مؤلفة هذا الكتاب هي الكاتبة السودانية زينب أبو سنة،لها العديد من الأعمال في الحقل التاريخي خاصة فترة الحكم العثماني والمملوكي، ومن مؤلفاتها : الشعر النسائي العثماني (جزأين)، ومملكة الجوارح الذي لاقى صدى كبيرا في المعارض والمنتديات الأدبية. شأنها مثل كل إمبراطوريات القرن الماضي، توسعت الدولة العثمانية وامتد نفوذها ليشمل ولايات في ثلاث قارات هي آسيا وأوروبا وافريقيا، ومثلما كان الحصول على تلك الولايات صعباً، كان استمرار الاحتفاظ بها أكثر صعوبة، مما جعلها تعاني من حالات ضعف ثم انهيار قلصت حدودها إلى ما هي عليه الآن.
فقد تعرضت الدولة العثمانية لعدة مشكلات على المستوى المحلي والعالمي، ومن أبرزها تلك التي يتناولها الكتاب بالشرح والتحليل وهي: مشكلة طائفة الأرمن، ومشاكل الرعايا غير المسلمين في الدولة العثمانية، وسياستها الحيادية في أثناء الحرب العالمية الثانية، والمشكلة القبرصية. يتكون الكتاب من أربعة فصول ومقدمة وخاتمة وقائمة بالمراجع العربية والإنجليزية والتركية.
يتناول الفصل الأول دور طائفة الأرمن في إضعاف الدولة العثمانية في الفترة من 1800م إلى 1915م. وتقسم الكاتبة هذا الدور إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى (1800- 1876)، وتشير فيها إلى بدايات التمرد والتي حدثت في مدينة «زيتون» (سليمانلي) وبتحريض من الأغوات الأرمن، وبداية التعاطف مع ثورة اليونان.
كما تشير الكاتبة إلى النفوذ الروسي عليهم في أربعينيات القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من تلك التوترات إلا أن الكتاب يوضح كيف كانوا لا يزالون محل ثقة الباب العالي، كما وصل الكثير منهم إلى أعلى المناصب السيادية بالدولة، كما كان البطاركة الأرمن يحظون بنفوذ لدى السلطان العثماني.
وفي المرحلة الثانية (1291ه/ 1876م ـ 1324ه/1909م) والتي تزايدت فيها حدة التمرد والتأثير الروسي فيه، تناقش الكاتبة صدق النوايا الروسية في مساندتها للأرمن، ووقوع الحرب الأهلية بين الأرمن الترك وبين المسلمين في شتى أنحاء الأناضول عام (1309ه/ 1894م ـ 1310ه/1895م) والتي قادها الاتحاد الثوري الأرمني «الدشناك» من مدينة «سامسون».
وفي المرحلة الثالثة (132ه/1909م ـ 1330ه/1915م)، يناقش الكتاب موقف السلطان «عبد الحميد الثاني» من الأرمن، وانقسامهم إلى فصيلين هما: الدشناك، والبطريركية، وفلسفة كلٍ منهما تجاه الدولة العثمانية. ويتعرض الكتاب إلى المحاولات الروسية في تحريض الأرمن الترك أثناء حرب البلقان، وتسديد الضربة القاضية لرجل أوروبا المريض الذي يحتضر، كذلك احتدام الموقف في الأناضول مع بداية انهيار الدولة العثمانية عام 1328ه/ 1913م.
وقد اقترحت كل من روسيا وفرنسا وبريطانيا، مشروع مخطط للإصلاح في الأناضول يقوم على منح حكم ذاتي لست ولايات في شرقي تركيا إلى جانب ولاية «طرابزون»، على أن يتم دمج تلك الولايات في قطاعين إداريين، أحدهما يضم أرض روم وسيواس وطرابزون، والآخر يضم بيتليس وخربوط وديار بكر.
ومع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914م، اتخذ الأرمن موقف العداء من الدولة التركية وساندوا روسيا في الحرب، وعلى إثر الانسحاب الروسي من الحرب بعد قيام الثورة البلشفية عام 1917م ثار الأتراك والأكراد في القرى العثمانية التي أغار عليها الأرمن من قبل، فقاموا بأعمال انتقامية أسفرت عن موت وفرار العديد من الأرمن إلى روسيا والشام وبعض الدول الأوروبية.
وفي الفصل الثاني تتناول المؤلفة أثر التنظيمات على الرعايا غير المسلمين في الدولة العثمانية، ويقصد بالتنظيمات تلك الإصلاحات التي أدخلت في الدولة العثمانية في عهدي ابني السلطان محمود الثاني( 1808م ـ 1839م) وهما: عبد المجيد الأول(1839م ـ1861م) وعبدالعزيز (1861م ـ 1876م). وأشهر هذه الإصلاحات ما يعرف ب«كلخانة خط شريف» أي المرسوم السامي للمجلس الأعلى، والصادر في الثالث من نوفمبر عام 1839م، و«إصلاحات الخط الهمايوني» (فرمان الإصلاح) الصادر في 18 فبراير عام 1856م.
وأعطت تلك الإصلاحات أبناء الطوائف الغير مسلمة الحق في الانتخاب والترشيح لعضوية المجالس النيابية المحلية، وحرية بناء دور العبادة (كنائس/ معابد) ، والحق في التملك والترقي الوظيفي. كما توجهت الإصلاحات وبشدة إلى النظامين التعليمي والقضائي.
وبشكل عام تعد تلك الإصلاحات ميثاقاً للحقوق الاجتماعية والسياسية والقانونية لرعايا الدولة وإحياءً لفكرة المواطنة المشتركة بعيداً عن حواجز اللغة والعرق والدين. وعلى الجانب الآخر يرى البعض أن تلك الإصلاحات قد تزامنت مع الأزمات التي مرت بها الدولة العثمانية، إذ جاء مرسوم 1839م عندما احتاج العثمانيون إلى أوروبا لمساعتهم في الحرب ضد والي مصر محمد علي، وتوافق إعلان مرسوم 1856م مع الرغبة في إرضاء أوروبا عقب الهزيمة في حرب القرم، وكان دستور 1876م متزامناً مع الضغوط الأوروبية على الدولة العثمانية للمطالبة بالإصلاح.
وبالرغم من أن الدولة التركية كانت عضواً في المجتمع الأوروبي وفقاً للمادة 70 من معاهدة باريس عام 1856م، إلا أن معاملتها لم تكن بالمثل من قبل الدول الأوروبية، كما أن المادة التاسعة من نفس المعاهدة كانت تمنع على الدول الأوروبية التدخل بين السلطان ورعاياه، إلا أن ذلك التدخل قد حدث في مناسبات عديدة مما كان له أكبر الأثر في تقويض أركان سيادة الدولة فيما بعد.
وفي الفصل الثالث يتحدث الكتاب عن سياسة الحياد التركية في الحرب العالمية الثانية، حيث وقعت تركيا عام 1939م معاهدة تعاون وتشاور مع كل من بريطانيا وفرنسا في حال امتداد رقعة الحرب إلى الإقليم التركي. وفي عام 1941م تم توقيع معاهدة صداقة ألمانية ـ تركية.
وقد كانت السياسة الخارجية التركية تعلن رسمياً أنها لن تجني أي فائدة من نصر أيٍ من الطرفين. وفي أعوام 1941م و1942م نجحت الدبلوماسية التركية في الحصول على مساعدات عسكرية من طرفي الحرب، وفي نفس الوقت كانت تعلن فيه الخارجية التركية على لسان وزيرها «مينمش أوغلي» بل وعلى مستوى رئيس الدولة «عصمت إينونو» أن تركيا سوف تناضل لتبقى خارج الحرب.
وقد كانت المخاوف التركية من النجاحات السوفييتية في شرق أوروبا واحتمالات عقد سلام منفصل بين بريطانيا أو الاتحاد السوفييتي مع ألمانيا، دافعاً لتبني سياسة «سلام الحل الوسط» وفي عام 1942م ومع النجاح البريطاني في معركة «العلمين» والنجاح السوفييتي في معركة «ستالين جراد» ازدادت المخاوف التركية من النوايا السوفييتية، وعلى إثر الهزائم العسكرية الألمانية وسقوط إيطاليا وإعدام «موسوليني« بدأ الأتراك في شن الحملات الدعائية العدائية على ألمانيا، كما قطعوا العلاقات الدبلوماسية معها في الثاني من أغسطس عام 1944م.
وبهدف إنقاذ تركيا من العزلة الخارجية وجعلها عضواً في الأمم المتحدة، طلبت بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية من تركيا إعلان الحرب على ألمانيا. وقد كان الموقف التركي إبان الحرب مدعاة للتوجس الأوروبي والأميركي من حقيقة النوايا التركية، الأمر الذي انعكس سلبياً على تركيا بعد انتهاء الحرب، بل واستبعادها من الخطط الأميركية الخاصة بإعادة إعمار أوروبا، مما أثر بشكل كبير على القدرات الاقتصادية والعسكرية التركية والتي كانت في حالة معاناة شديدة بفعل الحرب من الأساس.
وفي الفصل الأخير تناقش الكاتبة نشأة جمهورية قبرص الشمالية التركية، مشيرةً إلى أن الأتراك قد وضعوا أيديهم على الجزيرة بعد التخلص من النفوذ الإيطالي في عام 1571م، واستمر حكمهم للجزيرة حتى عام 1878م، وفي عام 1914م احتلت بريطانيا الجزيرة، الأمر الذي لم تعترف به تركيا إلا بعد معاهدة «لوزان» عام 1923م. وفي فبراير عام 1959م وبموجب معاهدة «زيورخ ـ لندن» تقرر أن تكون قبرص دولة ثنائية القومية (قبارصة يونانيون ـ قبارصة أتراك)، وتم إعلان جمهورية قبرص عام 1960م والتي شعر القبارصة الأتراك فيها أنهم أقلية (24% من عدد السكان،
يقطنون الجزء الشمالي من الجزيرة على مساحة 40%)، ورداً على رغبة القبارصة اليونانيين في ربط الجزيرة بالوطن الأم اليونان (إعلان الإينوسيس) تصاعدت وتيرة الاضطرابات بين القوميتين، مما أتبعه القبارصة الأتراك بإعلان الجمهورية في الشمال عام 1985م، وبمساعدة عسكرية تركية، الأمر الذي لم يعترف به المجتمع الدولي باستثناء تركيا، وقد عقدت جولات عديدة من المفاوضات بين الطرفين وبرعاية الأمم المتحدة، والتي كان معظمها يدور في فلك الكونفدرالية ووضع الأقلية القبرصية التركية وحقوق التملك والتنقل والإقامة، وضرورة فرض سيادة الدولة بانسحاب القوات التركية.
وعموماً فإن الكثير من السياسيين الأتراك يعتبرون أن الثمن السياسي للقضية القبرصية كان كبيراً، ويشهد على ذلك عدم الرضا الدولي، والتعقيدات التي تواجهها تركيا من جانب الدول الأوروبية عند كل مراجعة لطلبها العضوية الكاملة بالاتحاد الأوروبي، كما كان تخفيض المساعدات الأميركية لها ثمناً جديداً لذلك الموقف.
* الكتاب: تركيا الإسلامية الحاضر ظل الماضي
*الناشر:الدار الثقافية للنشر - القاهرة 2006
*الصفحات: 256 صفحة من القطع الكبير
محمد جمعة
