د. رياض عصمت ناقد وقاص وكاتب مسرحي سوري، في كتابه هذا يرجع إلى مقتبل العمر، حين كانت السينما طقساً اجتماعياً، بحيث ينظر الناس شذراً إلى من لا يحتفي بها. إذ كانت العائلات بشيبها وشبابها، بنسائها ورجالها، والجميع في قمة الأناقة، تتنافس لحضور فيلم جديد سبقته السمعة الطيبة لمخرجه، أو زينت الإعلانات أسماء وصور نجومه اللامعين. منذ طفولتي المبكرة ـ يقول د. رياض عصمت: دأب أبي وأمي على أن يصطحباني إلى السينما كل أسبوع.

كانت سينما دمشق هي المفضلة لديهما، لأنها كانت تعرض أفلاماً عربية جديدة ومشهورة، وأذكر أنني أول ما بكيت في السينما، بكيت خلال فيلم لفريد الأطرش، ليس تأثراً، بل تململاً، لأن سنواتي الخمس من العمر لم تكن تسمح بتجاوبي مع تلك الميلودرامات العاطفية التي تعصر المناديل من الدموع لأجلها.

ًّثم يذكر أنه ارتاد مع أبيه معظم دور السينما، حتى سينما «عائدة» التي كانت محتقرة ولا تؤمها العائلات لأنه عُرض فيها أحد أفلام طرزان، سرعان ما استهوته بعد أفلام طرزان أفلام (الكاوبوي) كما كانت تسمى قبل شيوع مصطلح (الويسترن) وأغلبها كان من بطولة غاري كوبر وآلان لاد وجون وين وجيمس ستيوارت وكريك دوغلاس وبرت لانكستر وريتشارد ويد مارك،

ولكن هوليوود لم تكن تكرس نجماً لم يلعب بطولة فيلم كاوبوي أو أكثر، ومنهم كلارك غيبل وبروبرت تايلور وغريغوري بيك ووليم هولدن وهنري فوندا وتوني كورتيس وآلان ديلون وتشارلز برونسون، وحتى روك هدسون ـ كان ذلك قبل ظهور كلينت ايستوود وفرانكو نيرو وتيرانس هيل وكل نمط (سباغيتي ويسترن).

كبرنا وصرنا شباباً، وتطور ذوقنا فصرنا نهتم بالجميلات، أمثال مارلين مونرو وأودري هيبورن وانغريد برغمان وغريس كيلي وكيم نوفاك وآفا غاردنر وجين سيمونز وجنيفر جونز وناتالي وود وسوزان هيوارد وريتا هيوارث ولسلي كارون، وحتى شيرلي ماكلين ودرويس داي اللتين كانتا تتمتعان بروح المرح والاستعراض.

هنا جاء عهد سينما التشويق والإثارة، ولمع اسم ألفرد هتشكوك بين المخرجين، وخاصة عبر فيلم «سايكو» أو نفوس معقدة كما سمي في تلك الأيام، الذي شاهدناه مع باقة صبايا آملين أن يسمحن لنا بإمساك أيديهن من الرعب، وتعلقنا بنجمه أنتوني بيركنز وضحيته التي قتلت طعناً في بانيو الحمام جانيت لي.

والطريف أن بيركنز كسر صورته بأن لعب أيضاً بطولة أفلام اجتماعية ضاحكة، أذكر أنه ادى في أحدها دور لاعب كرة سلة، فانضم إلى لائحة النجوم الآخرين المحبوبين تلك الأيام: مارلون براندو، كاري غرانت، غريغوري بيك، غلين فوردن، برت لانكستر، كيرك دوغلاس، مونتغمري كليفت، جيمس ستيوارت، لورنس أوليفييه، دين مارتن، إلك غينيس، جاك ليمون، أنتوني كوين، وارن بيتي وروك هدسون وريتشارد بيرتون.

في أواخر الستينات، كانت سينما «دنيا» خاصة مشهورة بالسبق في استحضار الأفلام الاجتماعية والكوميدية الجيدة، ولكنها كانت على تنافس دائم مع سينما: الأمير والفردوس وبلقيس. وكان بعضها يعرض فيلمين دفعة واحدة.

أما سينما الأهرام فكانت تطبع برنامجاً مصوراً دعائياً لأفلامها القادمة، وعندما افتتحت بالتتالي سينما: الزهراء والعباسية والسفراء، باستعراض إضاءة ملونة مبهرة بالنسبة لجمهور تلك الأيام، دخلت مضمار المنافسة، بينما لم تصمد سينمات «الخيام» و«راميتا» طويلاً عندما افتتحتا في زمنين لاحقين.

كانت بعض الأفلام الضخمة الحديثة تشتري لتعرض في صالتين معاً، لتنتقل بكرات الفيلم من واحدة إلى أخرى، ثم تعاد بالتدريج إلى الأولى، وذلك لاستيعاب الجمهور الواسع المقبل على مشاهدة الفيلم. من تلك الأفلام أذكر «تراس بولبا» من بطولة براينو وتوني كورتيس وكريستن كوفمان.

ومنذ القديم ساد لي اعتقاد قوي بأن السينما الهوليوودية بدأت ألمانية في المرحلة الأولى، ونمت إيطالية في المرحلة الثانية. بدأ الأمر منذ الهجرات المتعاقبة لأبناء الثقافة الجرمانية: فرتيز لانغ، إريك فون ستروهايم، وليام وايلر، بيلي وايلدر وسواهم، واستمر الأمر بظهور الإيطاليين: فيسكوني، روسوليني، زيفريللي، كوبولا، برتولوتشي، سكورسيزي وغيرهم.

أما في المجال الكوميدي، فبعد شارلي تشابلن، تعرفنا تدريجياً على بستركيتون وهارولد لويد. ثم ظهر النجم الانجليزي نورمان ويزدم كخليفة لتشابلن، والأميركي جيري لويس مع دين مارتن، والفرنسي لويس دي فونيس، كان هناك نجوم كوميديا آخرون لهم شهرتهم الخاصة

مثل: جاك تاتي، بروفيل، جاكي غليسون، بيتر سيلرز، وودي آلان، بيير رشار، فضلاً عن جون غليس وفريقي «كاري أون» و«ماونتي باثيون» بالمقابل كانت هناك أفلام بوليسية رخيصة من طراز روايات «أرسين لوبين» دأب على تمثيلها الفرنسي إيدي كونستانتين.

وكان هناك أفلام كاوبوي من الصنف الثاني لممثلين مثل إيدي مورفي، راوندولف سكوت، جيف تشاندلر، ريتشارد غريناه، لكن بعضها فقط أنصف الهنود الحمر، في حين كان معظمها نمطياً في إظهار تفوق وعدالة الرجل الأبيض. أما في الصراع بين الطاغية المجرم والبطل الشريف، فالغريب أن قيماً موازية للاشتراكية كانت تقدم على أنها الصحيحة.

كان هناك أيضاً أفلام بوليسية ذات عمق نفسي أو إثارة وتشويق مثل: انتظر حتى يحل الظلام لأودري هيبورن، والمصباح الغازي لإنغريد برغمان، وتشارلز بواتييه، وأفلام من بطولة راي ميلاند، فان جونسون، فان هفلن، ديفيد نيفن، جيمس ميسون، دانا أندروز.

كما كان هناك أفلام استعراضية من فريد آستير وجنجر روجرز وسيد تشاريس، إلى جيمس كاغني، إلى بنغ غروسبي، إلى جين كيلي ودونالد أوكونور في «الرقص تحت المطر» إلى ديك فان ديك وجولي أندروز في «ماري بوبنز» إلى آستير وليامز وسباحاتها الفاتنات في رياضة الرقص في الماء.

ومن الأفلام التي تركت بصمتها علينا آنذاك فيلم «إيرما الجميلة» لشيرلي ماكلين وجاك ليمون، و«الكابتن بلود» لإيرول فلين، «البعض يفضلونها ساخنة» لجاك ليمون وتوني كورتيس ومارلين مونرو، و«سكاراموش» لستيوارت غرانجر» و«من هنا إلى الأبد» لبرت لانكستر ومونتغمري كليفت،

و«ذئاب الميناء» لمارلين براندو ورود ستايغر وكارل مالدن، و«ذهب مع الريح» لفيفان لي وكلارك غيبل، و«إجازة في روما» لغريغوري بيك وأودري هيبورن، و«الشعلة والسهم» لبرت لانكستر، و«إقناع ودي» لغاري كوبر وأنتوني بيركنز، و«سبارتكوس» من بطولة كيرك دوغلاس ولورنس أوليفييه وبيتر أوستينوف وجين سيمونز، و«آلامو» من بطولة جون وين ولورنس هارفي.

هذا غيض من فيض، تومض به الذاكرة اعتباطاً، ولكنني أورده كنماذج عن تيارات الأفلام التي ألهبت خيالنا، وأثّرت ـ دون شك ـ على مسيرة الإبداع بمختلف وجوهها في العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

* الكتاب: ذكريات السينما

* الناشر: وزارة الثقافة - دمشق 2005

* الصفحات: 463 صفحة من القطع الكبير

أنور محمد