عندما يعلو صوت المدافع لا أحد يستطيع الإصغاء إلى أي صوت آخر، عندما تنتهي الحروب يبدأ البحث عن أبطال لتتويجهم وعن جبناء لتنكيلهم، وعندما يتصاعد صوت الغربان فوق الخرائب سيجد كل باحث ضالته، الموتى سيجدون من يدفنهم، والأحياء سيجدون شيئاً يبكون عليه، وستصبح هناك تلال من الذكريات، ذكريات حرب مدمرة.

جميع حروب الكون دخلت الكتب عبر مؤرخين لم يكونوا ذات يوم على تلك القيمة العالية من الموضوعية، بعض الحروب أصبحت نصراً لا يقهر، وبعض الانتصارات تحولت عبر صفحات التاريخ إلى هزائم. وعندما تقلب الأمور يجد المرء صعوبة في تبيان الحقيقة، الحقيقة التي تضيء له الطريق ليقف إلى جانب المنتصرين أو المهزومين، فليس من الحكمة الوقوف في منتصف الطريق، بينما الكل يقف على طرفي النهر.

لقد قالت الكتب كلمتها في الحرب وقال الأدباء رأيهم فيها، ولعل الحربين الكونيتين الأولى والثانية كانتا الأكثر انتشاراً في روايات العصر فدخلتا إلى التاريخ عبر قصص إنسانية تجاوزت الحدود الجغرافية للمعارك، وتلقفتها السينما لتصنع منها روائع نراها ونحن على مقاعد وثيرة، ألم نر حروب الخليج الثلاث على المقاعد الوثيرة! وقد حدث ذلك أيضاً في العدوان الإسرائيلي على لبنان في الثاني عشر من أغسطس الماضي.

ما تقوله الكتب لا يوازي ربع ما تقوله الوقائع، أي وصف يقوله مبدع بحق صورة رضيع طالته آلة إسرائيل الجهنمية، بعض المشاهد لا توصف، ويخشى المرء ألا تجد طريقها إلى كتب التأريخ! في سمائنا تعلو أصوات المدافع على أي صوت آخر، ويكاد هذا الصوت أن يتجاوز سماءنا إلى سموات أخرى ليصبح أكثر قوة وأشد فتكاً، فقد غطت أخبار العدوان الإسرائيلي على لبنان جميع الأخبار الأخرى وعشرات القتلى الذين يتساقطون كل يوم في العراق لا أحد يعطيهم أهمية الخبر الأول فقد أصبح تفجير سيارة مفخخة في بغداد وسقوط العشرات خبراً قديماً قياساً بعمارة تدك فوق رؤوس ساكنيها في بيروت.

هل ستقول كتب التاريخ ذلك ذات يوم، وهل ستذكر أن أخبار الحروب الجديدة تجب أخبار الحروب القديمة وهل سيكتب المؤرخون قصصاً كما فعلوا إبان الحربين الكونيتين الأولى والثانية! أجزم أن كاتبي الحروب ومؤرخيها لن يألوا جهداً في ذلك، ولكن من سيقرأ تلك الكتب؟، فقد اعتاد الناس على قراءة كتب الأقوياء ليس لأنهم يكتبون التاريخ حسب هواهم فقط، بل لأنهم يحولون التاريخ ليجري في أنهارهم، وعندما يمكنهم تحويل جميع هزائمهم إلى انتصارات، وجميع مجازرهم إلى حق مشروع للدفاع عن النفس.

hussain@albayan.ae