مؤلف كتاب (النفس والروح) هو الإمام (فخر الدين الرازي) الذي ولد في (الريّ) في إقليم (خراسان) سنة 545 هجرية ، تلقى العلم عن أبيه الإمام (ضياء الدين) خطيب الرّي ، وقد اشتغل (فخر الدين) في مبدأ أمره بالفقه ، ثم اشتغل بالعلوم الحكمية ، وتميز حتى لم يوجد في زمانه أحد يضاهيه، وكان لمجلسه جلالة، وكان هو نفسه يتعاظم حتى على الملوك.
ويقال إنه كان يحفظ الشامل في علم الكلام ، وقد لازم الأسفار ، فازداد معرفة ، حتى كان من أفضل علماء عصره في الفقه وعلوم اللغة والمنطق والمذاهب الكلامية ، ومن أبرع أهل زمانه في الطب والحكمة ، حتى قيل إنه كان إذا ركب مشي معه نحو الثلاثمئة مشتغل بطلب العلم، على اختلاف مطالبهم في التفسير والفقه والكلام والطب والأصول والحكمة وغير ذلك كما كان له باع طويل في الوعظ ،
وقوة تأثير نفسية فيبكي سامعيه كثيراً من شدة مواعظه في قلوبهم وسحرها في أفئدتهم وكان الإمام (فخر الدين) إذا جلس للتدريس ، حلقت حوله جماعة من كبار تلاميذه، ثم يليهم التلاميذ، ثم من سواهم على قدر مراتبهم وأقدارهم في العلم والفهم ، فكان إذا سأل أحد مسألة أجابه التلاميذ ، فإن أشكل الأمر أجابه كبار التلاميذ ، وإلّا أجاب الإمام نفسه.
وكان للإمام شعر جيد إضافةً لعلومه المتعددة ، وقد قال النقّاد ان شعره أشبه بشعر (أبي العلاء المعري). وقد انتقل الإمام (فخر الدين الرازي) إلى جوار ربه سنة 606 هجرية أما كتابه (النفس والروح) فقد قسّمه إلى ستة فصول ، بدأها في شرح مرتبة الإنسان من مراتب الموجودات ، فرأى أن المخلوقات تقسم إلى أربعة أقسام الأول: الذي له عقل وحكمة، وليس له طبيعة ولا شهوة وهم الملائكة .
الثاني : الذي ليس له عقل ولا حكمة ، وله طبيعة وشهوة ،وهو سائر الحيوانات سوى الإنسان. الثالث : الذي ليس له عقل ولا حكمة ولا طبيعة ولا شهوة وهي الجمادات والنبات. الرابع : وهو الذي يكون له عقل وحكمة ، ويكون له طبيعة وشهوة وذلك هو الإنسان ثم يمضي بشرح صفات كل قسم من الأقسام . ثم ينظر الإمام إلى الموجودات ، بحسب القسمة العقلية فيراها على أربعة أقسام منها:
1 - إما أن يؤثر ولا يتأثر البتة بوجه من الوجوه ، وهو الحق سبحانه وتعالى ولأنه واجب الوجود ، لذاته ولحقيقة هويته .
2- : الذي يتأثر ،ولا يؤثر ويتأثر معاً ، وهو عالم الأرواح والنفوس.
3-: الذي لا يؤثر ولا يتأثر البتة ، فهو الممتنع الوجود في العقول ، ومن الناس من قال : الفضاء الذي لا نهاية له ثم ينتقل الإمام إلى بيان مراتب الأرواح البشرية ، فأعلاها : درجة المتوجهون إلى العالم الإلهي ، المستغرقون في تلك الأنوار الصمدية والمعارف الإلهية، والدرجة الوسطى : هي النفوس التي لها التفات إلى العالمين فتارةً تترقى إلى العالم الأعلى بالعبودية والخضوع ، وتارةً تنزل إلى العالم السفلي ، بسبب التدبير والتصرف وهم أصحاب الميمنة والمقتصدون ، والدرجة الثالثة : هم المتوجهون إلى العالم الأسفل ، والمتوغلون في طلب لذاته وهم أصحاب الشمال والظالمون .
وبعد أن يقدم لنا بحثاً مطولاً في البحث عن ماهية جوهر النفس يصل إلى : أن المواظبة على الأفكار الدقيقة والتأملات العميقة لها أثر في النفس وأثر في البدن ، أما أثرها في النفس ، فهو إخراجها للنفس من القوة إلى الفعل، وكلما كانت الأفكار أكثر كان حصول هذه الأحوال أكمل، وذلك غاية كمالها ونهاية شرفها وجمالها ، وأما أثرها في البدن ،
فهو أنه يوجب استيلاء النفس على البدن والذبول عليه ، وإن أصحاب الرياضات والمجاهدات ، كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية وبتجويع الحس ، قويت قواهم الروحانية وأشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية ، وكلما أمعن الإنسان في الأكل والشرب وقضاء الشهوات الجسدية صار كالبهيمة ، وبقي محروقاً من آثار النطق والعقل والفهم والمعرفة.
وينهي الإمام (فخرالدين الرازي) كتابه : في بيان أن اللذات العقلية أشرف وأكمل من اللذات الحسية و يقيم لنا حججا على هذا الرأي ومنها : أن الإنسان يشاركه في لذة الأكل والشرب جميع الحيوانات، حتى الخسيسة منها ، فلو كانت هي السعادة والكمال ، لوجب أن لا يكون للإنسان فضيلة في ذلك على الحيوان، وهذه اللذات الحسية هي ليست لذات بل حاصلها يرجع إلى دفع الآلام، والدليل عليه أن الإنسان كلما كان أكثر جوعاً كان تلذذه بالأكل أتم . هذا هو كتاب (النفس والروح) ولعله من أنفس الكتب وأكملها.