محمود حاج حسين باحث سوري ، يدرس تاريخ الكتابة وأصول الإملاء العربي ، في جزئين. عبر دراسة موسعة عن تاريخ الكتابة وتطورها وتفرعاتها والشعوب التي كتبت بها ، ونبذة عن تاريخها ، وقصص اكتشاف كتاباتها وحل رموزها ، فبدأ بالسامية التي أطلقها العالم الألماني شلوتزر عام 1871 م على مجموعة من لغات الشعوب القديمة التي سكنت بلاد الشام وجزيرة العرب وبلاد الحبشة ،

معتمداً على مقولات التوراة التاريخية ، ثم شملت هذه التسمية لغات وشعوب ما بين النهرين « دجلة والفرات » لما وجد العلماء بين تلك اللغات من وشائج القربى : باتفاق الجذور اللغوية ، وصيغ الأفعال وأزمانها ، وبناء الفعل للمجهول ، والضمائر ، وعلامة التأنيث ( ت ) ، وحروف الحلق ( ح ، ع ، غ ) وحروف الإطباق ( ص ، ض ، ط ، ظ ) والتفخيم ( ق) واللثوية ( ذ ، ث ) ، إلى غير ذلك من المقومات اللغوية التي تقطع بتفرع هذه اللغات وشعوبها عن أصل واحد .

من هذه اللغات : « الصومالية والسواحلية » و«الحبشية الجعزية » بفروعها « التيغرّية والتغرينّية والأمهريّة والهرويّة » والمصرية القديمة . ومنها أيضاً : الأكادية والبابلية والآشورية والكنعانية والعمورية والإيلائية والفينيقية والآرامية والسريانية والمندعية والتدمرية والنبطية والعبرية ، وانتهى البحث ليصل إلى قلم «الأنبار » الذي رسم به المصحف الشريف .

أوضح الكاتب النهج الإملائي الذي اعتمده كتاب المصحف الشريف ، وما وضعوه لنا من قواعد رسم الهمزة التي لا تزال تلتزم أصولها ، حيث أبدلوا بها الحروف الصائتة ( ا ، و ، ي ) ورسموها على التليين ، واستعانوا بهذه الحروف اللينة الصوتية أيضاً ، تزاد بعد الحرف لضبط حركته ، وأحياناً قبله لأمن اللبس ، بحيث تضمن اللسان العربي القويم ، أن يحرك بها الحروف ، دون مداها ولا لبس بين حروف الهمزة وحروف الشكل وقد دفعهم إلى هذه الخطوة الإملائية العريضة والقفزة الشكلية الرائدة ، قدسية القرآن الكريم ، وحرصهم على ضبط ألفاظه الشريفة من التحريف والتمييز بين الكلمات المتماثلة رسماً ، المختلفة لفظاً ومعنيً .

وعلى الرغم من هذا الواقع ، فقد اجتهد الكتاب المسلمون ، ورسموا المصحف الشريف ، قبل شكل ( الدؤلي) بما يزيد على عقدين من الزمن ، وقبل إعجام الحروف بنحو أربعة عقود، وقبل شكل ( الخليل ) وهمزته بما يزيد على قرن وربع قرن .وكشف الباحث في دراسته عن الدواعي الموجبة إلى شرود بعض الكلمات الشريفة عن القاعدة والقياس ، أو رسم بعضها على وجهين ، وحذف بعض الحروف من بعض الكلمات كما أشار إلى ما طوّره المتقدمون والمتأخرون ، حيث رسموا بعضها على الإملاء الحديث ، وما احتفظوا به من نماذج على الرسم الأمامي الأول ، حفاظاً على التراث وتبركاً به ، وأتبعها مرسوم ضوابط أحكام التجويد .

شرح الكاتب ما تقدم تفصيلاً ، تحت عنوان « المطالعة » بفصولها وفقراتها ، وختمها بتاريخ الترتيب الأبجدي والهجائي والعينيّ ، وتاريخ نشأة الأرقام الحسابية القديمة والحديثة ، واستعمال الحروف العربية أرقاماً حسابية وعلامات موسيقية لتدوين الألحان ، وفكرة عن كتابة المكفوفين .

ثم أتى الباحث في القسم الإملائي على القواعد الإملائية الحديثة وشواردها ، كما أجمع عليها المحدثون ، وقد أحوجته العلاقة بين رسم بعض الكلمات ، وبين النحو والصرف ، فعرّج عليها ملزماً وأعرض عن إقحام النصوص المأثورة باسم الأمثلة والتمارين ؛ لأنها تلتهم الصفحات ولا تسعف الإملاء إلا بكلمات ، عوضها بالمفردات والجمل الوافية .

وافتتح قسم المعجم بمنظومات الأفعال المعتلة الآخر ؛ لأنها أثر إملائي وألحقها بمعجم هجائي لرسم جميع الأفعال الثلاثية المعتلة الآخر ، مع مضارعاتها ومصادرها وأبرز معانيها، وكذلك للأسماء الثلاثية ، كما أجمعت على رسمها المعاجم أو معظمها .

اعتمد الكاتب على المرسوم الحرفي من واقع طبعة « القرآن الكريم »المملكة العربية السعودية وزارة المعارف ، شركة الطباعة العربية السعودية في العمارنة عام 1399 هـ ، لأنها تتفق مع الطبعات المحافظة على معظم الرسم الأمامي ، دون غيرها من الطبعات التي رسمت بعض هذه الكلمات الشريفة على الإملاء الحديث .

انصبت الدراسة على الرسم بقواعده وشوارده وعللها ثم عكف على المراجع الدراسية التراثية فوجد فيها ما يدعم استقراءه أو يقترب منه أو يخالفه على الظن دون قطع ، وكان منهجه توثيق المقولات الهامة والنادرة ومناقشة المختلفة منها وإهمال الشائع والمتداول .

* الكتاب: تاريخ الكتابة العربية وتطورها

* الناشر:وزارة الثقافة ـ دمشق 2005

* الصفحات: 600 صفحة من القطع الكبير

فيصل خرتش