ولد الدكتور شوقي شعث في بئر السبع في فلسطين عام 1937، يحمل دكتوراه في الآداب ـ الآثار السورية القديمة. عمل أميناً رئيساً للمتحف الوطني بحلب، ومحاضراً بجامعة حلب ، عضو في الجمعية العالمية لحماية التراث الفلسطيني، عضو في الجمعية الألمانية للدراسات الشرقية، وعضو في المركز الاستشاري الدولي في كامبردج للتوثيق.

له من الكتب: حلب تاريخها ومعالمها، القدس الشريف، فلسطين أرض الحضارة، نهر الذهب في تاريخ حلب. وله عدد كثير من الكتب المحققة. في هذا الكتاب «أضواء على التراث الحضاري في فلسطين»، يبيّن لنا التعديات التي وقعت على هذا التراث، إضافة إلى كونها تعالج قضايا التراث الحضاري الفلسطيني، وكذلك محاولة طمسه وتغييبه منذ زمن طويل، بدأ منذ العهد العثماني، وهو مستمر حتى يومنا هذا.

يعرفنا الكتاب على التراث الذي هو دراسة مخلفات الإنسان منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا في كل المجالات في النحت، الرسم، الصناعات المختلفة، العمارة، الموسيقى، الغناء... الخ. فالتراث ماضٍ والماضي تاريخ، والتاريخ هوية، فإن دراسة التراث هو قبول بالماضي وتجديد لعظمته وإنجازاته وفي ذلك ربط الحاضر بالماضي وهذا يعني ربط الإنسان الحاضر بماضيه وأرضه.

لقد حاول العدو الصهيوني أن يسلك عدة طرق في تخريب التراث الفلسطيني وإزالته، منها « التدمير الشامل له في المواقع الأثرية والأبنية التاريخية، وتغيير البيئة التاريخية للمدن والأرض الفلسطينية، الاستلاب الثقافي، نسبة الظواهر الثقافية لإسرائيل والإسرائيليين، مثل ( المهرجانات الفنية والسياحية، والمؤتمرات العلمية،وكالات السفر والسياحة ) التفسير الخاطئ لنتائج الدراسات الأثرية والتاريخية وزرع الشك فيها بطريقة أو بأخرى ».

بدأ الاهتمام بالتراث الفلسطيني باكراً، لأن فلسطين مهبط الوحي على الأنبياء ومسرى النبي العربي وهي التي شهدت الحوادث التي دوّنها المدونون في العهد القديم والحديث وفلسطين موطن حضاري قديم قامت في كهوفه حضارة إنسان ما قبل التاريخ.لهذه الأسباب مجتمعة بدأ الاهتمام بدراسة فلسطين: طبيعة ومناخاً، سهولاً وجبالاً، ودياناً وأنهاراً وينابيع، إنساناً وأرضاً.

وقد جاء إلى فلسطين من أجل دراسة فلسطين باكراً، منذ العهد البيزنطي، الكثير من الرجال الدارسين ليسجلوا مشاهداتهم وملاحظاتهم، وهناك في الوقت الحاضر كثير من الدوائر داخل الأرض المحتلة وخارجها، مهمتها الحفاظ على التراث الفلسطيني.يبدأ الكاتب بإجراء المسوح والتنقيبات الأثرية في مجال الآثار بفلسطين منذ العصر العثماني، فقد كان في طليعة أولئك الباحثين السويسري فلكس سميث فابري،

الذي جاء إلى فلسطين وقام بعدة رحلات في الفترة ما بين 1480 ـ 3841 وكتب وصفاً عاماً نشر بعد حوالي خمسة وسبعين عاماً. ثم تتالت بعده البعثات الأثرية الفردية والجماعية لدراسة آثار فلسطين، وكلها كانت تصب على أن هذه الآثار تصنف تبعاً للعصور التوراتية التقليدية. لقد تعرضت فلسطين إلى اغتصاب الصهيونية العالمية التي ادعت أنها صاحبة الحق بالأرض التي وعد الرب بها شعبه المختار ؟!!

وقد استخدمت البحث الأثري كوسيلة من تلك الوسائل لإثبات ذلك الإدعاء، وقد ساعدها في ذلك جيش من الباحثين الصهاينة والأوروبيين والأميركيين المتصهينين، فاستخدموا الآثار كوسيلة لتبرير الاغتصاب، والاستيلاء على الممتلكات الثقافية الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي،

ويدخل في إطار الممتلكات الثقافية الفلسطينية أيضاً المعالم التاريخية والتراث الشعبي والصناعات التقليدية والمخطوطات والوثائق (وثائق المحاكم الشرعية مثلاً) ويمكن القول إن الاستيلاء على الممتلكات الثقافية الفلسطينية يتم على الشكل الآتي: الاستيلاء التدريجي والاستيلاء المباشر. كذلك الاعتداءات الإسرائيلية على المواقع الجغرافية وعلى الأرض الفلسطينية.

إن الشعب العربي في فلسطين كله متمسك بالأسماء والعادات والتقاليد، متمسك بتاريخه وتراثه، فرغم تغيير الأسماء فهم لا يستخدمون في حياتهم اليومية إلا الأسماء التي عرفوها في طفولتهم، في القدس وفي حيفا وفي الجليل وغيرها من المدن الفلسطينية، وإن دلّ هذا على شيء إنما يدّل على تمسكهم بتراثهم وأرضهم.

ويورد الكاتب أسماء أنهار وجداول ووديان وبحيرات وبرك وعيون وينابيع وآبار وجبال وتلال وسهول ومروج ورؤوس وخلجان وصحارى وجزر ومدن وقرى اعتدى عليها الاحتلال وغيّر أسماءها بحجة التنظيمات العمرانية تارة وتارة لأغراض عسكرية وأمنية، والأخطر من ذلك كله مصادرة الأراضي لإقامة المستوطنات الإسرائيلية وبناء المساكن فوقها لاستيعاب المجلوبين من اليهود من سائر بقاع الأرض لإسكانهم بفلسطين المستوطنات،

ويحدد الكاتب أهم المستوطنات الإسرائيلية التي قامت منذ 1924 وحتى يومنا هذا، وفي هذا الصدد يدرس مدينة القدس كنموذج للاستيطان الصهيوني، من أجل ذلك انتزعت أربعة أحياء عربية منها هي: أحياء الشرف، وباب السلسلة، حي الباشورة، والمغاربة،وقامت بهدم المباني في تلك الأحياء وشردت أهلها،

وفي هذا الإطار أقامت السلطات الإسرائيلية عدداً من المستوطنات الإسرائيلية في القدس العربية ومن أهمها: ( عطروت، النبي يعقوب، راموث، رامات أشكول، التلة الفرنسية، معلوت، جيلو، الطالبية الشرقية، الحي اليهودي، الجامعة العبرية، مستوطنة حي سانهدريا، مستوطنة جبل أبو غنيم ).

إلى جانب هذا عمدت إسرائيل إلى تغيير أسماء الشوارع والحارات والساحات معطية إياها أسماء عبرية لطمس الهوية التاريخية لمدينة القدس وشجعت الحكومة الإسرائيلية على سكن اليهود بها ليكثر عدد السكان الإسرائيليين بها. يضم الكتاب فهرساً بالأشكال والصور العديدة والخرائط والمخططات والمستوطنات والمتغيرات السكانية والأماكن المقدسة. كما احتوى على ملاحق تضمنت انتهاكات إسرائيل للميثاق المتعلق بالمحافظة على الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح وضم 11 ملحقاً وإعلان اليونسكو بشأن التدمير المتعّمد للتراث الثقافي.

*الكتاب: أضواء على التراث الحضاري في فلسطين

* الناشر:اتحاد الكتاب ـ دمشق 2006

* الصفحات: 188 صفحة من القطع المتوسط

فيصل خرتش