جودت السعد مؤلف هذا الكتاب هو أحد الباحثين المتخصصين في الفكر والأدب الصهيوني، وقد رحل قبل فترة وجيزة دون أن يتمكن من رؤية كتابه الجديد، هذا، مطبوعا. وهو من مواليد طبريا 1941م، حصل على إجازة في الفلسفة من جامعة دمشق. عمل في التعليم والصحافة والترجمة من اللغة العبرية التي درسها وأجادها أثناء عمله في الإعلام في بغداد.

كان عضوا في جمعية المترجمين الأردنيين، وكذلك في الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين، كما ترأس رابطة الكتاب الأردنيين ـ فرع اربد. أنجز الكثير من الدراسات في الأدب والفكر وفي مجال الترجمة، ومنها ما أعتبر مرجعا في موضوعه.

ومن أهم كتبه المنشورة: (الأدب الصهيوني الحديث بين الإرث والواقع)، (الدوافع السياسية في السينما الصهيونية) ، (الشخصية اليهودية عبر التاريخ)، (مختصر البلدان في ارض كنعان)، (أوهام التاريخ اليهودي)، (الرموز العنصرية في الأدب الصهيوني)، (رموز تحت الرحى) . وترجم عن العبرية: (الحركة الصهيونية)، (الخط الأخضر بين الأردن وفلسطين)...وسواها.

من خلال هذه المقدمة الموجزة يتبن لنا أن جودت السعد قد ركّز جل اهتمامه لرصد الحركة الصهيونية، ومعرفة مراميها، ومقاصدها، وهو لم يكن راصدا حياديا، بل أراد من خلال جهوده هذه، وإتقانه اللغة العبرية، النفاذ إلى عمق الحركة الصهيونية، وتعرية أطماعها وتوجهاتها العنصرية، بحسب رأيه، كذلك سعى إلى الكشف عن التضليل الذي تمارسه هذه الحركة عبر الأدب والفنون،

ويأتي كتابه الأخير (السينما الصهيونية.. بين التجنيد والتطوع)الصادر، مؤخرا، عن وزارة الثقافة السورية، ضمن المنحى ذاته، أي المنحى الهادف إلى فضح الأساليب التي يلجأ إليها الفنانون والمفكرون الصهاينة بغرض تشويه الحقائق على الأرض، وتزوير التاريخ.

كما أن الكتاب يعد استكمالا لكتاب له تناول نفس الموضوع. يقول الباحث بأن الحركة الصهيونية أدركت أهمية الفنون، ومن بينها السينما، فكان (لا بد من تجنيدها لخدمة التوجه الأيديولوجي والسياسي الذي كانت تلتزم به المؤتمرات الصهيونية الدورية)، ففي مجال السينما ـ موضوع هذه الدراسة ـ

تم حشد عدد كبير من فناني العالم للعمل لصالح الحركة الصهيونية مباشرة أو غير مباشرة، ويصر الباحث منذ البداية على ضرورة التمييز بين السينما الصهيونية التي تصنع في إسرائيل، وبين تلك التي تصنع في دول أخرى ولكنها تخدم الهدف الصهيوني، فمن الخطأ أن نقول ـ كما يذهب الكثير من النقاد ـ

بأن السينما الصهيونية تشمل تلك الأفلام المنتجة في هوليوود أو فرنسا أو إيطاليا وغيرها من الدول، إضافة إلى إسرائيل، ورغم إقرار الباحث بان عشرات الأشرطة التي عملت في هوليوود، وبعض الدول الأوربية، تخدم الصهيونية لكنها ليست صهيونية صرفا، فالأفلام الصهيونية الصرف ـ حسب تحديد السعد ـ (هي تلك التي تمول وتمثل وتصور في إطار الاحتلال ولغتها عبرية).

والغرض من هذا الفرز، الذي يلح عليه الباحث، هو الوصول إلى استنتاج يقول بأن السينما الصهيونية هذه ومنذ اكثر من خمسين عاما، ظلت (محلية، ومحدودة التأثير، ولم تخط خطوة نحو العالمية)، وعلى هذا الأساس فان فشل السينما داخل إسرائيل معناه عدم قدرة السينما العالمية على تحقيق ما فشلت فيه السينما داخليا مهما تراءى من نجاحات على الصعيد العالمي.

كما ان هذا الفرز يوضح مسألة أخرى وهي سبب اقتصار الباحث على الصحافة العبرية مثل (هآرتس، يديعوت أحرونوت، معاريف...وسواها) كمراجع للبحث، ذلك أن معظم المصادر العربية ـ كما يبرر الباحث ـ

تمزج بين السينما العالمية التي تخدم الحركة الصهيونية، وبين الأفلام التي أنتجت في داخل الكيان الصهيوني، وبما أن الباحث لا يوافق على هذا المزج فاستبعد تلك المراجع، أما استبعاده للمصادر والمراجع العبرية فمرده إلى أنها ذات لغة دعائية، خطابية لم يشأ الباحث الاستناد إليها، فاقتصر على المنشور في الصحف خلال سنوات طويلة.

يقسم الباحث دراسته إلى عشرة فصول، وفي الفصل الأول يحاول الوصول إلى استنتاج يقول بان الصهيونية وأطروحتها الفكرية ترتكز على مقولات أسطورية بعيدة عن المنطق الموضوعي والعلمي، وهذا ينطبق على السينما، وفي الفصل الثاني يناقش الباحث قضية التمويل وهي قضية رئيسة في الصناعة السينمائية، ويرى بأن الزعماء والقيادات الصهيونية كلها رأت منذ العام 1948 م،

(ان السينما كجهاز إعلامي يمكن تجنيده لخدمة أهدافهم العدوانية والسياسية)، ويبين الباحث في فصول لاحقة مسألة تبني السينما الأميركية للسينما الإسرائيلية إذ اهتم الأميركيون بقضايا السينما الصهيونية بقدر اهتمامهم بوجود إسرائيل، وحاولوا الأخذ بيدها لإخراجها من العثرات التي تقع فيها، كما أن المؤسسات الأميركية رعت المهرجانات السينمائية الصهيونية ومنحتها الجوائز، واحتفت بها في أكثر من محفل ومناسبة.

ويشير الباحث إلى ما يسميه بـ (الترابط الجدلي بين السياسي والجنسي) في السينما الإسرائيلية، لافتا إلى أن أفلام الجنس تشكل النسبة الأعلى بين هذا الإنتاج السينمائي، ويحاجج الباحث بأن هذه الأفلام الجنسية لها بعد آخر، (فالهدف الاستراتيجي للكيان الصهيوني يكمن في تفتيت المجتمع العربي ودفعه نحو الانحراف)، وبهذا الكم الهائل من الأفلام الجنسية، وعرضها ضمن صالات قائمة في الأحياء والأوساط العربية الفلسطينية أو عرضها عبر محطات التلفزيون، تحقق هذا الغرض، وفق رؤية الباحث.

ويختم الباحث كتابه بتصنيف الأفلام الصهيونية إلى أربعة أنواع فثمة، أولا، الأفلام التوراتية التي اقتبست قصتها من التوراة وطابعها الغالب ديني، ولأن الديانة اليهودية هي المدرسة التي تربى عليها اليهود فإن العنصرية هي السمة الغالبة على النتاجات الإبداعية والفنية، أما الصنف الثاني فيتمثل في الأفلام العسكرية.

وهنا يشرح الباحث بأن (يهوه) إله التوراة، هو رمز القوة والجبروت، قد طبع الأخلاقية الصهيونية بفلسفة العنف والتدمير، فكانت نظريات اليهود العسكرية انعكاسا لتعاليم التوراة وممارسة التعاليم الداعية إلى السيطرة على العالم فلا غرو من وجود الأفلام الصهيونية التي تؤكد على الواقع العسكري، فمئات الأفلام تناولت حرب 1948 وحرب 1956 وحرب 1967 والآن ثمة أفلام تتناول الحرب الدائرة بين إسرائيل وبين المقاومة.

أما الصنف الثالث، بحسب تصنيف السعد، فهو أفلام اجترارية تخدم أهدافا سياسية عبر التأكيد على (الآلام) اليهودية، وما لاقوه من مذابح في روسيا، وعلى يد النازية في ألمانيا وحتى زمن السبي البابلي وما قبله، والهدف من إنجاز هذه الأفلام هو إثارة النوازع الإنسانية لدى الشعوب الأخرى بإثارة الشفقة والتعاطف حول القضايا اليهودية من جهة، وتضخيم عقدة الاضطهاد اليهودية.

أما الصنف الرابع والأخير فيشمل الأفلام العنصرية الظاهرة، وهي سلسة من الأفلام الهادفة إلى إظهار عنصر التفوق الصهيوني عرقيا، وتميزه عن الآخرين وفق العقيدة اليهودية القائلة بان اليهود هم (شعب الله المختار).

وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يضع الباحث تعريفا للمصطلحات التي وردت في سياق بحثه، مثل: الاشكنازيم، السفرديم، الفلاشا، الكيبوتس، الهاغاناه، الهولوكوست...وغيرها من المصطلحات التي قد يصعب تفسيرها على القارئ غير المتخصص،

كما يضع ملحقا يضم عددا من الصور المختارة من بعض الأفلام الإسرائيلية التي جرى الحديث عنها خلال البحث، مثل فيلم (أريد الذهاب إلى مكان آخر)، وفيلم (داود)، وفيلم (يوسف)، و(يوم بيوم)، و(حب من النظرة الثانية)، و(الملعب الفلسطيني)، و(ماركو بولو)، و(أربعة اشهر ونصف في الأسر)وسواها من الأفلام التي وظفت بغرض الدعاية للحركة الصهيونية، الأمر الذي يحاول الباحث تبيانه في هذا الكتاب.

* الكتاب: السينما الصهيونية بين التجنيد والتطوّع

* الناشر: وزارة الثقافة السورية ـ دمشق 2006

* الصفحات: 158 صفحة من القطع المتوسط

ابراهيم حاج عبدي