يعتبر ناتسومي سوسوكي رائد الرواية اليابانية الحديثة لفترة الميجي من تاريخ اليابان (1868 ـ 1912 ) حيث تميزت تلك الفترة بانفتاح اليابان على العالم. عاش سوسوكي الذي ولد في طوكيو عام 1876 في كنف عائلة متواضعة من الساموراي ومرحلة حافلة بالتغيرات السريعة والمكثفة على صعيدي الثقافة والمجتمع. درس الأدب واللغة الانجليزية في جامعة طوكيو وتخرج عام 1883.

وفي عام 1900 حصل على منحة من الحكومة وتوجه إلى بريطانيا حيث درس الأدب الانجليزي لمدة عامين عاش خلالهما في وحدة قاسية وصفها بأسوأ سنوات حياته لما شهده من عنصرية وشوفينية. بدأ مهنته في الأدب عام 1905 حيث كتب قصته القصيرة «أنا هر» التي تحولت بعد ما لاقته من نجاح إلى رواية، وكذلك الأمر مع روايته الثانية «بوتشان» التي نشرها بعد عام.

ومن الملاحظ بأن أعماله الأولى كانت حافلة بالسخرية والكوميديا ولكن مع روايته «عامل المنجم» التي نشرت عام 1908 بدأ أسلوبه يميل إلى الأجواء القاتمة. توفي ناتسومي متأثرا بمرض قرحة المعدة في 9 ديسمبر عام 1916 في طوكيو، وكان يعمل حينها على رواية (عشب على حافة الطريق) ويتناول فيها مشاكل الزواج مع جزء من سيرته الذاتية. وقدم خلال مسيرة حياته 14 عملا روائيا أهمها «كوكورو» أو قلب الحقيقة ونشرت على حلقات عام 1914.

وكما هو عنوان الرواية بمعناه «قلب الحقيقة» فكذلك هم أبطالها حيث يتاح للقارئ فرصة الإطلاع على دقائق أعماق النفس البشرية والصراعات التي يعيشها الإنسان بين تناقضات لا حصر لها، فالمثل والقيم من جهة واحتياجات الإنسان ورغباته ومتطلبات الواقع المعاصر من جهة أخرى.

في بداية القصة، يلتقي الطالب الجامعي الذي يقوم بدور الرواي ويشار إليه بأنا المتكلم برجل ناضج يثير اهتمامه وفضوله مما يدفعه مع أول فرصة تتاح له للحوار معه ومناداته باسم سانسي ومن ثم زيارته في منزله في طوكيو. وزاد تحفظ سانسي وانغلاقه على نفسه من فضول الشاب لمعرفته أكثر. ونتلمس في هذا الجزء أبعاد الوحدة التي يعيشها جيلين مثقفين من المجتمع الياباني.

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى العالم الخاص بالطالب الذي يغادر طوكيو إلى قريته بعد تخرجه، ليبقى بجوار والديه إلى حين. وهنا يجد القاريء نفسه أمام محور آخر من التواصل بين جيلين، أحدهما يمثل العائلة البسيطة في تفكيرها وحياتها مقابل شاب منفتح على تقدم الحياة المدنية في العاصمة. ويتجلى التباين في التفكير والمنطق والصراع المبطن مع الذات والآخر وضغوطات المجتمع العائلي.

وفي الجزء الثالث تبدأ المحاور بالتشابك، فالشاب يعيش صراعه بين رغبته في العودة إلى العاصمة وتأسيس مستقبله وبين البقاء برفقة والدته ووالده الذي بدأت صحته بالتدهور تدريجيا، وبين ضغوطات الوالدة التي تحثه على البحث عن فرصة عمل وفي ذات الوقت لا تتوقع مغادرته.

وفي الأيام الأخيرة وحينما كان يتناوب مع أفراد العائلة في السهر على الوالد، تصل الشاب رسالة من سانسي. وحينما تتاح له فرصة الانفراد بنفسه يتصفح الرسالة بسرعة، لكنه يتوقف أمام إحدى الفقرات الأخيرة التي يذكر فيها الصديق بأنه قرر إنهاء حياته. وبلا تردد أو تفكير يغادر الشاب المنزل مباشرة إلى محطة القطار حيث يترك رسالة لوالدته وأخيه يشرح فيها أسباب مغادرته بصورة مفاجئة. وفي القطار ينتقل القاريء إلى نموذج جديد من الشخصيات ويكون الراوي فيها سانسي والبطل الآخر قبالته صديقه الذي يشار إليه بحرف ك.

بدأت مأساة سانسي حينما توفي والداه وغدر به عمه واستولى على ميراثه، مما أفقده قدرته على الثقة بالآخرين وخلف مرارة وغضبا في داخله دفعه لبناء حاجز بينه وبين المحيط. وحينما انتقل للسكن في غرفة لدى أرملة ضابط تعيش مع ابنتها الشابة الجميلة أوجوسان، بدأ سانسي بالتأرجح بين قناعاته وبين السعادة التي بدأت تطرق قلبه كلما قابل الشابة. كانت شكوكه تتغلب دوما على مشاعره بشأن تفسير ود العائلة له.

وحينما يلتقي مجددا بصديق الطفولة ك (نموذج آخر من الشخصيات) كان الأخير تحت ضغوطات نفسية ومادية كبيرة بسبب معاندته لعائلته التي تبنته وإصراره على دراسة التخصص الذي اختاره هو وليس والده. ومع إصراره على العمل لإتمام دراسته يقترح عليه سانسي مشاركته السكن للتخفيف من أعبائه النفسية والمالية ويطلب من العائلة مساعدته في التخفيف من وطأة الوحدة التي يعيشها.

تصل القصة إلى ذروتها حينما يقع ك أيضا في غرام أوجوسان. وعندما يصارح ك صديقه سانسي بمشاعره يصاب الأخير بصدمة كبيرة وصراع عنيف. فهو تارة يمقت هذا الصديق الذي يصوره كشيطان لتودده لأوجوسان، وتارة يقرر مكاشفته بمشاعره هو أيضا تجاهها، وتارة أخرى يقرر مصارحة الفتاة بحبه لها قبل فوات الأوان.

بعد أيام يكتشف ك بأن سانسي قد خطب الفتاة لنفسه من دون أن يكاشفه بالأمر. وهنا يشعر سانسي بالحرج والخجل والجبن ويبدأ بتأنيب نفسه، وما هي إلا أيام حتى ينتحر ك بعدما ترك لصديقه رسالة يذكر فيها أنه انتحر لعدم مقدرته على الحياة وفق أفكاره الخاصة. إلا أن سانسي أدرك أن السبب الحقيقي يتمثل في عدم قدرة ك على العيش وحيدا بعد فقدانه لحبه.

وهكذا حمل سانسي سره معه وإحساسه بالذنب طيلة حياته ولم يجد لنفسه مخرجا سوى بالانتحار أيضا وما شجعه على اتخاذ هذا القرار هو وفاة الامبراطور الذي كما رأى سانسي أنه بوفاته سجل نهاية مرحلة الميجي التي ينتمي إليها هو أيضا.