مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة دانا فاكاروس المشهورة بكتب الرحلات. وقد كتبت العديد منها ضمن إطار سلسلة غاداغون المعروفة والخاصة بالتعريف بالبلدان الأجنبية. وفي هذا الكتاب تقول المؤلفة ما معناه: لقد أصبحت اسبانيا في الآونة الأخيرة من اكثر البلدان جذباً للسواح.

فعدد الذين يزورونها كل عام يتجاوز الخمسة وأربعين مليون سائح! وهو رقم قياسي تحسدها عليه معظم بلدان العالم لانه يدر عليها المال الوفير بالعملة الصعبة ويساهم في تطويرها وتنميتها. يضاف إلى ذلك أن هذا الرقم أكبر من عدد سكانها الذي لا يتجاوز الأربعين مليون نسمة. وتقول المؤلفة بأن اسبانيا من أجمل بلدان العالم وأجمل ما فيها قلبها النابض بالحضارة العربية والإسلامية: أي الأندلس.

وهنا تقدم لمحة تاريخية عن الأندلس الإسلامية رابطة الماضي بالحاضر. كما وتتحدث عن الماضي المجيد لاشبيلية، وقرطبة، وغرناطة أو طليطلة وسواها رابطة أيضاً ماضيها بحاضرها. وتقول المؤلفة ان مجرد ذكر هذه الأسماء الرائعة يشعر العرب بالحنين إلى الفردوس المفقود إلى الجنة الضائعة، إلى الأندلس التي خسروها يوماً ما غصباً عنهم. ولذلك فإن العربي أو حتى المسلم يحلم أن يزور الأندلس ولو مرة واحدة في حياته قبل أن يموت.

ثم تقدم المؤلفة معلومات عملية عن قرطبة وتقول: إنها تبعد مسافة 143 كيلومتراً عن اشبيلية، و164 كيلومتراً عن غرناطة، وهي عاصمة إقليم اسباني يبلغ عدد سكانه ثلاثمئة وعشرين ألف نسمة. وفيها جامعة كبيرة تحتوي على كل الاختصاصات العلمية والأدبية.

وقرطبة مشهورة بالجامع الكبير الذي يُعتبر من أفضل ما بناه العرب المسلمون في تاريخهم، ويزوره السواح بكثرة على مدار السنة، أما العربي أو المسلم فيقف مذهولاً خاشعاً أمامه. وهناك أيضاً القصر الكبير وحدائقه الغناء وقد بناه العرب أيضاً ولكن استولى عليه الملوك المسيحيون وسكنوه، وينبغي على السائح أن يزوره بعد الجامع الكبير لكي يستريح في جنباته ويرى البساتين المحيطة به والنوافير الدمشقية في فناءاته وباحاته.. عندئذ يشعر وكأنه في مدينة دمشق، أو فاس.

ثم تردف المؤلفة قائلة: ومعلوم أن قرطبة كانت عاصمة الحضارة الإسلامية في الأندلس. وقد وصلتها الجيوش الإسلامية بقيادة طارق بن زياد عام 711: أي في أوائل القرن الثامن الميلادي. وقد دخلها عبدالرحمن الداخل (صقر قريش) فاتحاً عام 756، وفيها أسس أول إمارة إسلامية في الأندلس، وقد دام حكمه أكثر من ثلاثين سنة. وفي عام 929 أسست فيها أول خلافة إسلامية خارج أراضي العرب.

وكان ذلك بقيادة عبدالرحمن الثالث الملقب بالناصر والذي تحدى خلافة بغداد فلقب نفسه بالخليفة أيضاً: أي خليفة المسلمين. وفي ظل نظام الخلافة هذا شهدت قرطبة عصرها الذهبي وتفوقت على كل العواصم والأمصار الإسلامية من حيث الاهتمام بالعلم، والفلسفة والحضارة. ومعلوم أن أكبر فيلسوف عربي ومسلم (ابن رشد) وُلد في قرطبة عام 1126، وقد شهدت ولادة علماء كثيرين، وكانت تحتوي على أكبر مكتبة في العالم آنذاك، ويقال ان عدد المؤلفات فيها بلغ الأربعمئة ألف، وهذا رقم قياسي بالنسبة لذلك الزمان.

ثم تنتقل المؤلفة بعدئذ للتحدث عن غرناطة تقول إن عدد سكانها اليوم يبلغ (240000) مئتي وأربعين ألف نسمة، أي أقل من قرطبة بحوالي مئة ألف، وفيها جامعة أيضاً، وهي عاصمة الإقليم الاسباني الذي يحمل اسمها، وبالتالي فقد حافظت على أهميتها كقرطبة بعد رحيل العرب.

وأول شيء ينبغي أن يزوره السائح هناك هو قصر الحمراء الشهير الذي بناه بنو الأحمر حكام غرناطة المسلمين، ومعلوم أنهم حكموا الأندلس بعد سقوط دولة الموحدين، وقد استمر حكمهم أكثر من قرنين ونصف القرن في عام 1232 إلى عام 1492، ولكن البعض يقول بأنه سمي بالأحمر لأن تربته مثل تربة مراكش، والله أعلم.وغرناطة أقرب إلى البحر وهذا يزيد من أهميتها، ويضاف إلى ذلك أن جامعتها مشهورة في كل اسبانيا وتضم مالا يقل عن خمسين ألف طالب، وحياتها الثقافية مليئة، ديناميكية جداً. ومنذ بضع سنوات ابتدأ سكانها يهتمون بالماضي الإسلامي للمدينة بعد أن أنكروه زمناً طويلاً، وابتدأوا ينظمون المؤتمرات والمحاضرات عن اسبانيا الإسلامية ودور غرناطة فيها.

وهذا شيء إيجابي ينبغي أن يفرح العرب ويشعرهم بالعزة والكرامة، بل وأصبحوا يعلمون اللغة العربية، وينظمون دروساً للطلاب عن الحضارة الإسلامية، والموسيقى العربية، والزي العربي، باختصار أصبحوا ينبشون كل التاريخ الحضاري المطموس الذي صنع مجد غرناطة في الأيام الخوالي.ثم تردف المؤلفة قائلة: وبالإضافة إلى أهميتها الجامعية والثقافية فإن غرناطة تستفيد من جمالها وموقعها بحيث إنها أصبحت مدينة سياحية من الطراز الأول، وهذا ما يؤدي إلى غناها ورفاهيتها المادية والاقتصادية، وبالتالي فلا أحد يزور جنوب اسبانيا من دون أن يعرِّج على غرناطة.وأجمل شيء يفعله الزائر هو أن يركب القطار أو السيارة ويذهب من غرناطة إلى قرطبة، والعكس.

فهو من أجمل الطرق، ويخترق الريف الأندلسي المخضوضر الرائع الذي لا مثيل له. وهناك هضاب جميلة ترافقك على مخرج غرناطة ثم تستقبلك بعدئذٍ غابات لا نهاية لها من أشجار الزيتون، هذا بالإضافة إلى شتى أنواع الخضروات والأشجار المثمرة والبساتين المنتشرة على مدّ البصر.. وعندما يرى المرء كل هذه الخصوبة والجمال يفهم لماذا أن العرب يعتبرون الأندلس بمثابة الفردوس المفقود ولماذا لا يزالون يحنّون إليها حتى بعد ثمانية قرون من مغادرتها.

ويفهم أيضاً سبب ازدهار الشعر العربي هناك، وكذلك الموشحات الأندلسية التي لا نزال نتغنى بها حتى اليوم في مشرق العالم العربي ومغربه. نعم يحق للعرب أن يتحسروا على الأندلس. ثم تنتقل المؤلفة بعدئذٍ للتحدث عن مدينة لا تقل شهرة وجمالاً عن قرطبة وغرناطة: إنها اشبيلية عاصمة إقليم الأندلس كله، فهي الأكبر حجماً والأكثر عدداً، إذ يبلغ عدد سكانها السبعمئة ألف نسمة أو يزيد. وهو ضعف عدد سكان قرطبة على الأقل.

وينبغي على السائح أن يكتشف اشبيلية بدءاً من ضفاف النهر الكبير الملقب بنهر العرب، ثم بعدئذٍ يكتشف حدائقها ونوافيرها الإسلامية ذات الطابع المغربي أو الفاسي أو الدمشقي. وبعدئذٍ يكتشف الزائر أن اشبيلية هي حقاً عاصمة الأندلس ومفخرتها.وأفضل وقت لزيارة اشبيلية هو الربيع والخريف. اما في الصيف فحرارتها مرتفعة ولذلك يهجرها سكانها ويذهبون إلى شاطئ البحر هرباً من السخونة.

وكذلك الأمر فيما يخص غرناطة وقرطبة.وينبغي على السائح ان يزور ايضاً القصر الكبير في اشبيلية والبساتين المحيطة به والحدائق الرائعة. ومعلوم أنهم ابتدأوا في بنائه عام (844)م في ظل عهد عبدالرحمن الثاني أمير قرطبة. وكان بمثابة مقر الوالي التابع لحاكم الاندلس وأميرها.ولكن هذا القصر لم يبلغ ذروة مجده أي بعد سقوط الخلافة عام (1031) في ظل الموحدين الذين سيطروا على الاندلس عندئذ واتخذوا من اشبيلية وليس من قرطبة عاصمة لهم.

وعندئذ كبرَّوا القصر وزادوا في أجنحته ووسعوه كثيراً،ثم أضافوا إليه البساتين والحدائق لكي يليق بالعاصمة الاندلسية وحاكمها.ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: وأخيرا فماذا يمكن ان نقول عن الاندلس فتاريخها عظيم وحاضرها جميل وآثارها منتشرة في كل مكان، وطبيعتها خلابة تشبه الجنات وأهلها طيبون وسهراتها وديعة، ومهرجاناتها عديدة.

وبشكل عام فان المياه تحلو فيها لانه لا ينقصها أي شيء مما خلقه الله أو وهبه لسكان هذه الارض. فالمياه متدفقة، والانهار غزيرة، والبحر ليس ببعيد. ليس غريباً اذن ان تكون اسبانيا، وبخاصة الاندلس، قد اصبحت اكبر بلد سياحي في العالم، بل وسبقت حتى فرنسا في هذا المجال مؤخراً.

* الكتاب:الدليل الهادي إلى الاندلس

* تأليف: دانا فاكاروس

* الناشر:كادوغان غوايد ـ لندن 2006

* الصفحات: 317 صفحة من القطع الكبير

CADOGAN GUIDEG ANDALUCIA

DANA FACAROS

CADOGAN GU: DES - 6002 NODNOL

713