يعمل جان ماري دوبلوند باحثاً في مجال الجغرافية البشرية. قدم العديد من المساهمات في الصحف والدوريات، وهذا هو كتابه الأول. «فرنسا: الرهانات الاقتصادية الحدودية» هو كتاب عمّا يسمى بـ «الموديل الفرنسي» أو ما يريد العديد من الفرنسيين ان يطلقوا عليه تسمية «الاستثناء الفرنسي» بمعنى الخصوصيات التي يتحلّى بها على مختلف الأصعدة الديموغرافية ودور الدولة والبيئة وقطاعي الزراعة والصناعة. وهذا ما يبحثه المؤلف على مدى الفصول التسعة التي يتألف منها الكتاب وتخص بالتالي:

التراب الوطني الفرنسي، والديموغرافيا والمجتمع في المجال الجغرافي الفرنسي، ورهانات البيئة الجديدة، والمركز والمحيط في المجال الفرنسي، وأي دور للدولة في الاقتصادي، والمجال الزراعي المنتج، والمجال الصناعي المنتج، ودور قطاع الخدمات في الاقتصاد الفرنسي. . وأخيراً ضرورة الانفتاح الفرنسي على أوروبا وعلى العالم.

ويأتي هذا الكتاب ايضاً في خضم النقاش الدائر منذ عشر سنوات تقريباً حول ما يقال عن انحطاط فرنسا، أو عن «فرنسا التي تسقط» كما جاء في عنوان أحد الكتب، والتي غدت «أمة صغيرة» كما يقول آخرون. ويحاول المؤلف على ضوء المعطيات القائمة في أرض الواقع رسم صورة لـ «هوية فرنسا» الحاضرة. كما كان المؤرخ الفرنسي الكبير فرناند بروديل قد رسم صورتها في السابق.

وتتمثل الملامح الأساسية لفرنسا اليوم كما يتم تقديمها في وجود، امتداد ترابي متناسق منفتح على ثلاثة بحار هي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وبحر المانش.. وفرنسا هي «عقدة وصل» مهمة بين جنوب القارة وشمالها وبين القارة كلها والمملكة المتحدة حيث تعبر يومياً حوالي 1000 سفينة بحر المانش بالاتجاهين ثم جاء حفر النفق تحت البحر وبداية عبور القطارات بواسطته بين فرنسا وانجلترا ابتداء من عام 1994 ليزيد من التبادلات وليزيد من موقع فرنسا كـ «جسر» بين القارة و«الجزر» البريطانية. ويتم التركيز بالنسبة للواقع الاجتماعي الفرنسي على وجود درجة حادة من التفاوت.

ويبدو هذا التفاوت على صعيدي الجنسية والجنس، فالفتيات الاجنبيات مثلاً، أي من غير مواطني بلدان الاتحاد الأوروبي يعانين من نسبة بطالة تصل الى 40% بينما المعدل العام للبطالة في فرنسا كلها هو 10% فقط تقريباً.

ثم ان مرتبات وأجور النساء هي أقل بنسبة 27% في فرنسا اليوم من مرتبات وأجور الرجال. ثم انه في حال التعادل بين الرجال والنساء في مجالي التأهيل والتجربة المهنية، فإن النساء يتقاضين مرتبات أقل بحوالي 5% بالقياس الى ما يتقاضاه العاملون من الرجال.

وتحت عنوان «الثروة والفقر وجهاً لوجه» يشير المؤلف الى ان نسبة 5,6% من الأسر الفرنسية يمكن تصنيفها في خانة «الفقيرة» حسب المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء، أي ما يشمل 3,7 ملايين نسمة من مجموع السكان الذي يتجاوز 60 مليون نسمة. وتشير إحصائيات وزارة الشؤون الاجتماعية الى ان 3,3 ملايين نسمة من الأشخاص في فرنسا يتلقون المساعدة الاجتماعية، وحيث توجد ثمانية أنواع من هذه المساعدات، وأن 8,3 ملايين شخص يعيشون من هذه المساعدات، أي ما يعادل حوالي 10% من مجموع عدد السكان.

بالمقابل وفي الطرف الآخر من السلم الاجتماعي هناك حوالي 5,4 ملايين نسمة يعيشون بمستوى يزيد حوالي خمسة أضعاف من الحد الأدنى للرواتب وهناك 1% من أصحاب المرتبات يكسبون أكثر من عشرة أضعاف الحد الأدنى من المرتبات. ويصبح الفارق أكثر اذا اضيفت العائدات المترتبة على الإرث.

ويتم تحديد فئة السكان الأكثر ثروة في فرنسا على أساس الضريبة المعروفة باسم «الضريبة على الثروة».

وتبدو أشكال عدم المساواة أيضاً على صعيد الخدمات التي تشكل عوامل للتفاوت.. وذلك فيما يتعلق بخدمات الدراسة، لاسيما فيما يتعلق بالدروس الخاصة، وخدمات العمل في المنازل وممارسة رياضات أوقات الفراغ.

وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة 30% من الفرنسيين، من بين الأقل ثراء «يعرفون مستوى معيشة أقل بثمانية أضعاف من شريحة الأكثر غنى».

ويذكر المؤلف أيضاً بعض السمات الملازمة لـ «النموذج الفرنسي».. ولاسيما فيما يتعلق بدور الدولة.. وحيث تقرأ في توصيفها وآليات عملها ما يلي: «إن الدولة الفرنسية هي بنفس الوقت صانعة وحارسة وحاضنة.. ومسؤولة عن كل الشرور.. وهي بالتالي تحظى تارة بالإعجاب وتارة بالشجب وتارة بالنقد». هذا الحضور الكبير للدولة يجعلها قوة اقتصادية فاعلة، و«حكما ومنظما للسوق ومرئية على الصعيد الاجتماعي.. ثم ان نفوذها لم يكن عند التقدم طيلة القرن العشرين، وهي احدى كبرى الشركات الضخمة».. وفي محصلة هذا كله يغدو للدولة «مهمة مركزية في قلب النموذج الفرنسي».

وقد غدت الدولة «ذات الوزن الكبير» أحد «المستثمرين» على مستويين هما المستوى الصناعي ومستوى التخطيط، وكان دورها الكبير قد بدأ بالظهور القوي اعتباراً من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.

وكان تأسيس نظام «الضمان الجماعي» يرمي بوضوح إلى تحمل الدولة للمراحل التي تعرفها حياة البشر وضمانها ضد المرض والحوادث والتقاعد، وكان قد تقرر في عام 1956 منح العاملين إجازة سنوية مدفوعة مدتها ثلاثة أسابيع ثم أصبحت هذه الإجازة أربعة أسابيع عام 1969 ثم خمسة أسابيع عام 1981.

ومن أكبر التحديات التي تواجهها فرنسا في منظور المستقبل تحدي الطاقة حيث قررت الحكومة اعتباراً من عام 1948 التطلع نحو الميدان النووي وبدأت ببناء شبكتها من المفاعلات. وفي عام 1969 سمح الرئيس جورج بومبيدو لهيئة الطاقة الفرنسية بشراء امتياز شركة «وستنغهاوس» الأميركية من أجل بناء وتطوير مفاعلات أكثر قوة وأكثر اقتراباً من الخيارات التي تبثها الهيئة الأوروبية للطاقة النووية.

وفي عام 1971 قررت فرنسا بناء مصنع لتخصيب اليورانيوم. وكانت الصدمتان البتروليتان المتتاليتان عامي 1973 و1979 بمثابة التأكيد على صحة الخيار النووي للطاقة الذي كانت الحكومة الفرنسية قد اعتمدته ويتم التأكيد في هذا السياق على أن مناجم اليورانيوم في منطقتي فاندي وسيموزين الفرنسيتين وعقود الاستيراد الموقعة مع بعض بلدان أفريقيا السوداء، تؤمن الاستقلال التكنولوجي الفرنسي في هذا الميدان.

وكان قد تم في خلال الفترة الواقعة بين عام 1974 وعام 1979 توقيع عدة عقود من قبل شركتي «أورودين» و«فراماتوم» مع جنوب افريقيا واليابان وباكستان من أجل إنشاء مفاعلات، أو من أجل إعادة معالجة يورانيوم البلدان الشريكة. ويتحدث المؤلف عن «تحدٍ آخر» هو «المياه في فرنسا» وحيث انه يلوح في الأفق نوع من الانتقال ممن «الوفرة المجانية» نحو «الكمية المحدودة».

ومن الملفت للانتباه أن السنوات الأخيرة شهدت بعض الحديث عن «الجفاف» في بعض المناطق، وخاصة المناطق الجنوبية. بالطبع لا يزال أفق الجفاف الحقيقي بعيداً ففرنسا تستقبل اليوم حوالي 55 مليار متر مكعب سنوياً من مياه الأمطار والثلوج.. وإذا كانت الزراعة هي المستهلك الأول للمياه، فقد باتت الصناعة أيضاً مستهلكا كبيراً لا سيما في قطاعي الصناعات الغذائية والتعدينية.

وهناك ظاهرة زيادة تهميش الأرياف، إذ أصبحت الكثافة السكانية فيها اليوم هي أقل من 15 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد. وهناك الكثير من المناطق التي اختفت منها الخدمات والتجارات وأصبح يتم تزويد الباقين والطاعنين في السن بواسطة التجار والمهنيين «المتجولين».

* الكتاب:رهانات فرنسا الاقتصادية والإقليمية

* الناشر:ايبلليبس ـ باريس 2005

* الصفحات: 196 صفحة من القطع المتوسط

LA FRANCE: ENJEUX

ECONOMIQUES ET TERRITORIAUX

EDNOLBED EIRAM ANEJ

ELLIPSE - PARIS 2005

P. 196