تييري دومونبريال مؤلف هذا الكتاب هو مؤسس ومدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية منذ عام 1979. ويشرف سنوياً على إصدار دليل استراتيجي حول حالة العالم، كما يعمل استاذاً لـ «الاقتصاد التطبيقي والعلاقات الدولية» في المعهد الوطني الفرنسي للفنون والمهن بباريس، فضلاً عن انه يقوم بالتدريس في كلية «البوليتيكنيك» الشهيرة التي تخرج منها العديد من كبار موظفي الدولة في فرنسا إلى جانب المدرسة الوطنية للإدارة.

وكان قد تم انتخاب دومونبريال عضواً في أكاديمية العلوم الأخلاقية عام 1992 ـ وهي إحدى الأكاديميات الخمس التي من بينها الأكاديمية الفرنسية والتي تشكل بمجموعها ما يسمى بـ «المعهد».قدم المؤلف العديد من الكتب للمكتبة الفرنسية من بينها «الفوضى الاقتصادية العالمية» و«الطاقة: العد التنازلي» و«ثأر التاريخ» و«من أجل محاربة الفكر ذي الاتجاه الواحد».. الخ.

1989 هو عام سقوط جدار برلين و2003 شهد الحرب الأميركية ـ البريطانية على العراق. وما بين هذين التاريخين مرت خمس عشرة سنة تغيرت فيها بشكل عميق معطيات المشهد العالمي، ولا شك بأن تفجر الاتحاد السوفييتي (السابق) كان أحد أهم تلك الأحداث.. تحدث البعض مثل المفكر الأميركي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ» وقال آخرون على خطى صمويل هنتنغتون بـ «صدام الحضارات»..

ما يتم تأكيده في تحليلات هذا الكتاب هو أن هذه الفترة «المتأرجحة» تحمل في طياتها «خطوط القوة، التي سترسم التوازن الكوني الجديد لمدة عقود طويلة. ولعله من المفيد أولاً، بغية التعريف بمكنونات هذا الكتاب، الإشارة إلى أن فصوله الستة عشر تحمل تواريخ زمنية للسنوات الخمس عشرة الواقعة بين عام 1989 وعام 2003، وعام 1989 وحده هو الذي يحظى بـ «فصلين» يحمل أولهما عنوان «يوليو 1989» حيث يتحدث المؤلف عما يسميه بـ «ثورة جديدة في الشرق» ويحمل الثاني عنوان «ديسمبر 1989» المكرس لدراسة عملية «إعادة تركيب أوروبا من البلطيق إلى البحر الأسود».

وفي الفصول اللاحقة يتحدث المؤلف في عام 1990 عن عملية إعادة توحيد ألمانيا على أنقاض انهيار برلين وفي عام 1991 نقرأ عن «حروب الخليج والدروس المستخرجة منها» مع بوادر التوجه نحو بروز نظام دولي جديد بوجود روسيا جديدة عرفت ما يسميه المؤلف بـ «عصر الاضطرابات» في عام 1992 الذي شهد أيضاً بروز النزعات القومية المتطرفة من جديد في منطقة البلقان..

ثم ان الفصول الثلاثة اللاحقة الخاصة بسنوات 1993 و1994 و1995 مكرسة بجزء كبير منها لدراسة موقع روسيا في أوروبا وفي العالم لاسيما بانفتاح آفاق أوروبية جديدة لتوحيد القادة بينما تحظى التوترات في الشرق الأوسط وصعود القوة الصينية وسيرة التوحيد الأوروبي نفسها بما واجهته من امتحانات وبحث روسيا والصين عن سبل لـ «الخروج من الشيوعية» عبر «الطلاق النهائي»

في الحالة الروسية وتبني إصلاحات اقتصادية باتجاه اقتصاد السوق الرأسمالي بالنسبة للصين بفصول الكتاب اللاحقة حتى عام 2001 ليتم تكريس الفصلين الأخيرين لعامي 2002 و2003 من زاوية الآثار التي ترتبت على تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن ثم الحرب على العراق عام 2003 وآثارها المستمرة حتى اليوم.

هذا الكتاب «15 سنة تهز العالم»، وكما تدل هيكليته هو عمل توليفي لمجموعة من الدراسات التي قدم فيها المؤلف رؤيته لما يجري أمامه من أحداث كبرى، ويصل في محصلة تحليلاته إلى القول في المقدمة المكتوبة في شهر مارس 2006 باب العالم قد «دخل منذ عام 2003 بمرحلة جديدة، ومسألة التطرف ليست بالتأكيد الوحيدة المطروحة على البشرية رغم أنها الأكثر أهمية إذ هناك مسائل أخرى،

ويضيف: «ان استقرار اللعبة ـ الدولية ـ يفترض البحث النشيط والدؤوب عن تسوية عادلة للمشكلة الفلسطينية الإسرائيلية وذلك في الاتجاه الذي كانت قد ارتسمت معالمه حتى اغتيال إسحاق رابين عام 1995، والذي جعل القطار ـ قطار السلام ـ يخرج عن سكته. ويفترض هذا البحث أيضاً أن تقبل الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، التفاوض للوصول إلى اتفاقيات حول الأمن الإقليمي مع مجموعة البلدان المعنية مباشرة بالوضع في الشرق الأوسط، ابتداءً من إيران، وحتى لو لم تكن تحب نظامها السياسي».

ويرى مؤلف هذا الكتاب في السياق نفسه أنه من العبث الإصرار في التأكيد على أن «مركب الإنقاذ» الذي يمكن أن يؤدي بمنطقة الشرق الأوسط إلى مرفأ السلام يتمثل حصراً في إشاعة الديمقراطية فيها، ذلك انه «لا يمكن للديمقراطية أن تعطي ثمارها إلا في سياق مناسب».

ويؤكد المؤلف أيضاً أن سقوط المنظومة الشيوعية التي كان انهيار جدار برلين بمثابة الإيذان به في شهر نوفمبر 1989 واستكمال هذا «السقوط» في عام 1991 مع انهيار الاتحاد السوفييتي، إنما كان إعلاناً عن «قطيعة» لا تقل أهميتها تاريخياً عن الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. ذلك انه هناك «ما قبل و«ما بعد» انهيار الشيوعية في التاريخ الحديث. ولعل أهم ما في تحليلات هذا الكتاب هو ان مؤلفه يحاول أن يوضح طريقة رؤية مشاكل العالم في مسيرتها التطورية أثناء فترة تحولات متسارعة»..

وبهذا المعنى يمكن الحديث عن محاولة لـ «فك رموز» الدلالات العميقة لما نشهده من أحداث تجري أمامنا.. وذلك من منظور سياسي واستراتيجي واقتصادي شامل، ولعل مثل هذه الذهنية هي التي تشكل أيضاً «الخط الناظم» الذي يعطي للكتاب وحدته بحيث يتعدى كثيراً كونه مجموعة من المقالات المكتوبة خلال فترات زمنية متباعدة أحياناً. في عام 1989 أي بعد أربع سنوات من وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي (السابق) كان قد أصبح من الواضح ان «ثورة جديدة» ذات مظهر سلمي،

هي بصدد أن تهز «طليعة» المعسكر الاشتراكي.. ويرى المؤلف أن الإحساس الأول حيال ما جرى كان هو الإعجاب بالموهبة الاستثنائية للرجل الذي أخرج بلاده الشاسعة من المستنقع «التوتاليتاري» الذي كان قد وقعت فيه.. لكن تبدى بعد ذلك أن المسألة كانت تتعلق بالأحرى بـ «توجهات جديدة» جرى إقرارها بشكل جماعي وان «الإصلاح» كان وراءه «المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي.

ومع سقوط المنظومة الشيوعية سقط أيضاً «الستار الحديدي» الذي كان قائماً في أوروبا طيلة فترة الحرب الباردة، لكن مشكلة الأمن الأوروبي ظلت قائمة.. ودفعت المعطيات الجديدة بين الغرب والشرق إلى التفكير بشكل أعمق حول مستقبل أوروبا، هذا لاسيما وان التحولات التي شهدها العالم أدت إلى اختلالات كبيرة في الاقتصاد العالمي.

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يرى بأنه «نادراً ما صنعت الشعوب التاريخ مباشرة، وكنت في طريقها كل شيء دون وساطات» فإنه يقر بأن مثل هذه الحركة انطلقت في أوروبا الشرقية والوسطى. في النصف الثاني من عام 1989 لتحطم الأغلال التي كانت تخنق شعوبها منذ عقود طويلة من الزمن.. وفي إطار مثل هذه الحركة أعيد بناء الخارطة الأوروبية من مجر البلطيق إلى البحر الأسود..

وتغيرت الصورة من صيغها «المفروضة» إلى صيغ «مختارة بحرية» كذلك كانت عملية توحيد الأمة الألمانية بعد عقود من وجود ألمانيتين غربية ـ ديمقراطية لبرالية ـ وشرقية ـ ديمقراطية شعبية، بمثابة الرمز الأكثر جلاء وقوة لتلك الحركة التاريخية الجديدة والتي لم تكن بعيدة أيضاً عن تعزيز سيرة التوحيد الأوروبي نفسها كتعبير عن «ثأر التاريخ».

وكانت الفترة الواقعة بين شهر يوليو 1990 وشهر يوليو 1991 زاخرة بالأحداث الكبرى مع حرب الخليج الأولى وحالة الفوضى التي شهدها الاتحاد السوفييتي (السابق) وتمزق الفيدرالية اليوغسلافية، والتي يرى المؤلف أنها كانت «مصطنعة» إلى درجة كبيرة، مثلها مثل الحدود الحالية في منطقة الشرق الأوسط الناجمة بشكل رئيسي تقريباً عن نتائج الحرب العالمية الأولى، واتفاقية «سايكس ـ بيكو» ذات الطبيعة الاستعمارية.

ويرى المؤلف أن سقوط الإمبراطورية السوفييتية لم يكن بعيداً عن نشوب الأزمات الكبرى الأخرى آنذاك بما في ذلك حرب الخليج الأولى.. ذلك أن الكبار «المأخوذين» بالشأن الأوروبي لم يولوا الأزمة التي كانت تتصاعد بين العراق والكويت ما كانت تستحقه من اهتمام. كما يطالب المؤلف بضرورة التمييز بين «الأسباب العميقة والأسباب المباشرة» الكامنة وراء جميع الأزمات.

إن عبدالكريم قاسم كان ينوي كما يشير المؤلف، اجتياح الكويت عام 1961 عندما أعلنت استقلالها، لكن بريطانيا ردعته عن ذلك. ويرفض المؤلف مقولة ان واشنطن قد نصبت فخاً لصدام حسين كي تدمره، لكنه يقول: انه بالمقابل «يمكن التفكير ان رئيس الولايات المتحدة الأميركية آنذاك جورج بوش ـ الأب ـ قد أدرك بغمزة عين يتحاكى بها القادة الكبار ما يمكن أن يجنيه مباشرة من مكاسب من الوضع». ومن خارطة التحالفات التي يفرضها الواقع الإقليمي.

ويرى المؤلف أن أحد الأسباب التي دعت جورج بوش الأب لتوقيف المعارك ليلة 27 ـ 28 فبراير وعدم استكمال العمل العسكري حتى الانتهاء من نظام صدام حسين إنما يتمثل في خشيته من التورط في الفوضى التي قد تعم بغداد..

ولم يرد أن يكون ثمن الإطاحة بصدام هو «انفجار» العراق، لكن حسابات جورج بوش الأب كانت مختلفة في حربه على العراق عام 2003، وذلك على خلفية تأكيد التفوق العسكري الأميركي العالمي كماً ونوعاً.. لاسيما وأن نفقات الدفاع الأميركي تمثل اليوم 40% من مجموع نفقات العالم في هذا الميدان.

كما تكرس الولايات المتحدة إمكانيات للبحث العسكري تفوق بأربعة أضعاف ما تكرسه بلدان الاتحاد الأوروبي كلها. وهناك أيضاً الدافع العقائدي و«الدين والسياسة لا ينفصلان أبداً تقريباً في أميركا» كما يقول المؤلف. فما هي الأهداف المقبلة؟ يتساءل تييري دومنبريال في الصفحات الأخيرة من كتابه.

* الكتاب: 15 سنة تهز العالم من بغداد إلى برلين

* الناشر: دونو ـ باريس 2006

* الصفحات: 482 صفحة من القطع المتوسط

QUINZE ANS QUI

BOULVERSENT LE MONDE

THIERRY DE MONTBRIAL

DUNOD - PARIS 2006

P. 482