يعمل برنارلوشوفالييه، مؤلف هذا الكتاب، أستاذاً لمادة الأمراض العصبية في الجامعات الفرنسية، وهو مختص في المعالجة الطبية بميدان الطب العصبي ـ النفسي. «دماغ موزارت» ليس كتاباً في الموسيقى، وإنما بالأحرى في آليات عمل «العبقرية»، وذلك انطلاقاً من العديد من الأحداث المشهودة التي عرفتها حياة الموسيقي الكبير، وليس أقلّها شهرة ما جرى يوم 11 ابريل 1770 عندما سمع الفتى موزارت مقطوعة للموسيقي الكبير «الليغري» والتي لم يتم الإفصاح أبداً عن نسيجها الموسيقي الذي بقي سرّاً، لكن عندما وصل موزارت إلى بيته أعاد عزفها كاملة بالتمام والكمال من ذاكرته.
فكيف يمكن تذكّر مثل تلك المعزوفة كلها بعد سماعها مرّة واحدة؟ وكيف يمكن تفسير عبقرية موزارت؟ باختصار ما هي أسرار العبقرية؟!
هذا الكتاب هو في واقع الأمر محاولة للإجابة عن مثل هذه الأسئلة بالاعتماد على معطيات مختلف العلوم، والطبية منها في المقدّمة، وهذا ما عبّر عنه المؤلف منذ البداية بالقول: «ليس هدفنا هو كتابة سيرة حياة موزارت، وإنما بالأحرى دراسة بعض مظاهر سيرته وشخصيته القوية، وخاصة تعبيرات عبقريته في محاولة لتحليل التفسيرات التي يمكن للسيكولوجيا العصبية للموسيقى أن تقدمها لنا».
وتجدر الإشارة هنا إلى أن العلم المسمى ب«السيكولوجيا العصبية للموسيقى» قد ظهر في نهاية القرن التاسع عشر، أي في الفترة التي كان فن الموسيقى يشكل فيها جزءاً من الثقافة العامة مثل الأدب، هذا مع الإشارة إلى أن الوضع لم يعد كذلك اليوم، وكان انتباه الأطباء قد لاحظ، بالاعتماد على معطيات طبية لدى مرضى مصابين بآفات دماغية، أن هناك انفصالاً مدهشاً بين «زوال حلقات الكلام والاحتفاظ بالقدرات الموسيقية».
وقد تطور هذا العلم، بحيث انه يمكن لفن الموسيقى أن يشكّل مجالاً متميزاً لدراسة آليات التفكير نفسها، وكان للانجازات المتقدمة التي أمكن تحقيقها على صعيد التصوير الشعاعي و«رؤية الدماغ وهو يعمل» دور كبير في فهم أكثر شمولية للعقل الإنساني لا يستثني السلوك ولا الحياة العاطفية والوجدانية، كما كان الأمر سابقاً.
وإشارة أيضاً إلى تطور علم جديد خلال السنوات الأخيرة يمكن تسميته بالسلم «العصبي ـ السيكولوجي ـ البيولوجي»، ويرى مؤلف الكتاب أن أحد أهم النتائج التي تمّ التوصل بها لهذه «السيمفونية العلمية» هي أن «دماغ كل إنسان هو فريد»، ويأتي تفرّده من كونه ثمرة جميع التجارب المعاشة للشخص المعني منذ حياته الجنينية حتى سن البلوغ.
يبدأ المؤلف تحليلاته ل«دماغ موزارت»، انطلاقاً من تلك الحادثة، المنوّه لها آنفاً، يوم 11 ابريل 1770 عندما وصل كيوبولد موزارت «برفقة ابنه وولفغانغ» إلى روما بعد رحلة شاقة من فلورنسة، كانت تلك هي الرحلة الرابعة الكبيرة للفتى ابن الرابعة عشرة من عمره. كان يوم أربعاء «مقدّس» يردد فيه الموسيقيون في كنيسة «السكستين» الشهيرة، التي أنجز رسوماتها الفنان العظيم مايكل انجلو، قطعة موسيقية شهيرة من تأليف الليغري،
حيث سمعها الأبن للمرّة الأولى في حياته، وبعد ثلاثة أيام كتب الأب ليوبولد موزارت لزوجته رسالة جاء فيها: «ربما انك سمعت بتلك المعزوفة الموسيقية الشهيرة لأليغري «البؤس»، التي يعتبرونها أحد الكنوز في روما، وإلى درجة أنهم منعوا موسيقى الكنيسة، تحت طائلة الطرد، البوح بأدنى توليفية، نوطة، منها أو نسخها أو إعطائها لأي كان. هذه المعزوفة أصبحت في حوزتنا إذ أن وولفغانغ قد كتبها في ذاكرته.(..)، ولكن بما انها تشكل أحد أسرار روما، فإننا لا نريد وضعها بين أياد أجنبية».
سمع البابا كليمان الرابع عشر بالأمر، فأبدى إعجابه الكبير بالفتى موزارت ومنحه «وسام المهماز الذهبي» أي أحد أرفع الأوسمة البابوية. لقد سجّل دماغ موزات ما يعادل ثلث قرص (اسطوانة) موسيقى، كما يكتب المؤلف من موقعه العلمي، وهذا ما يعتبره «انجازاً ضخماً» و«عبقرياً» بالمعنى القاموسي القائل انه «فعل مشهود يتجاوز الحدود العادية للبشر».
لكنه يشير بالمقابل إلى أن أي عمل له علاقة بالموسيقى كان يبدو «طبيعياً وسهلاً» بالنسبة لموزارت إلى درجة اعترافه هو نفسه أنه «غارق في عالم الموسيقى»، وبالتالي: ألا يمكن القول بأن ما فعله ليس إنجازاً عبقرياً، لأن موزارت يعيش الموسيقى مثلما يتنفس؟»، كما يشارك المؤلف ليشير بعد ذلك إلى العديد من براهين «الذاكرة الموسيقية الاستثنائية لموزارت».
ما يؤكده المؤلف هو أنه من الصعب تفسير «الانجاز العبقري» الذي قام به موزارت بالاعتماد على السيكولوجيا العصبية التقليدية، ذلك أن عمليات ثلاث قد تعاقبت للوصول إلى ذلك الانجاز، كانت هناك أولاً عملية «تسجيل» فوق عادية للمعلومات الموسيقية، فيما يتجاوز كثيراً مجرد عملية الإحساس العابر، وكان هناك بعد ذلك «تخزين» تلك المعلومات،
وأخيراً عملية إعادة صياغتها بشكل كامل قبل تنفيذ المؤلفات الموسيقية من جديد، ثم أن هذه العمليات الثلاث هي التي يعرفها كل من يريد أن «يخزن» في ذاكرته مجرد لحن أغنية بسيطة قبل إعادة ترديدها: لكن مثل هذا العمل هو أقل صعوبة وتعقيداً، بما لا يقاس، مع ما فعله موزارت حيال مقطوعة «الليفر» الموسيقية التي تستمر خمس عشرة دقيقة ومن حيث «ضخامة المادة التي جرى تخزينها ومدتها وإعادة تنفيذها دون أدنى خطأ».
إن إنجاز موزارت العبقري يكمن قد قدرته الاستثنائية على تخزين «الرموز الموسيقية» لعمل كان مجهولاً تماماً بالنسبة له.. وهذا ما لا يمكن لذاكرة «عادية» أن تقوم به، فكيف يمكن تفسير ذلك؟
إن المؤلف يشير بالاعتماد على عدد من مؤلفات المهتمين بمسألة الذاكرة، إلى وجود أشخاص «نبغوا» في عالم الأرقام مثل الذي كان يستطيع أن يردد على الفور سلاسل من عشرين رقماً من اليسار إلى اليمين وبالعكس بمجرد إلقاء نظرة عليها، ثم هناك أولئك الممثلون الذين يحفظون أدوارهم بأوقات قصيرة جداً ودون تلقينهم إياها.. لكنهم لم يكونوا يتمتعون سوى بذاكرة عادية مثل الآخرين فيما يخص دراساتهم مثلاً.
وعلى غرار موزارت ينقل المؤلف عن مؤلفين غيره، ذكرها لحالات شبيهة، مثل الموسيقي ماندلسون الذي نسي قبيل المرة الأولى لتقديمه معزوفته الشهيرة «حلم ليلة صيف» في العربة التي أقلته للمكان، فما كان منه إلا أن قدمها كاملة للحضور من ذاكرته. وكان عازف الكمان الشهير جورج اينيسكو قد استمع ذات يوم للمرة الأولى لمعزوفة من تأليف موريس رافيل، عزفها من أجله عازف الكمان الشهير الآخر مانوين، فما كان من اينيسكو إلا أن أخذ كمانه وأعاد عزفها على الفور بالتمام والكمال، دون أي نقصان.
إن التفسير الذي يتبناه المؤلف لذاكرة موزارت وغيره يعطي الأرجحية لفترة الدراسة المعمقة الطويلة التي يقوم بها المعنيون في ميادين اختصاصهم على مدى سنوات طويلة مما يجعلهم يكتسبون ذاكرة استثنائية على خلفية الخبرة. ذلك ان المعرفة المكتسبة على فترة طويلة تشكل أساساً لنوع من قدرة تخزين الرموز ولكنها تسمح للاختصاصيين باستخراج المعلومات الأساسية بطريقة فعالة وإعطائها معنى عبر دمجها مع معرفة موجودة أصلاً. وهكذا عندما جاء موزارت إلى كنسية السكستين كان عمره 14 سنة، وكان قد بدأ الموسيقى وهو في الرابعة من عمره.
لكن المؤلف يؤكد أيضاً أنه من الصعب عدم أخذ القدرات الاستثنائية لذاكرة موزارت بعين الاعتبار في محاولة فهم عبقريته على ضوء العلم العصبي ـ اليسيكولوجي. ويشرح في هذا السياق على مدى أكثر من فصل في الكتاب أن خصوبة «الأفكار الموسيقية» التي «سكنت باستمرار تقريباً وعيه» ما كان لها أن تؤدي إلى الشيء الكبير لو لم يكن يمتلك قدرة تخزين مستمر لـ «الأفكار» التي حفظها في ذاكرته وبرزت في أعماله. هذا لا يعني أبداً أن بواعثه الشخصية والسياق العاطفي الذي أحاط به لم يكن لهما دور في نبوغ عبقريته.
وفي فصل عن «الذكاء الموسيقي» يؤكد المؤلف أيضاً على أنه من غير الممكن إثبات إمكانية نقل هذا الذكاء وراثياً «لكنه يؤكد أيضاً بالمقابل أن مثل هذا الذكاء هو ثمرة عملية تعلم طويلة تبدأ منذ سنوات الطفولة مع وجود محيط تربوي وعاطفي ملائم. ويرى أن موزارت هو أحد الأمثلة الأكثر بلاغة على ذلك إذ أنه «الموسيقى الأكثر براعة دون شك.
ويعتبر ان الذكاء الموسيقي متضمناً لميدانين. الميدان الأول هو ذو طبيعة سمعية ويشمل كل ما له علاقة بالاصوات ويتطلب امتلاك «اذن موسيقية» تعرف كيف تميّز بين ادنى اختلافات نبرات الاصوات وتبايناتها. الميدان الثاني يخص «التأليف الموسيقي» الذي يشكّل احد اكبر صيغ الابداع الفني، هذا فضلاً عن انه يساعد على فهم آليات الابداع الموسيقي بشكل خاص، ويسمح «الذكاء الموسيقي» بتقديم كل ما هو مطلوب من اجل بلوغ صاحبه مستوى الخبير في فن الموسيقى. ثم انه لا يحتاج لـ «ممارسة نشاطاته» على حساب قطاعات الذكاء الاخرى.
وهذا ما اثبته العديد من الموسيقيين الكبار الذين اثبتوا موهبة كبيرة في ميادين غير الموسيقى مثل باخ الذي كان استاذاً للغة اللاتينية وبوردوين كان كيميائياً وفاغنر هو الذي كان يرسم زخارف بيته وكان ماندلسون يقرض الشعر.. الخ. هكذا يغدو الذكاء الموسيقي نوعا من «الذكاء الاختصاصي لأنه كان قد تم التركيز على هذا القطاع ـ الموسيقي، منذ فترة كبيرة جداً من قبل التربية والوسط المحيط». والموسيقى تمثل من حيث اتساع «المناطق الدماغية التي يتم تشغيلها» وبسبب «التعاون الضروري بين شطري الدماغ ـ الايمن والايسر» نوعاً من التجارب «العصبية ـ البسيكولوجية المتميزة».
وعلى أساس ما سبق يرى المؤلف انه ليس هناك ما يسمح بالقول ان هناك «انقساما ثنائيا» أو «انفصالا» في الذكاء لدى موزارت. ويقول ان أولئك الذين استخدموا مثل هذه التعابير عنه قد خلطوا من جهة بين المظهر الاجتماعي على شخصيته وطريقته في العيش وطباعه، ومن جهة أخرى، كفاءته الذهنية العالية.
* الكتاب: دماغ موزارت
* الناشر:اوديل جاكوب ـ باريس 2006
*الصفحات: 339 صفحة من القطع الصغير
Le Cerveau De Mozart
BERNARD LECHEVALIER
ODILE JACOB - PARIS 2006
339 P.
