ما هي الصلة بين العلوم المعاصرة وقضايا البيئة والحداثة الفنية، وكيف تجلّت المفاهيم الحداثوية الغربية في اللوحة العربية، وما هي أسس الذاكرة وإشكالات الهوية المعاصرة في التشكيل العربي؟ إنها الأسئلة الأساسية التي حاول الخوض فيها الفنان والناقد التشكيلي السوري أسعد عرابي في كتابه الجديد (معنى الحداثة في اللوحة العربية) والكتاب مؤلف من مجموعة من الدراسات والمقالات المستقلة، أُدرجت في إطار ثلاثة فصول،
يتناول الأول منها ذاكرة الصورة والنحت وصناعة الكتاب والعمارة والمصطلحات التشكيلية في التاريخ العربي الإسلامي، ويحطّ الفصل الثاني عند أثر العلوم المعاصرة على اللوحة، أما الفصل الثالث فإنه يتطرق إلى محنة الحداثة في اللوحة العربية.
منذ الصفحات الأولى من كتابه يتساءل الباحث: «ماذا تعني الحداثة إذا لم تكن النهضوية المتجددة والمتخلفة نصف قرن تشكيلي عن ركب النموذج الغربي؟
ثم يؤكد في هذا السياق» ان انطباعية النصف الأول من القرن العشرين بالنسبة إلى المحترف العربي تعني أصداء لمجريات النصف الثاني من القرن التاسع عشر الأوروبي الانطباعي بمثاله كورو ومونيه، والتجريدات الغنائية العربية اليوم ما هي إلا تأويلات لما جرى خلال وإثر الحرب العالمية الأولى، أما تيارات ما بعد الحداثة التي تتابعت ما بعد الستينات فلم تصلنا بعد، مثلها مثل العديد من الاتجاهات الدادائية والسوريالية والتكعيبية التي تعاقبت مع بداية القرن العشرين.
ويُرجع الباحث حساسية الحداثة النهضوية إلى كوكبة النصف الأول من القرن العشرين خاصة في مصر والعراق ولبنان تمثلها رموز النحاتين الرواد: محمود مختار، جواد سليم، روضة شقير، ويرى ان النموذج الغربي لا يحتكر الحداثة، لكن البديل لم يُعرض بعد، ما خلا نماذج مبعثرة في تاريخ المعاصرة التشكيلية العربية على غرار حامد ندا في مصر وصليبا الدويهي في لبنان وفاتح المدرس في سوريا وفخر النسا في الأردن وبايه محيي الدين والشرقاوي والحجري في بلاد المغرب ويوسف جاها في السعودية وناصر اليوسف في البحرين وأبو شقرا في فلسطين.
ويعيد الباحث واقع الإرباك الذي أُصيبت به مفاهيم الحداثة الفنية العربية في قسم كبير منها إلى: تواضع الاتصال مع المحترفات العالمية، وتراجع ظاهرة التجمعات الفنية، وغياب الديمقراطية السياسية الثقافية، ووقوع الفن العربي ضمن فكي أصوليتين، الأولى نكوصية سياحية تعادي الحداثة، والثانية مراهقة اختلاسية ببغائية تدافع عن الحداثة بأي ثمن.
أيضا من أوجه الإرباك التي اعترت المفاهيم الفنية يشير عرابي في موقع آخر من كتابه إلى ان تاريخ الفن العربي المعاصر من أشد ذاكرتنا الثقافية غموضا واختلاطا، خاصة في بعض مساحاته الاستهلالية حيث يعتور التغييب رموز تمفصلاته، فتبدو ثغرات لصالح طوفان أسماء متوسطة الأهمية، وإذا كانت المساحة السخية من الكتابة لا تعدم من إضاءات توثيقية وشهادات زمان ومكان،
فهي مشرذمة في مواقع صحافية متباعدة يحتاج الفرز بين الغث والثمين منها إلى عمليات مجاهدة، فعلى سبيل المثال تاريخ الفن المعاصر في قطر يوثق البشائر الأولى في ممارسة طقوس اللوحة العربية (لوحة الحامل) وبهذا الخصوص يقرّر الباحث أنه لا توجد حداثة بدون ذاكرة، فالحداثة ما هي إلا تتابع لحداثات وذاكرات متعاقبة ومن الضروري عدم تناول المقياس الجمالي من خارج مقياس تاريخ الفن العربي، وعليه يفتح عرابي في عناوينه اللاحقة ذاكرة الكتاب والعمارة والنحت والصورة.
يذكر عرابي في معرض بحثه أن ذاكرة ازدهار الكتاب العربي الإسلامي ترتبط بفنون وصناعات إخراجه وتوضيب صفحاته وملازمه وتجليده وتذهيبه وتجويد خطوطه، ثم وخاصة رسومه التي تدعى بـ «المنمنمات» ويضيف إلى ذلك أن فنون المخطوطات والنسخ والمكتبات ودور العلم والحكمة ارتقت بعد منتصف القرن الثامن للميلاد أي في الوقت الذي وصل فيه اختراع الورق من الصين ليحل محل الرق والبردى،
وتوقف هذا الازدهار مع نكبة عام 1258 واجتياح هولاكو وسنابك المغول لمكتبات بغداد وتدميرها بالحرائق وإغراقها في مياه دجلة، كما ان محاكم التفتيش أحرقت آلاف المخطوطات العربية في ميدان الرملة بعد سقوط غرناطة، وتصل المخطوطات الإسلامية الباقية باللغة العربية إلى ما يقرب الخمسة ملايين، موزعة في مكتبات ومتاحف العالم، نُشر منها خلال مئتي عام ما يقرب من مئتي ألف مخطوط، وهنا يؤكد الناقد عرابي أن العلاقة بين طرز الخط العربي وتيارات مدارس المنمنمات لم تُدرس بعد رغم أهمية هذه المقاربة في إثبات تمايزها الثقافي.
حول ذاكرة الصورة يقول عرابي: لا يمكن عزل السياق العضوي الراهن للصورة عن ذاكرتها الثقافية، فالعرب المسلمون يتعاملون مع فراغها على أساس انه ورقة أو جدار أو مرآة تقتصر على بعدين، وهذه هي الفلسفة التشكيلية التي ترسخت تقاليد صناعتها خلال أربعة عشر قرنا من أجيال المصورين، ويعود هذا الازدهار إلى أبعد من تاريخ التصوير الإسلامي،
يصل حتى الأختام الدلمونية والألواح المنحوتة لسومر وأكاد وبابل وآشور وآرام وكنعان وتدمر والأنباط ومصر وفريسكاتها والأيقونة المسيحية، وتحاول بعض الآراء المحافظة مسخ هذا التراكم بإدخاله في متاهة الحلال والحرام، وهنا يفّرد عرابي هامشا واسعا من كتابه لإثبات عدم تحريم الفنون في الإسلام بالاعتماد على النص القرآني والأحاديث النبوية.
في سياق الحديث عن ذاكرة الفن يتطرق عرابي إلى ذاكرة المصطلح الفني، ويشير إلى أنه بإمكاننا العثور على وعاء لغوي خصب خاص بالمصطلحات الذوقية، مثلا: يتعامل جماعة الذوق مع البصريات كما هي الموسيقى باعتبار ان الحواس جميعها تصدر عن جهاز بصيري واحد هو القلب، يعرضون المقام والحال والوقت والفاصل بنفس التصدي لمواحيد اللون ورموزه ورهافات فروقه الصباغية،
يتحدثون عن الحرارة والبرودة وارتباطها بالقبض والبسط، بالجمع والتفريق، كما نعثر على مصطلحات عقلية بالغة البلاغة في شروحات المعتزلة وخاصة أبو الحسن الأشعري فيما يخص دقائق الرقش والهندسة النجمية وحركتها الفلكية الحومانية، والطوسي وغيره يعتبرون التجريد احد شطري الثنوية الفلسفية التي تتضمن التجريد والتفريد، فالتفريد بمعناه الروحي يفترض تجريد النفس عن رؤية تأثير الكائنات.
من ضمن التيارات الحديثة التي ظهرت في الغرب وتأثرت بقضايا البيئة والعلوم المعاصرة تناول عرابي (فن المناخ أو البيئة) الذي يدمج ما بين الفنون، ويدعو للخروج من عزلة اللوحة إلى المجتمع والطبيعة والجمهور، ونوّه بهذا الخصوص إلى أن مفهوم البيئة ارتبط بالنسبة إلى الكثير من الفنانين العرب بالتراث البصري وذخائر الذاكرة الفنية من رقش وحروف ومظاهر شعبية، ففاتح المدرس يلصق أتربة السهول الشمالية المرتبطة بمراحل طفولته على اللوحة، وتبدو التجربة الأثرية مرجعا أساسيا في تجارب بعض المصريين والعراقيين.
أما الفنان سليمان منصور فيستثمر المادة الكنعانية المفخورة أو المادة الطينية المعمارية في نسيج وتضاريس اعماله الاخيرة، والعديد من رواد مدرسة الدار البيضاء في الستينات دعوا إلى الاقتصار على المادة المحلية في الصباغة وغيرها من أمثال المغربي محمد القاسمي، وتعرض الفنانة الأردنية سهى شومان صخورها وفلزاتها البركانية المنتزعة من حوض البتراء، وتحاول ان لا تعدل من طبيعتها الجيولوجية.
هكذا ينقلنا أسعد عرابي عبر صفحات كتابه من موضوع نقدي إشكالي إلى آخر، لكنه يظل متشائما فيما يخص راهن التشكيل العربي وآفاقه المستقبلية، فهو يعلن في الصفحات الأخيرة أن: «صوت التشكيلي العربي تنامى منذ بدايات القرن العشرين، وتسارعت خصائصه في الستينات، وها نحن نشهد عقد الغروب والانحسار.. فقد شردت اللوحة من بعدها التأملي الروحي، وتحوّلت من فعل إبداعي ظاهر إلى سلطة ثقافية تسويقية إعلامية متداخلة في تواطئية مؤسساتية».
* الكتاب: معنى الحداثة في اللوحة العربية
* الناشر: دار نينوى ـ دمشق 2006
* الصفحات: 300 صفحة من القطع المتوسط
تهامة الجندي
