درست هاربل القانون أسوة بوالدها وشقيقتها الكبرى، إلا أنها انسحبت من الجامعة عام 1950 قبل إكمال متطلبات حصولها على درجة القانون وذلك لمتابعة حلم طفولتها في أن تكون كاتبة. عملت إلى حين في شركة طيران في نيويورك لتكرس أوقات فراغها لكتابة المقالات والقصص القصيرة، وبعد نشر بعض قصصها وجدت في نفسها ما يكفي من الشجاعة للتخلي عن عملها أيضا والعيش حياة متقشفة لتكتب، إلا أن مرض والدها في ألاباما مسقط رأسها حيث ولدت عام 1923، فرض عليها الانتقال بصورة دورية بين نيويورك وبلدتها .

كان لتلك الزيارات جانب إيجابي تمثل في استعادتها لذكريات طفولتها وعلاقتها بوالدها والزمن الذي أمضته معه في قاعات المحكمة خلال مرافعاته، وكذلك مع صديق طفولتها ترومان كابوت الذي أصبح كاتبا شهيرا وعملت كمساعدة له في البحوث التي أجراها بشأن روايته الشهيرة (بدم بارد).

وفي عام 1957 تمكنت لي من إنجاز المسودة الأولى لروايتها، وقام المحرر الأول الذي قرأها بإعادتها إليها قائلا بأنها ليست أكثر من مجموعة قصص قصيرة حاولت ربطها. تقبلت لي النقد وعاودت العمل على كتابها وتطلب منها تحويلها إلى رواية ما يقارب من العامين والنصف.

استلهمت لي موضوع روايتها (قتل طائر ساخر) من ذكريات طفولتها والمدينة التي عاشت فيها، كذلك الأمر بالنسبة لشخصيات العمل. تدور أحداث الرواية خلال عام 1930 حيث كانت تعاني الولايات المتحدة من سنوات الركود الاقتصادي والبطالة، وتبدأ القصة خلال فصل الصيف حينما كانت سكاوت في السادسة من عمرها وأخوها جيم في العاشرة حيث يلتقي الأخوان بفتى غريب عن المنطقة يدعى ديل وهو في السابعة من عمره، أتى لتمضية الصيف مع عمته راتشيل.

وسرعان ما تتوطد الصداقة بينهم، فديل قادم من المدينة ولديه معرفة بالعديد من الأمور الجديدة مثل السينما والمسرح وغير ذلك، في حين ينجح الأخوان في إثارة فضوله بالقصص التي يرويانها له عن غموض جارهم المنعزل عن الناس (بو رادلي) وهو في الثلاثينات من عمره، ولم يشاهده أحد قط خارج منزل عائلته.وهكذا يصبح هاجس الثلاثة بقيادة ديل البحث عن حيل وألاعيب لإخراج بو رادلي من منزله، وكانوا يعتمدون في ذلك على ما سمعوه من إشاعات حول عائلة رادلي. ومع حلول موسم الدراسة، تصاب سكاوت التي سجلت في الصف الأول بخيبة أمل وذلك لاكتشافها بأن وعيها يتجاوز زملاءها في الصف.

ومع قدوم الصيف يعود ديل في زيارة أخرى، وهذه المرة يتحلون بجرأة أكبر بشأن تواصلهم مع بو. وفي الليلة الأخيرة من زيارة ديل يتسللون إلى شرفة رادلي بهدف التلصص عليه من خلال النافذة، ولكن مع وصول جيم إلى النافذة يخرج ناثان شقيق بو ويطلق رصاصة من بندقيته في الهواء لإخافتهم. ونظرا لسرعة وخوف جيم خلال فراره، يعلق بنطاله في السلك الشائك. وحينما يعود خلسة في المساء لاسترجاعه، يجد بأن سرواله قد تم وضعه مطويا بعناية على السلك بعد أن تم إصلاحه، وكأنه وضع بانتظار قدومه.

وهكذا يدرك الثلاثة بأن بو رادلي ليس وحشا، إنما كان مشاركا لهم في لعبتهم معه. ونتيجة لذلك تضاءل اهتمامهم به. وبعد مضي أعوام يتحول اهتمام الشقيقين إلى القضية التي تولاها والدهما بصفته محامي الدفاع عن الزنجي توم روبنسون الذي اتهم بقضية اغتصاب امرأة بيضاء تدعى مايلا إيويل. لكن هذا الاهتمام يتحول إلى كابوس يهيمن على حياتهما حينما يبدأ زملاؤهما في المدرسة بانتقاد والدهما والسخرية منه لدفاعه عن زنجي.

وهنا تتجلى شخصية الوالد الإيجابية من خلال عدة مواقف منها نفوره من العنف ومطالبته لهما بالسيطرة على أعصابهما وعدم السماح للآخرين باستفزازهما. وكان لحضورهما جلسات المحاكمة خلسة أكبر الأثر في رؤيتهما للحقيقة وبراءة توم. وكانت صدمتهما كبيرة حينما تم الحكم بإدانته على الرغم من أن جميع الأدلة تؤكد براءته وذلك استنادا على عدم قبول شهادة زنجي أمام اتهام مالايا ووالدها بوب أيويل. وكانت بالنسبة لهما بمثابة مرحلة تحول من عالم البراءة إلى واقع المحيط الخارجي المعقد الخاص بالكبار.

ونظرا لكون الأدلة كشفت كذبة الوالد وابنته، يهدد بوب ويتوعد المحامي بالانتقام منه لإذلاله أمام الجميع. وبعد نقل توم إلى السجن، يحاول والدهما استئناف الحكم، إلا أن محاولة هروب توم الذي فقد الأمل ببراءته أودت بحياته حينما أصابه أحد الحراس بطلق ناري.

ومع حلول عيد الهالوين، كانت عائلة فينش قد بدأت بتجاوز المأساة. وفي الحفل المدرسي كان على سكاوت ارتداء زي يمثل الخاروف. وبعد انتهاء المسرحية، تعود بزيها ذي الأقواس المعدنية برفقة أخيها الذي كان يقودها من يدها إلى المنزل.وخلال سيرهما ليلا في أحد الشوارع المظلمة ينقض عليهما بوب إيويل بهدف قتلهما انتقاما من أبيهما وسكينة المطبخ الضخمة في يده، وخلال الصراع بين جيم وبوب كانت سكاوت بزيها المعدني الذي أنجاها من طعناته ترقب بذهول ما يجري لتدرك بعد حين أن بو قد انضم لهما ومن دون تردد يطعن بوب حتى يفارق الحياة ومن ثم يحمل جيم المصاب إلى منزلهما.

وتنهي الكاتبة عملها بومضة تفاؤل تتجلى للأخوين من خلال رؤية وجه آخر من العدالة الإنسانية حينما يسجل مأمور المنطقة في تقرير الشرطة بأن بوب قتل حينما وقع على السكين التي كانت بحوذته، وذلك لتجنيب بو رادلي الوقوف في المحكمة ومواجهة الإعدام.