تنتمي رواية «الهجوم» للروائي الجزائري ياسمينة خضرا إلى نوعية الروايات المثيرة للجدل بامتياز، ويضاعف من قدرتها على إثارة الجدل كونها الجزء الثاني من ثلاثية يشتغل عليها الروائي، كان الجزء الأول منها هو «سنونوات من كابول» والجزء الثالث الذي سيصدر في سبتمبر المقبل هو «سيرانات بغداد» والمؤلف يقول إنه يحاول من خلال هذه الثلاثية أن يقول للغرب «الحقيقة» عن الشرق، باعتبار أن الرواية قد أصبحت الأداة الوحيدة لقول الحقيقة في زمن حافل بالأكاذيب.

لكن المرء لا يملك إلا التساؤل: عن أي حقيقة يتحدث ياسمينة خضرا بالفعل؟ يحاول الروائي الجزائري إقناعنا بأنه يقدم لنا روايته من خلال نسيج يجمع الواقع على نحو ما يجري على أرض فلسطين وبين الطابع شبه الوثائقي وبين ملامح المأساة في شرق المتوسط بكامله، منتقلاً من الأرض الملتهبة إلى الذات المجروحة.

نحن في هذه الرواية مع أمين الجعفري وهو طبيب جراح ناجح من عرب 1948، يعيش في تل أبيب مع زوجته سهام على هامش الصراع السياسي والعسكري المحتدم من حوله. وذات يوم تقع عملية انتحارية في أحد مطاعم تل أبيب، فيبادر كعادته إلى معالجة المصابين وإجراء الإسعافات لهم، رغم أن البعض لا يتردد في البصق عليه باعتباره عربياً.

عندما يعود أمين الجعفري إلى داره في الليل يجد الدار سابحة في الظلام، ولا وجود لزوجته الحبيبة سهام، الأمر الذي يثير مخاوفه، ثم يتلقى مكالمة من المستشفى تدعوه للتعرف على إحدى الجثث، وسرعان ما يتبين أن الجثة لزوجته، ويصدم عندما يعلم أن زوجته هي التي نفذت العملية الانتحارية متنكرة في ثياب امرأة حبلى، وواضعة المتفجرة تحت فستانها، وهذه الصدمة تجعله في حالة من الاضطراب النفسي الشديد، فهو لا يستطيع تصديق أن زوجته يمكنها الإقدام على ما أقدمت عليه، لكنه ما يلبث أن يصدق عندما تبلغه الرسالة التي تركتها له زوجته سهام.

تحت وقع الصدمة، وبحثاً عن أسرار دافع زوجته إلى السير في هذا الدرب الوعر يقرر أمين الجعفري أن يمضي إلى بيت لحم ليتصل برجال الحركة التي انضوت تحتها زوجته، وهناك يلتقي برجال الحركة ويسمع منهم المنطق الذي وقف وراء خطوة زوجته وهو المنطق الذي كان أبعد ما يكون عن مجرد الوعي بوجوده، دع جانباً تفهمه واستيعابه.

المدهش حقاً أن ياسمينة خضرا عندما طلب منه الرد على التصور السائد في العديد من الدوائر العربية عن أنه خلط الأوراق في روايته تلك وحمل الجانب الفلسطيني تبعية الإرهاب، في الصراع مع المحتل الصهيوني بينما أعفى الصهاينة من الإرهاب الذي كان سبب الصراع أصلاً أجاب بأغرب إجابة يمكن للقارئ العربي تصورها، حيث قال: «إنني أدافع عن القضية الفلسطينية أكثر من غالبية الفلسطينيين أنفسهم، حتى أكثر من محمود درويش.. أنا لا أصفق للفلسطينيين، لكنني أدافع عنهم بطريقة ذكية».

القارئ وحده من حقه الحكم على ما في هذا الرد من دقة، وأيضاً من ذكاء. في غضون ذلك، لابد لنا من أن نشير إلى أن هذه الرواية ربما كانت واحدة من أكثر الروايات التي حظيت بالتعقيب عليها، مدحاً وإشادة أو قدحاً وهجوماً، في كبرى الصحف والمجلات على ساحلي الأطلسي.

ها هي صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية العتيدة تبادر على لسان الناقد لايونيل شرايفر إلى القول إن مقدمة الرواية واعدة لكن ما من مقدمة يمكن أن تحمل على كاهلها رواية بكاملها وتنفيذ الروائي لها مثير للإحباط.

النغمة ذاتها ستجدها في «الغارديان» اللندنية حيث يقول جيمس يوكان في مقال مطول إن نهاية الكتاب رائعة جداً وذلك على الرغم من أن المؤلف أقدم لسبب غير مفهوم على استخدام هذه النهاية في بدايتها كنقطة عودة إلى الماضي.

وبدورها تقول جانيت ماسلين في «نيويورك تايمز» إن هذه الرواية ذات طابع فلسفي بما فيه الكفاية لكي تلقى الكثير من الإعجاب في فرنسا. والعمل كذلك يجتذب القارئ ويتسم بالديناميكية حتى عندما يتخذ النثر الذي يقدم لنا عبره طابعاً تعليمياً.

وتحمل جملة واحدة في مجلة «نيويوركر» العديد من المعاني التي يحاول الكثير من النقاد التعبير عنها في تناولهم لهذه الرواية، حيث تقول: «تميل كتابة خضر إلى الاستعانة بالكليشيهات، ولكن رؤية هذا الكتاب المعتمة للصراع هي رؤية قوية».

ونقرأ في الملحق الأدبي لصحيفة «التايمز» اللندنية أن بنية هذه الرواية القوية ذات الطابع الخام هي بنية تقليدية إلى حد ما وهي تملك التفصيل الذي نلمحه في روايات الإثارة الراقية للبساطة والحركة، ولكن الكتابة تتسم بشجاعة نادرة، وهي رواية صادرة عن روائي ماهر يعمل في ذروة قوية على الأداء.

وتقول «الواشنطن بوست» إن الراية تكون في أفضل حالتها عندما يمضي ياسمينة خضرا إلى اكتشاف منعطفات هبوط أمين الجعفري المفعمة بالعذاب إلى قرارة روحه وتجاذبات هويته. ولكن الرواية تعاني من مشكلات أبرزها أن المؤلف لا يبدو أنه على معرفة بشرقي المتوسط ولا الطبيعية فيه ولا نسيج الحياة اليومية هناك، كما أن الرواية تحتوي عدداً من السيناريوهات غير المحتملة والمشكوك في إمكانية وقوعها.

وبوسع المرء أن يمضي طويلاً في استعراض المزيد والمزيد من المعالجات النقدية التي تجمع بين الإشادة والانتقاد الشديدين لهذا العمل، لكن مساهمة إس سيلفينو التي لا تشغل إلا سطوراً قلائل على موقع أمازون الالكتروني المتخصص تختزل الكثير مما قاله العديد من النقاد حيث يقول: «من سوء الحظ أن نثر ياسمينة خضرا الموحي بالاشتغال المكثف وثقل أدائه في الكتابة يجثمان بقوة على الرواية: إذا كنت تبحث عن مادة ممتازة عن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي فهذه الرواية ليست فظيعة، ولكنها أيضاً ليست جيدة بصورة فظيعة».

ليست لديّ فكرة

«ليست لديّ فكرة عن أن حالة الدمار قد وصلت إلى هذه الدرجة الكبيرة هنا، وان كل الآمال قد انهارت تماماً على هذا النحو. إنني أدرك بالطبع، العداء الذي يقضي على خلايا المخ على الجانبين، وأنا أعرف كل شيء عن عناد الأطراف المتحاربة ورفضها التوصل إلى اتفاق، وإخلاصها لكراهيتها القاتلة، ولكن رؤية ما لا يطاق بعينيّ قد أذهلني. عندما كنت في تل أبيب، كنت في كوكب آخر، وكانت ستائر النوافذ تحول بيني وبين استيعاب الكثير من جوانب المأساة التي تلحق الدمار ببلادي».

مقتطف من رواية «الهجوم»

* الكتاب: الهجوم

* الناشر: نان تاليز ـ نيويورك 2006

* الصفحات: 272 صفحة من القطع المتوسط

The Attack

Yasmina Khadra

Nan Talese -N.Y.2006

p.272