على امتداد أربعمئة صفحة يجد قارئ رواية ساره بيرد السادسة بعنوان «أكاديمية الفلامنكو» نفسه مع عمل متدفق بالحياة عن امرأتين أميركيتين تقعان في قبضة الإثارة المحمومة المنبعثة من موجة إحياء فن الفلامنكو التي تجتاح الجنوب الغربي الأميركي. المكان هو البوكيرك، واللقاء هو مع سيندي راي هرنسير، التي سنعرفها على امتداد الرواية باسم راي، والتي تتعرض لسحر مزدوج، الرقية الأولى مصدرها طالبة مدرسة ثانوية سيئة التأثير هي ديدي شتاينبرج، التي بدأت مسيرتها الطويلة بالفعل نحو النجومية، والرقية الثانية مصدرها توماس مونتنيجو عازف جيتار الفلامنكو الوسيم.
سرعان ما تلتحق الفتاتان بالجامعة وتسلمان نفسيهما لمقررات ومطالب أكاديمية الفلامنكو التابعة للجامعة وللتأثير الذي يشبه التنويم المغناطيسي لما تسرده عليهما استاذتهما دونا كارلوتا والدة عمة توماس، التي لا يغيب عنها أبدأ إيقاع الفلامنكو اللاهث وفي الوقت نفسه تسحر طلابها بقصة طفولتها ونشأتها وسط الغجر من ساكني الكهوف في الأندلس.
وهي تفتح لهم الأبواب السحرية لعالم أعراف فن الفلامنكو وإيقاعاته وخطواته وأمره الجوهري: أعطني الحقيقة! هكذا نتابع مثلثا قلقاً، يهيمن عليه الاستحواذ، فها هي ديدي يستحوذ عليها عشق النجومية، وراي يستحوذ عليها حب توماس، وهذا الأخير يستحوذ عليه تراثه الغامض، ويبرز هذا الثلاثي باعتباره أكثر نجوم فلامنكو العالم الجديد تألقاً، بينما تنبض الأسرار، الرغبات، الأشواق والخيانات تحت السطح المتألق لأدائهم الفني الأسر.
وليس يخفى على أحد أن شعوراً بالحب المفعم بالشغف وكذلك احساساً جارفاً بالخطر كانا على الدوام يحيطان بعالم فن الفلامنكو الغامض والملتبس، وتأتي رواية ساره بيرد لتقدم لنا لمحة من الابداع الفريد الذي يعكس حساً رفيعاً بالتاريخ وبالشخصية يعادل الدراما الكامنة في صميم الرقصة التي تحتفي الرواية بها.
وقد كان من الطبيعي أن تأتي الأصداء الأولى للاهتمام الذي فجرته هذه الرواية من القنوات الإعلامية الأقرب إلى متابعة أعمال ساره بيرد. فها هي مطبوعة «أوستن أميركان ستيتسمان» التي تصدر في أوستن حيث تعيش المؤلفة تبادر في معرض التأكيد على تميز روايتها السادسة إلى القول: «إذا أردت عملاً جيداً وقوياً تقرأه في الصيف فإن رواية ساره بيرد (أكاديمية الفلامنكو) يتحتم أن تكون على قائمة ما ستقرأه».
وبدورها تقول مطبوعة «أوستن كرونايكل» عن هذه الرواية: «تجد بيرد في ثقافة الفلامنكو الاحادية ساحة متميزة لتحويل النزوات التي لا سبيل لسبرغورها لمراهقة تعاني من الوحدة والحب الاستحواذي إلى ملحمة لقبول النفس والولاء والحب العاصف».
وعلى الدرب نفسه تمضي مطبوعة «سانتا في ريبورتر» حيث تقول عن رواية ساره بيرد: عمل فاتن.. حكاية صداقة وخيانة مع اطلالات قوية على تراث الفلامنكو وأسراره وعنفوانه.. وبعد قراءة (أكاديمية الفلامنكو) قد يكون من المستحيل التفكير في فن الفلامنكو بالطريقة ذاتها».
وتقدم لنا المطبوعات المتخصصة محاولات لقراءة أكثر تعمقاً في هذه الرواية، فها هي مجلة «ببلشرز ويكلي» تحاول إلقاء الضوء بقوة على الشخصيات الرئيسية في الرواية مشيرة إلى أنه عندما تنتقل سيندي راي هيرنسير في ربيعها السابع عشر مع عائلتها إلى مدينة البوكيرك في ولاية نيو مكسيكو فإن تراثها التشيكي يجعلها غريبة عما حولها، وعندما يودي السرطان بحياة أبيها ووالد ديدي شتاينبرج فإن الفتاتين تشكلان تحالفاً يقوي مع استسلام والدتيهما للحزن الجارف.
ثم تلتقي راي بتوماس مونتنيجرو عازف الجيتار الكاريزمي والنجم البازغ في عالم الفلامنكو، وتتغير حياتها، وهي تدرس فن الفلامنكو على يد دونا كارلوتا والدة عمة توماس ذات الشخصية القوية. وتنضم ديدي إليها في الدراسة وسرعان ما تبرز التحديات العضوية والعاطفية الهائلة الفوارق بين الفتاتين، وفي غضون ذلك تكشف دونا كارلوتا عن مقاطع من ماضيها في اسبانيا ذات المناخ السياسي العاصف، وتزيل الستار عن أسرار تراث توماس الغامض والملتبس، ولا يمسك الثلاثي الذي ينشأ متضمناً راي وديدي وتوماس بشمعة مضيئة لينير الأسرار المذهلة التي تتضح للعيان فيما يتعلق بدونا كارلوتا وحياتها وتاريخها الفذين، وهو الأمر الذي لو حدث لكان من شأنه أن يقدم لنا رواية أقوى كثيراً.
ولكن بيرد تقدم لنا رواية حافلة بالرومانسية وبالتفاصيل الدقيقة المتعلقة بفن الفلامنكو وموسيقاه وتاريخه. وترى مجلة «كيركوس» المتخصصة في عروض الكتب في هذه الرواية عملاً يتركز حول الحب والصداقة والعمل والفن والأمومة والمظهر الشخصي.ويقدم لنا ثلاثياً مختلفاً تمام الاختلاف عما عهدناه في الروايات الرومانسية التقليدية، وتحرص على أن تذكرنا بأن الرواية لن تنتهي بالدم والمأساة، وإنما بالمادة التي تتشكل منها أفضل الكتب مبيعاً. وربما يظل أبرز ما في هذه الرواية هو أن نسيجها مختلف عما يقدمه الأدب الأميركي لنا اليوم في اطار جهود للقص تفتقر إلى الخيال المحلق والتعمق في سبر أغوار الشرط الإنساني.
* الكتاب: أكاديمية الفلامنكو
* الناشر: ألفريد نوف - نيويورك 2006
* الصفحات: 400 صفحة من القطع المتوسط
The Flamenco Academy
Sarah Bird
6002Y.N - fponK.A
004.p
