في سجلنا الوجداني آلاف العبارات التمجيدية التي تستمد من الماضي بريقها ومن الحاضر صداها، ولدينا مرجع شعري هائل عن الفخر والحماسة، ولم تعرف الدنيا بأمة تفخر بنفسها كما يفعل العرب، ولا أمة على وجه المعمورة تظن أن الجبابرة تخر ساجدين إذا فطموا صبياً سوى عمرو بن كلثوم أشدهم فخراً واعتزازاً بنفسه وقبيلته.

ترى هل نفد ذلك الحماس، واندثر إحساس العرب بالفخر، وهل مات «إن ترشد غزية أرشد». ليدلني أحدكم إلى مكان تنبت فيه الحماسات وتكثر فيه المفاخر والاعتزازات، أعتقد أنه في الكتب، المكان الوحيد الذي نخزن به عواطفنا الجياشة، في الكتب تتجاور الحماسة مع الفخر، وفي المدرسة يصدح صوت المعلم مربياً الأجيال على: «لنا مدنية سلفت سنحيها وان دثرت».

ولكن على أرض الواقع يوجد ألم ويأس وعجز، وفي المقابل توجد في إسرائيل غطرسة لم يعرفها بشر، وفي الوقت الذي كان وزراء الخارجية العرب يجتمعون فيه وسط بيروت، أهدتهم إسرائيل مذبحة جديدة من 40 شهيداً في قرى الجنوب، وفي ذات قمة عربية في بيروت أيضاً اجتاحت إسرائيل قطاع غزة وارتكبت مجزرة جنين. بهذه الطريقة تشارك إسرائيل العرب مفاخرهم وتهديهم ما يستحقون نظير بؤسهم وتخاذلهم، وفي الوقت الذي يعقد العرب اجتماعاتهم ويكثفون اتصالاتهم ترسل لهم إسرائيل آلاف الحمم، من دون أن يرف لها جفن أو يخزها ألم.

في كل بلد عربي ينشد الأطفال في مدارسهم نشيداً غنياً بالمفاخر والاعتزاز بالذات وتمجيد التاريخ، وكل نشيد يجيش حماساً حتى تحمر له وجنات الصغار وهم يصرخون بأعلى صوتهم بعبارات لا يعادلها على أرض الواقع سوى مئات الصور لأطفال قضوا تحت القصف، وفي كل نشيد يقفز الخيال إلى غزوات الخيل والليل والبيداء والسيف، وكأننا نعيش في زمن جساس، والمهلهل وعنترة وسواهم من فرسان العرب وشعرائها.

أناشيدنا الوطنية حالمة جداً ومليئة بالعبارات الجوفاء التي تقلب جميع الهزائم إلى انتصارات وفيها من الفخامة ما يعجز عنه جميع قادة إسرائيل وكل فريق بوش الأخرق، فلم تصل بهم المخيلة إلى العيش في الأحلام فقط كما نحن تعلمنا من أناشيدنا وما حفظناه من فطاحلنا الأشاوس.

لقد نبتت عبارات التمجيد في سجلنا الوجداني ولا يوازيها بريق في أي لغة سوى الضاد، ولكنها على أرض الواقع عبارات مضللة، مخدرة، وتناسب أزمنة غير التي نعيش فيها، ويعيش فيها أولمرت وبوش، إننا ننتمي إلى زمن آخر فمتى ننتقل إلى زمن جديد؟

hussain@albayan.ae