مؤلفة هذا الكتاب هي الصحافية الانجليزية ساندرا ماكي المختصة بشؤون الشرق الأوسط وقد اشتغلت في المنطقة سنوات طويلة كمراسلة لصحيفة الغارديان البريطانية. وفي هذا الكتاب تستعرض المؤلفة تاريخ لبنان منذ أقدم العصور وحتى اليوم وتقول بما معناه: هناك سببان أساسيان أديا إلى انتشار المسيحية في المنطقة هما: أن لبنان كان مسكوناً آنذاك من قبل الفينيقيين والآراميين. وبالتالي فلم يبد أي مقاومة تذكر ضد العقيدة الجديدة المبنية على مبادئ مشابهة لاعتقادهم بوجود الكائن الأعظم: أي الله. يضاف إلى ذلك أن جنوب لبنان حظي بزيارة السيد المسيح في قانا.
ورسائل الحواريين تقول لنا بأن بطرس وبولس زارا المدن الشاطئية اللبنانية. وبالتالي فهناك علاقة قديمة ووثيقة بين لبنان والمسيحية. ثم جاء دور الإسلام والفتح العربي لكي تصبح معظم هذه المدن والسهول اللبنانية إسلامية. وعندئذ هاجر المسيحيون إلى الجبال لكي يعتصموا بها. وبالتالي فاذا كانت المدن الشاطئية قد دخلت بسهولة في الإسلام فإن الجبل ظل مسيحياً.
وقد صمد في وجه الغزوات التي وجهتها السلالة الأموية إليه. بل واستطاع أن يلحق الهزيمة العسكرية ببعض خلفاء بني أمية المهمين وأجبرهم على دفع غرامة كبيرة لبيزنطة مع احترام استقلالية سكان الجبل وحريتهم العقائدية. ثم تردف المؤلفة قائلة: وفي عام 750 قضت السلالة العباسية على السلالة الأموية وأرسلت الجيوش لاحتلال لبنان من جديد.
وسحقت هذه الجيوش مقاومة الموارنة بالحديد والدم. وبدءاً من ذلك التاريخ عاش الموارنة منكفئين على أنفسهم وراضين بمقدورهم حتى وصول الصليبيين إلى المنطقة. ثم تتحدث المؤلفة عن سلالة العينين الدروز الذين حكموا لبنان في القرن السابع عشر من خلال أميرهم الكبير فخر الدين العيني الثاني. ومعلوم انه هو مؤسس لبنان الحديث والبعض يقول بأن أصوله كردية لا عربية ـ ولكن سلالته تعربت لاحقاً. وبالتالي فآل جنبلاط هم أكراد مستعربون في الواقع.
وهناك اختلاط على مر التاريخ بين الأكراد والعرب. وكان هذا الأمير الكبير وريثاً لمعن ، وهو الذي أسس لبنان بالمعنى الحديث للكلمة بفضل شجاعته، وذكائه، وعهده الطويل الذي تجاوز الأربعين سنة. لقد وحد لبنان بكل مناطقه عن طريق الفتوحات العسكرية. وكان رجل دولة من الطراز الأول وقد وضع كل مواهبه وقدراته في خدمة بلده لبنان.
كان شجاعاً إلى حد التهور وطموحاً محباً للعدالة وبانياً للبلاد ومنصفاً للعباد فقد جعل من لبنان نموذجاً يحتذى على المستوى الحضاري، والثقافي والعمراني والفني والإنساني، وكل جيرانه أصبحوا يحسدونه على تقدمه وازدهاره في ظل هذا الأمير الكبير. وقام بسياسة الانفتاح على الشرق والغرب في آن معاً لكي يتحاشى خطر صراعهما على لبنان ومستقبله وسيادته. وأخذ من النهضة الايطالية الشيء الكثير.
وحكم بطريقة جيدة عن طريق وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وكل هدفه كان يكمن في تقدم لبنان وتطوره وسعادته. ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن المشكلة تكمن في انقسامات البيت اللبناني إلى عدة طوائف متناحرة. فالحرب الأهلية اندلعت فيه عام 1860 بين الموارنة والدروز وأدت إلى مجازر عديدة في كلا الطرفين وتركت جروحاً عميقة وأصابت الوحدة الوطنية في الصميم.
وكل ذلك أدى إلى تدخل القوى العظمى في شؤون لبنان والقضاء على سيادته واستقلاله، فما أن تحرر من النير العثماني عام 1920 حتى وقع تحت نير الاستعمار الفرنسي. ينبغي العلم بأن لبنان مؤلف من ثماني عشرة طائفة دينية، ثلاث عشرة منها مسيحية، وأربع إسلامية، هذا بالإضافة إلى الطائفة اليهودية التي لم يعد لها وجود يذكر.
ومعظم هذه الطوائف التي تشكل لبنان الحالي التجأت إلى الجبل بين القرنين الخامس والعشرين للميلاد. وحدهم السنة يستطيعون القول بأنهم ينتمون إلى فئة الفاتحين العرب الذين جاؤوا إلى لبنان بعد انتشار الإسلام ولذلك فان حضور السنة قوي في المدن والسهول وضعيف جدا في الجبال، والسبب هو أن الفاتحين العرب كانوا يتوقفون عند أقدام الجبال ولا يغامرون في المناطق الجبلية الوعرة.
ولكن الأمور اختلفت الآن بالطبع فقد اختلط السكان اللبنانيون ببعضهم البعض في المدن والقرى وبقية المناطق وان كانت لا تزال هناك أغلبيات طائفية في هذه المنطقة أو تلك، وفي هذه المدينة أو تلك. ثم تردف المؤلفة قائلة: والنظام السياسي اللبناني مبني على توازن الطوائف وان كانت الغلبة فيه سابقاً للموارنة والسنة. فهناك (128) نائباً في البرلمان : (64) منهم مسيحيون، و (64) مسلمون، ومجلس الوزراء أيضا مقسم بحسب الطوائف.
وينص الدستور اللبناني على أن منصب رئيس الجمهورية ينبغي أن يكون للمسيحيين الموارنة، ومنصب رئيس البرلمان للمسلمين الشيعة، ومنصب رئيس الوزراء للمسلمين السنة. وبالتالي فالعلمانية غير موجودة في لبنان، وينتج عن ذلك أن الحياة المدنية والاجتماعية محكومة من قبل الهيئات الدينية. والزواج المدني لا وجود له ولا تعترف به الدولة إلا إذا تم خارج البلاد. وكل طائفة تتحكم بأبنائها في مجال الزواج والطلاق والإرث ولا علاقة للدولة بذلك. وهذا ما يرسخ من انقسام اللبنانيين.
ولكن بفضل انفتاح لبنان على اللغات الأوروبية فإنه استطاع أن يلعب دوراً كبيراً في إدخال الحداثة إلى العالم العربي طيلة القرن العشرين. فالصحافة الحرة، والموسوعات الكبرى، والقواميس، كلها ظهرت في لبنان ومنه انتقلت إلى سوريا، فالعراق، الأردن، فباقي الدول العربية. وكانت بيروت ولا تزال عاصمة الكتاب العربي والبلد الذي يحتوي على أكبر قدر ممكن من دور النشر واليها كان يلجأ السياسيون العرب وكبار الكتاب والشعراء لكي يعبروا عن أنفسهم بكل حرية.
وهناك حضور كبير للغة والثقافة الفرنسية في لبنان ويعود ذلك إلى حقيقة أن هذا البلد أصبح تحت الانتداب الفرنسي منذ عام 1918 بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، وكذلك وقعت سوريا تحت نفس الانتداب، وقد رفضت فرنسا توحيد هذين البلدين تحت سيطرتها وسعت إلى تشكيل لبنان الكبير وفصله عن سوريا.
ثم حصل لبنان على استقلاله الكامل عام 1946، ولكن النفوذ الفرنسي ظل موجوداً وبقوة. وأصبحت اللغة الفرنسية إحدى اللغات الأساسية في البلاد، بالإضافة الى العربية بالطبع، ثم حققت اللغة الانجليزية خرقاً لا يستهان به في السنوات الأخيرة على حساب الفرنسية أحياناً.
ومعظم مشاكل لبنان السياسية ناتجة عن اختلال التوازن الطائفي. فالحكم والامتيازات كانت لمصلحة طائفتين فقط طيلة فترة طويلة وذلك على حساب بقية الطوائف وبخاصة الطائفة الشيعية التي أصبحت الأكثر عدداً 40% من عدد السكان.ولكن الأمور في طورها الى التوازن والتحسن. ولكن القول بأن مأساة لبنان عائدة الى الصراع العربي الإسرائيلي، فهو يدفع ثمنه أكثر من غيره. وهو مستهدف من قبل اسرائيل لأنه يعتبر النموذج المضاد لها. أي النموذج القائم على تعايش العديد من الطوائف والمذاهب.
ولهذا السبب فهي تحاول زعزعة استقراره. وقد نجحت في ذلك أكثر من مرة وأدت الى نشوب الحرب الأهلية فيه. وبالتالي فمشاكل لبنان آتية من الداخل والخارج في آن معاً. فالطائفية في الداخل تمنع تحقق الوحدة الوطنية الحقيقية بين جميع أبنائه، وذلك لأن ولاء اللبناني في نهاية المطاف يكون لطائفته لا لوطنه. انه مجبر على ذلك بسبب النظام الطائفي السائد والمرسخ مؤسساتياً ودستورياً ووظيفياً.
وضغط إسرائيل في الخارج يزيد من تفاقم الشقة بين اللبنانيين ويؤلبهم على بعضهم البعض أحياناً، وهذا ما حصل أثناء الحرب الأهلية المدمرة التي استمرت من عام 1975 الى عام 1990: أي خمسة عشر عاماً وقد ذهب ضحيتها مئات الآلاف من قتلى وجرحى ومعاقين أبد الحياة. وأخيرا يمكن القول بأن وضع لبنان تناقضي غريب الشكل. فهو من جهة منارة الحضارة والحداثة في الشرق الأوسط، إنه سويسرا الشرق كما يقال.
وهو من جهة أخرى لا يزال يعاني من نظام تقليدي طائفي يرغب معظم اللبنانيين في تجاوزه دون ان يستطيعوا منه فكاكاً حتى الآن أو دون ان يتركهم الآخرون يفعلون ذلك. ولكن لبنان كطائر الفينيق يخرج دائماً من محنته سليماً معافى، بل وأقوى مما كان عليه سابقاً.
* الكتاب: لبنان البيت المنقسم على ذاته
* الناشر:و.و. نورتون وشركاه ـ لندن، نيويورك 2006
*الصفحات: 336 صفحة من القطع المتوسط
LEBANON: A HOUSE DIVIDED
SANDRA MACKEY
W.W NORTON AND COMPANY 6002 - KROY WEN .NODNOL
633 .P
