مؤلف هذا الكتاب هو «جان ماري كوتيري» أستاذ الحق العام والعلوم السياسية في جامعة نيس (1964 ـ 1975)، والذي شارك في تأسيس «المجلة الفرنسية للاتصال»، وكان عضوا في المجلس الأعلى للسمعيات ـ البصريات (1995 ـ 2001). وهو إلى جانب ما قدمه من أبحاث متعددة يشغل اليوم مدير مركز الأبحاث حول الاتصال والإعلام في السوربون.
منذ ثلاثين عاما استقبل التلفزيون كثورة في خدمة الديمقراطية تعمل على تحقيق التقارب بين الرجل السياسي والمواطن العادي. هذا ما كان أمل أعوام 1970. إلا أن التطورات التي جرت بعدها، تبيّن أن هذه الثورة قد انتهت إلى عكس ما أريد منها. فالسياسة أصبحت تعني «الجملة المقتضبة» والخطاب السياسي تحول إلى خطاب «التبسيط» و«الانفعال العاطفي».
أما البرلمان المنبثق عن الاقتراع العام فقد أصبح مهمشا في الحياة السياسية وازدوجت شرعيته بشرعية جديدة ألا وهي الشرعية التلفزية. والنتيجة أننا أمام ديمقراطية ليست مهددة في الماضي يلعب فيه التلفزيون دورا أساسيا.
هكذا يتعرض الكاتب في الفصول الأولى إلى هذين النوعين من الشرعية واللذين يطبعان الحياة الديمقراطية. فالشرعية السياسية قامت على قاعدة أن السلطة تنتمي إلى الذين يتم انتخابهم من قبل الشعب بشكل دوري باعتبار أن السيادة الشعبية تعود إلى مجمل المواطنين المقترعين وذلك كتعبير عن الإرادة الجماعية التي لا يمكن استلابها من قبل أحد وعلى أن الانتخاب هو الطريقة التي تسمح باختيار الأكثر كفاءة وجدارة من بين المرشحين لممارسة هذه السيادة ولخدمة المصلحة العامة الوطنية.
وتاريخيا ظلت الفكرة قائمة منذ عام 1791 حتى عام 1848 بوجود علاقة تامة وعضوية بين الناخب والنائب. العلاقة التي تضمن صحة وسلامة التمثيل السياسي. لهذا يؤكد المؤرخ الفرنسي المعروف «نوريه» في أن الانتخاب لم يكن قضية تحكيم بين المواطنين والبرامج المتنافسة للمرشحين، وإنما كان يعني اختيار الأكثر جدارة فيما بينهم.
لقد كان الأمر يتعلق في الحقيقة بوهم وجود هذا التطابق بين الهيئة الانتخابية وبين الهيئة التمثيلية؛ إلا أن الانتخاب ظل مع ذلك مصدر الشرعية للسلطات الحاكمة، بيد أنه ما إن تم تطبيق حق الانتخاب العام المباشر لجميع المواطنين الرجال عام 1848 وبما رفع عدد المقترعين من 000 450 إلى 5,5 ملايين نسمة، حتى كشفت الهيئة الانتخابية بوضوح عن عدم اتساقها في وحدتها المفترضة وبما جعل المرشح النيابي مدعوا لتمثيل مصالح وإرادات متعارضة فيما بينها. والحال فإن العلاقة بين الناخب والنائب بدأت تتعرض لهزة حقيقية بنفس الوقت الذي شرعت فيه العلاقة بين السلطة التمثيلية وطاعة المواطنين لها تعيش خللا فعليا لها.
والحزب السياسي الذي جاء ليقيم علاقة وساطة بين الناخب والنائب، عمل في الحقيقة على الحيازة على إرادة الأول عبر البرامج العامة والوعود السخية التي كان يطرحها ويصيب تطبيقها عمليا وذلك لمصلحة الثاني، أي النائب الذي يأتمر بأوامره.
إن «فشل الأحزاب السياسية» ينجم كما يطرح الكاتب عن شراهتها في الحصول ما أمكن على المقاعد النيابية لمرشحيها عوضا عن أن يقتصر دورها على تنوير الهيئة الانتخابية حول الاختيارات المطروحة عليها من قبل المرشحين، ومساعدة هذه الهيئة على مساءلة ونقد أعمال من انتخبته إلى البرلمان، وعدم تبرير ما يقوم به مهما كان انتماؤه السياسي. لقد أصبحت الأحزاب السياسية «مجموعات ضغط اجتماعية واقتصادية منظمة» تعمل طبقا لتقديرات مصالحها وإمكانية الوصول إلى السلطة وعقد مساوماتها وتحالفاتها على هذا الأساس.
هكذا يقيم الكاتب تمييزا بين التمثيلية والتمثيل، فالأولى نوعية تتعلق بالاستجابة للمصالح الفعلية والعامة للمواطنين، بينما يشكل الثاني حالة كمية من الأصوات يحصل عليها مرشحو الأحزاب باسم برامج عامة وعائمة ولتحقيق مصالحهم كمجموعات ضغط اجتماعية واقتصادية متحالفة أو متصارعة فيما بينها. وظهور السمعيات-البصريات غير كل شيء بتوليدها للمجتمع الاتصالي مبينة بذلك تناقضات النظام التمثيلي وخالقة شرعية جديدة في الحياة السياسية.
فإذا كان الاقتراع العام يعني المساواة السياسية بين المواطنين عبر التصويت، فإن هذه المساواة مستحيلة عمليا بسبب التفاوتات في الإمكانيات والقدرات بينهم، إلا إذا حلمنا مع «لينين» في أن يصبح «الطباخون اختصاصيين في الإدارة» دولة ومجتمعا. هكذا فالجمع بين المساواة السياسية الانتخابية مع التفوق الذهني للسياسيين جدارة ومؤهلات هو «الشيء المستحيل في النظام التمثيلي».
وهذه المشكلة لا يحلها التلفزيون يقدر ما يزيدها حدة.فعدا عن أن التلفزيون يُبقي على التمييز بين «النخبة التمثيلية» وبين «عامة المواطنين»، فإنه بانتقائه من يريد من المرشحين أو التركيز على بعضهم دون البعض الآخر باسم نجاحه أو فشله التلفزي إن لم يتعلق الأمر باختيارات إيديولوجية. إنما يصبح عاملا في تكريس بعضهم دون البعض الآخر. وهذا التكريس أو حتى إظهار الرجل السياسي على الشاشة الصغيرة يعطي لهذا الأخير اعتبارا أو شهرة وسلطة، مانحة إياه بذلك شرعية «النظام التلفزي» التي تخرج عن قواعد الشرعية القانونية- الدستورية.
وهذه الشرعية التلفزية تمتد إلى جوانب أخرى وتفرض نفسها على النخبة التمثيلية. تكفي العودة إلى سلسلة التظاهرات التي تبناها التلفزيون وركز عليها ضد مشروع قانون أو إجراء سياسي لنرى أن من شأن ذلك أن يقود إلى سحب هذا القانون أو هذا الإجراء واستقالة الوزير الذي كان وراءه. بهذا أين هو التمثيل الانتخابي، وأين هي علاقة السلطة الشرعية المنتخبة بالطاعة المطلوبة لها إزاء المواطنين؟
لقد خلقت السمعيات-البصريات ظاهرة «الضرورة الاتصالية»، وذلك لأن الإقدام على عمل سياسي يحتاج من أجل قبوله إلى شرحه في وسائل الإعلام لكسب الرأي العام حوله، وإلا إنه محكوم عليه بالفشل لماذا؟ لأن المواطن يحتاج إلى المعرفة والاطلاع على ما يفعله السياسيون وما يريدون تحقيقه. إنه يريد الشفافية في السياسة، الشفافية التي أصبحت مقياس الديمقراطية.
وهذه الشفافية تتعلق بقدره رجال السياسة على الاتصال بالجمهور والإعلان عما يقومون به وشرحه والإقناع به بحيث أصبح التمثيل السياسي في هذا الواقع القدرة على الاتصال. وهذا لا يمكن أن يتم إلا بتوسط الوسائل الإعلامية وخاصة التلفزيون الذي أصبح معطى أساسيا في «ديمقراطية الشفافية».
وفي حين أن السياسة تتطلب مدة زمنية في عملها فإن التلفزيون يشتغل حسب اللحظة القائمة. فالزمن الإعلامي لا يمكن أن يكون المدة السياسية المرتبطة بتحقيق مشروع ولا المدة القضائية المتعلقة بانتظار قرار محكمة، وإنما هو زمن مباشر يتطلبه بث الأحداث الجارية وراهنيتها. إنه زمن الحاضر الآني المفصول عن الماضي وعن المستقبل بما يجعله يدخل بعدا جديدا في الحياة السياسية ويفرض نفسه على كل سياسي لاتخاذ موقف مباشر إزاء تلك الأحداث ودون الإحاطة بها. هكذا فنحن في «واقع إعلامي» بحد ذاته، وبالأحرى«واقع الواقع» إن صح التعبير.
أصبح هو أيضا مواطن «الحاضر الإعلامي الآني» بحيث يغيب المستقبل عنه على شاكلة ما كان يجري في المجتمعات الأولى التي كانت تعيش الحاضر ولم تكن بحاجة إلى الربط بين أزمنته من أجل تصور المستقبل. نتائج ذلك كله خطيرة على الديمقراطية، فكل مشروع باتجاه المستقبل أصبح مرفوضا، بينما ارتبطت البرامج السياسية على تلبية حاجات المواطنين المباشرة.
وهنا تدخل العلاقة الاتصالية السياسية في مفارقة. فإذا قال السياسي الحقيقة فإنه يحكم على نفسه بعدم انتخابه مجددا؛ وإذا ما كذب فإنه لا يستطيع أن يفي بما وعد بتحقيقه لقد أصبح الحذر والاحتراس سمة السياسة اليوم. وتدخل مسألة «الحق المكتسب» كجزء مكون للحظة الراهنة. فما يملكه المواطن يريد المحافظة عليه ولا يريد أن يستبدله بوعود مستقبلية. ولكن تصبح السياسة في هذا شبه مشلولة، إذ أين فاعليتها بين القوة المطلقة«للحق المكتسب» وبين غياب «مشروع مستقبلي» يحتاجه المجتمع؟
ثم هل التلفزيون الذي تحكمه آلية العجالة ألا يحكم على نفسه عند إعطائه الكلام لهذا السياسي أو ذاك للرد الفوري على الأحداث، أن يحصل على آراء بينة ومتماسكة يمكن الارتكان إليها. وهل يمكن لسياسيين معهودين بإحاطتهم وسرعة تفكيرهم أن ينجحوا دائما في ردودهم على الوقائع التلفزية في شروط لا تمكن من التفكير المتبصّر؟ والجواب هو أنهم يفكرون بقوالب جاهزة بحيث أننا أمام تفكير سائد ودارج، بما يؤدي إلى خطاب سياسي خشبي مُفرغ.
من جهة أخرى فإن التلفزيون يخلق الخطر على المصلحة العامة التي تحرص عليها الديمقراطية لإيجاد توازن وتلاحم في النظام الاجتماعي. ما الذي يحدث اليوم؟ لقد حلت المصالح الفئوية المنظمة محل المصلحة العامة في واقع من أن التلفزيون يشجع الأولى على حساب الثانية وإعطائها شرعية بحد ذاتها. والأمر نفسه بالنسبة للإرادة الجماعية التي تحتاج إلى وقت لتكوينها والتي يمثلها القانون العام بوجه رئيسي.
لقد حلت محلها إرادة الفئات الأكثر ظهورا على الشاشة الصغيرة والتي تتحرك بمنطق اللحظة الفورية بما يتعارض كليا مع الإرادة الجماعية التي لا يمكن أن تكون أمر نزوة عارضة في كل لحظة كما يؤكد الفيلسوف المعروف «ارنست رنيان».
ومفارقات الديمقراطية والتلفزيون تتناول التعددية الإعلامية. فوظيفة هذه الأخيرة تكمن في توفير إعلام حر ونزيه وعادل للمواطنين كما أنها تكمن حسب المجلس الأعلى للسمعيات ـ البصريات الفرنسي في «الإيصال الحر للأفكار والآراء... وباحترام النزاهة الإعلامية». لكن هذه التعددية لا تظهر على التلفزيون بشكل عادل بين الفاعلين السياسيين (أكثرية وأقلية برلمانية) ولا بين المنظمات النقابية ولا بين الجامعيين والصحافيين، والنتيجة أننا أمام تعددية تلفزية لا تعكس الواقع.
* الكتاب: الديمقراطية التلفزية
* الناشر:مطبوعات ميشالوف - باريس 2006
* الصفحات: 135 صفحة من القطع المتوسط
La démocratie télé-guidée
Jean-Marie Cotteret
Editions Michalon- Paris 2006
p.135
