مؤلف كتاب «فضائل الأندلس وأهلها» ابن حزم الأندلسي «علي بن أحمد سعيد» أحد أعلام الفكر العربي في القرن الخامس الهجري ولد سنة «384» في قرطبة، حصل في صباه شيئاً من الثقافة الأولية على يد الجواري، ثم أخذ يطلب العلم في قرطبة، وظل مثابراً على طلبه طوال حياته، ومن العسير أن يصور الدارس مدى ثقافة «ابن حزم» لتشعب هذه الثقافة وشمولها لجميع أنواع المعرفة في عصره، فهو متعمق للفقه والحديث، عارف بآراء أهل المذاهب الأخرى مطلع على أهل الأديان،

ويجمع إلى ذلك كله إطلاعاً واسعاً في اللغة والنحو والأدب والتاريخ، إضافةً إلى الفلسفة والمنطق والفلك، وقد قيل فيه : «ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار، وكان «ابن حزم» ذكياً سريع الحفظ واسع الإطلاع، متفانياً في طلب العلم ونشره، وكان في شخصه متواضعاً عاملاً بعلمه، زاهداً في الدنيا، متديناً كريم النفس.

ويبدو أن التراث العربي ملئ بمؤلفات كثيرة، اختصت بالفضائل، تناولت فضائل الأشخاص وفضائل البلدان، وكان التأليف في فضائل الأشخاص قد سبق التأليف في فضائل البلدان. وقد دفع في فضائل التأليف في فضائل البلدان، عوامل كثيرة، أهمها يرجع إلى أسباب سياسية أو عصبية، وكان من أقدم ما ألّف في هذا الباب، كتاب «فضائل البصرة» ثم ظهرت فضائل دمشق، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة»...

ويعد كتاب «فضائل الأندلس وأهلها» لابن حزم، من أهم مؤلفاته، فهو من ناحية يفيد في تأريخ سيرة ابن حزم نفسه، ومعاصريه وأقرانه وشيوخه، كما يلقي الضوء على شخصيته وميوله، كما أنه من ناحية أخرى يؤرخ للفكر الأندلسي، بما يتضمنه من تراث أنتجه أهل الأندلس حتى أيام ابن حزم. وقد كان الدافع لكتابة ابن حزم كتابه هذا، ما عابه أحدهم «الحسن بن محمد بن أحمد بن الربيب» على أهل الأندلس من تقصيرهم في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضائلهم.

ومن المعروف أن ابن حزم اتخذ الأساس الفكري وسيلة للتفضيل، ولم ينس أن يضيف إلى فضائل العلماء ـ علماء الأندلس ـ خصائص قرطبة، وهي مسقط رأسه. بدأ «ابن حزم» في مقدمة عن فضائل الأندلس، محاولاً إيجاد فضيلة دينية لها، فأخذ ما يسرد ما ألف من كتب في أحكام القرآن الكريم، والحديث ورجاله، والفقه واللغة، والشعر التاريخ والطبقات والطب والهندسة وعلم الكلام.

وقد حاول وبشكل خفي أن يفضل علماء الأندلس على علماء المشرق . الكتاب يحوي في أوله على رسالة ابن الربيب إلى ابن حزم، يعيب أهل الأندلس، ثم يأتي الكتاب بعد ذلك، وفي بدايته رسالة ابن حزم مخاطباً «ابن الربيب».

ومما يقول : فأما مآثر بلدنا، فقد ألّف في ذلك «أحمد بن محمد الرازي» كتباً حجة منها ضخم، ذكر فيه مسالك الأندلس ومراسيها وأمهات مدنها، وأجنادها الستة، وخواص كل بلد منها وأنا أقول : لو لم يكن لأندلسنا إلا ما رسول الله -صلعم - بشر به ووصف أسلافنا المجاهدين فيه بصفات الملوك على الأسرّة، لكفى شرفاً بذلك يسرّ عاجله ويغبط آجله.

وهو لا ينسى مدينته حين يقول : وأما في قسم الأقاليم، فإن قرطبة مسقط رؤوسنا، ومعقّ تمائمنا، مع سرّ من رأى في إقليم واحد، فلنا من الفهم والذكاء، ما اقتضاه إقليمنا، وقد صدق ذلك الخبر، وأبانته التجربة، فكان أهلها من التمكن في علوم القراءات والروايا وحفظ كثير من الفقه، والبصر بالنحو والشعر واللغة والخبر والطب والحساب والنجوم»...

ثم يعرج «ابن حزم» بعد ذلك على المؤلفات في ذلك ومنها قوله : وفي تفسير القرآن، كاتب «أبي عبد الرحمن بقي من مخلد، فهو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثني فيه، أنه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله، ولا تفسير» محمد جرير الطبري» ولا غيره ومنها في «أحكام القرآن» كتاب «ابن أمية الحجازي» وكتاب القاضي أبي الحكم منذر أبي سعيد، وكلاهما في أحكام القرآن غاية ...و هكذا نرى بأن «ابن حزم» يرى بأن ما ألّفه الأندلسيون يفوق أي تأليف آخر، وبخاصة في علوم الدين والفقه والحديث ليكون في كلامه تفضيل لهؤلاء العلماء على غيرهم من علماء المشرق.