير ضد السوفييت والحرب الأهلية التي تلتها أو سبقتها. ولم يكن التعليم يشكل أولوية بالنسبة لنظام الطالبان حتى فيما يخص الذكور. أما فيما يخص الإناث فقد حرمن من التعليم أو الذهاب إلى المدرسة تماماً.

ويقدر الخبراء ان نسبة الأمية مرتفعة جداً في أفغانستان لأنها تصل إلى 64%، ولكن الأمور تحسنت نسبياً بعد سقوط الطالبان حيث عادت المدارس إلى فتح أبوابها من جديد أمام الذكور والإناث على حد سواء. وعلى الرغم من الفقر والعنف المحيط فإن الشباب الأفغان أثبتوا أنهم شجعان ويحبون أن يتعلموا ويتقدموا. وهذا ما أثبتته دراسات الخبراء الأجانب.

وتقول الإحصائيات بأن عدد الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة يصل إلى أربعة ملايين أو أكثر قليلاً. وهو رقم لا يزال ضعيفاً بالقياس إلى عدد السكان الذي يتجاوز الثلاثين مليون شخص.

وأما فيما يخص التراث المعماري للبلاد فإنه تعرض أيضاً للدمار في السنوات الأخيرة، فالكثير من الآثار أصيبت بشظايا الحرب. وقد تاجر بعضهم بها وباعوها إلى الخارج حيث اشترتها محلات الآثار الأوروبية، وبعض هذه الآثار القديمة ثمين جداً ويمثل بيعه إلى الخارج خسارة وطنية، ولكن الشيء الأكثر فداحة من كل ذلك هو تدمير الطالبان لتمثالي بوذا الرائعين في منطقة باميان. وهما من أجمل التماثيل في العالم، وكانا يجذبان إليهما السائحين كثيراً.

وبالتالي فقد خسرت أفغانستان آثارها الرائعة بسبب حماقة الطالبان وقلة عقلهم كما يقال. فقد دمروا آثاراً أخرى عديدة أو باعوها إلى الخارج للتخلص منها لأنها تذكرهم بأديان أخرى سابقة على الإسلام. يضاف إلى ذلك أنهم يرون فيها نوعاً من الوثنية والشرك بالله. وبالتالي فينبغي محوها عن سطح الوجود. هذه العملية أساءت كثيراً إلى سمعة الطالبان في شتى أنحاء العالم وجعلت الآخرين يفرحون لسقوطهم ولا يأسفون عليهم.

كما أنها أضرت بمصالح أفغانستان وكنوزها الأثرية والحضارية التي كانت تجذب ملايين السائحين إليها. يضاف إلى ذلك أنها أشاعت صورة خاطئة عن الإسلام الحنيف، دين الرحمة والتسامح، وقدمت عنه صورة أخرى مضادة لا علاقة له بهاثم يردف المؤلف قائلاً: لقد عانى شعب أفغانستان الطيب والأبي من هذا الحكم الظلامي الذي قمعه وشوه سمعته في الخارج وعطل حركته الإبداعية ومسيرته نحو التقدم والرقي.

ولكن أفغانستان لم تقل كلمتها الأخيرة بعد. فمستقبلها أمامها لا خلفها، صحيح انها دفعت الثمن باهظاً في العشرين سنة الأخيرة، فبعد حرب التحرير ضد الغزاة السوفييت دخلت في حروب أهلية متواصلة، وقد أثرت على اقتصادها ومعنوياتها ودمرت بناها التحتية وشبابها. ولا تزال الحرب الأهلية مستمرة بشكل أو بآخر لأن جماعة الطالبان تحاول العودة إلى السلطة وقلب نظام حميد قرضاي.

ولكنها سوف تفشل على الرغم من كل وسائل الرعب والتفجيرات التي تمتلكها. وذلك لأن حركة التاريخ لا يمكن أن تعود إلى الوراء، قد تتوقف قليلاً ولكنها لن تعود إلى الأزمان الغابرة، إلى القرون الظلامية. ولا يمكن لأحد أن يعيد شعب أفغانستان إلى العصر الحجري أو إلى عصور محاكم التفتيش والإكراه في الدين، فهذا مضاد لطبيعة هذا الشعب ولجوهر الدين الإسلامي الحنيف.

ثم يعود المؤلف في الزمن قليلاً إلى الوراء ويقول: إن أفغانستان كأمة قومية لم تبتدئ في الوجود إلا عام 1746، أي في منتصف القرن الثامن عشر، وكان ذلك تحت سيطرة سلالة الدراني، ولكن بريطانيا استعمرتها لفترة طويلة حتى وصل الملك أمين الله إلى الحكم عام 1919 على اثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، ومعلوم أن أفغانستان وقعت ضحية مطامع الدول الكبرى ولعبة الأمم الهادفة إلى النفوذ والسيطرة، ونقصد بالأمم هنا روسيا، وإنجلترا، وسواهما من الدول العظمى.

وأما فيما يخص المرحلة المعاصرة فيقول المؤلف إنه لولا دعم الجيش الباكستاني لما استطاعت جماعة الطالبان أن تسيطر على أفغانستان، أو على قسمها الأكبر ما عدا منطقة الطاجيكيين في الشمال الشرقي بقيادة أحمد شاه مسعود. وقد ابتدأ عهد الطالبان بشكل وحشي إذ انتقموا شر انتقام من خصومهم وبخاصة الرئيس السابق محمد نجيب الله. فقد دخلوا عليه الساعة الثانية بعد منتصف الليل وعذبوه مع أخيه شر تعذيب وقطعوا بعض أعضائه وقتلوه شر قتلة، وكشفوا بذلك عن وجههم الحقيقي المتزمت الذي لا شفقة فيه ولا رحمة.

بقي أن نقول إنه بعد رحيل السوفييت فإن زراعة الحشيش والمخدرات عادت إلى سابق عهدها. ولا يتردد بعض الخبراء في القول انها تشكل ثلث اقتصاد البلاد، بل وحتى أثناء حكم الطالبان الذين يدعون الصرامة الأخلاقية فإن إنتاج الحشيش لم ينقطع. وهذا دليل على أن الاقتصاد يتغلب أحياناً على الاعتبارات العقائدية. ومعلوم أن ماركس كان يقول ان البنى التحتية أهم من البنى الفوقية وهي التي تتحكم بها.

* الكتاب: أفغانستان

* الناشر:روتليدج ـ لندن، نيويورك 2006

* الصفحات: 192 صفحة من القطع الكبير

AFGHANISTAN

BERNT GLATZER

ROUTLEDGE-LONDON NEW YORK 2006

P.192