هذه المقابلة أجراها موقع «بورزوي ريدر» الالكتروني الثقافي المتخصص مع الروائية الأميركية ساره بيرد بمناسبة صدور روايتها السادسة بعنوان «أكاديمية الفلامنكو» التي تشكل اختلافاً كبيراً عن أعمالها السابقة، حيث ألقت الضوء على العالم الفريد والفاتن الذي استمدت منه إلهام روايتها الجديدة والأبحاث التي أجرتها قبل اقتحام عالم الفلامنكو والبعد المتعلق بالسيرة الذاتية في روايتها الجديدة، والعمل الذي تعكف على انجازه حالياً، والذي تصفه بأن جوهره هو الخروج من عباءة الاكتئاب علي حد تعبيرها.. وفيما يلي نص المقابلة:

* كيف قررت أن تجعلي من الفلامنكو موضوعاً لرواية؟

ـ كان الموضوع الوحيد الذي عرفت أنني أريد الكتابة عنه هو قصة الحب الاستحواذية التي عشتها عندما كنت في السادسة عشرة من عمري، ووقعت في الحب من أول نظرة مع شاب وسيم على نحو مذهل وبقيت غارقة فيها حتى أصبحت في الثالثة والعشرين من عمري. وعلى امتداد سنوات حاولت أن أضع هذه التجربة على الورق، ولكنها خرجت دائماً في صورة ميلودراما ضواحي.

عندما كنت في العشرين من العمر تعرضت لصدمة عاطفية، وأدركت أنني لابد أن يفصلني عمن كان محور هذه الصدمة محيط على الأقل، وإلا فلن أتحرر من المعاناة أبداً، فانطلقت إلى أوروبا، وأمضيت هناك عاماً ونصف العام، وخلال ذلك الوقت وجدت وظيفة مرشدة سياحية في حديقة نباتية يمتلكها مهاجرون روس على ساحل كوستا برافا في اسبانيا. وفي وقت متأخر من إحدى الليالي، وقبيل ساعات من الفجر، وفي ناد صغير خارج برشلونة، شاهدت أداء مذهلاً لما علمت فيما بعد أنها رقصة الفلامنكو.

كانت الفلامنكو أول تجسيد شاهدته لعالمي العاطفي الداخلي. وبعد ذلك بعقود من الزمن، وفيما كنت أكافح لجعل رواية تنقل إلى القارئ تجربة حب استحواذي استعدت ذكرى تلك الليلة. وانطبقت الفلامنكو بعنفوانها وزخمها واصرارها على كشف ما يستعصى على الكشف على الحقيقة الانفعالية للقصة التي أردت أن أرويها. وبدأت في دراسة متعثرة للفلامنكو واكتشفت سريعاً مدى رحابة هذا الموضوع وصعوبة النفاذ إلى أغواره.

وأنا أقيم في أوستن بولاية تكساس، وهي ليست مكاناً يحفل بالنشاط المتعلق بالفلامنكو، وكنت أستشعر احساساً عارماً باليأس من كشف أسرار الفلامنكو عندما علمت أن الجامعة التي تخرجت منها، وهي جامعة نيو مكسيكو، قد أصبحت مركزاً أكاديمياً للفلامنكو، وأنه في كل صيف يستضيف برنامج الفلامنكو بالجامعة مهرجاناً يجتذب جميع نجوم الفلامنكو من مختلف أرجاء العالم. وقد أغرقت نفسي في متابعة الفصول الدراسية والعروض وبدأت في فهم القليل عن هذا الفن الذي لا يكشف عن ذاته حقاً إلا في لحظة الأداء.

وربما كان أفضل ما في الأمر بكامله هو أن فن الفلامنكو يقتضي نوعية التحول ذاتها التي اقتضتها قصة حبي الاستحواذية التي عشتها. وبطلة روايتي، راي، تخوض غمار برنامج رقص الفلامنكو لكي تحول ذاتها إلى مخلوقة يقع في حبها توماس، الذي تهواه.

* هل كان أمراً مبهجاً أن تكتبي عن رقصة ترمز إلى هذا البعد للعاطفة الجارفة؟ وما الذي اجتذبك في هذه الرقصة بشكل خاص؟

ـ كانت الكتابة عن الفلامنكو مرعبة إلى أبعد الحدود، وقد اخترت الفلامنكو في ضوء الاعتقاد بأنها تجسيد لوفرة وحشية عتيقة مبنية علي انبثاقات عفوية ليس لها كيان محدد، وعلمت أن هذا الفن يؤدي وفق أصول صارمة الانضباط تماماً مثل شعر الهايكو الياباني، فكل لطمة قدم على الأرض وكل سحبة لقوس الكمان لابد لها أن تندرج ضمن نمط إيقاعي معين يقال له «إلكومباس» بالاسبانية، وإنه ربما كان هناك حوالي خمسين أسلوبا مختلفا، وتعرف هذه الأساليب باسم «بالوس».

والحقيقية المرعبة الأخرى التي عرفتها عن الفلامنكو هي أنها فن جواني، والخبراء فيه وعشاقه والمتحمسون له كثيرون وهم جميعاً لهم أفكار محددة تماماً عما ينتمي إلى الفلامنكو الخالص ومالا ينتمي إليه. وفي الوقت الذي غدا بإمكاني فيه التوقف عن القلق فيما يتعلق بحشود خبراء الفلامنكو وأن أنقل إلى الورق سنوات الدراسة والبحث، كان أمراً مبهجاً أن أشعر بأنني ربما كنت أضع على الورق خلاصة كل من الفلامنكو والحب الاستحواذي.

* تشكل رواية «أكاديمية الفلامنكو» ابتعاداً عن رواياتك الأخرى، التي كانت أحدثها روايتك الرائعة «نادي ضباط يوكوتا»، من حيث أن الروايات الأخرى كانت أكثر اتساماً بالطابع الكوميدي. فما الذي جعلك تقررين جعل هذه الرواية مختلفة وهل كان من الصعب التخلي عن الفكاهة؟

ـ لم يكن هناك أي خيار قط فيما يتعلق بالتخلي عن الفكاهة. إنني أحب الفكاهة، وأحب كتابتها وقراءتها، ولكن رواية تدور حول حب استحواذي ليست بالمكان المناسب للفكاهة، ذلك أن الفكاهة هي آلية إبعاد، وهي في الغالب آلية إبعاد جيدة، حيث تتيح لنا الابتعاد بما يكفي لكي نستطيع الحديث عن التراجيديا والمحرمات والمخاوف والاخفاقات.

ولكنني لم أستطع وضع يدي على مسافة أو ابتعاد في هذه الرواية، وكان من الصعب التخلي عن الفكاهة، من الصعب للغاية في حقيقة الأمر بحيث أنني قبل عامين عندما كنت غارقة في الشعور باليأس وكانت أمور أخرى بالغة الصعوبة تحدث في حياتي، فقمت بكتابة رواية لها هدف واحد وهو رفع معنوياتي والخروج من عباءة الكآبة. ولو أن فكرة أو شخصيته أو سطراً رفع معنوياتي فإنني أبادر بإدراجه في الرواية، وهذه الرواية هي التي أعكف على أعادة كتابتها الآن تمهيداً للانتهاء منها.

* كم من الأبحاث أجريتيها لكتابة هذه الرواية وأين أجريتيها؟

ـ أجريت قدراً هائلاً من الأبحاث والجزء الحي منها أنجزته في نيو مكسيكو حيث التحقت بصفوف دراسية وأجريت لقاءات مع مبدعي الفلامنكو وشاهدت أفضل الراقصين والمغنين وعازفي الموسيقى. ومن حسن الحظ أنه في مدينة أوستن التي أقيم بها فان نظام المكتبة جيد جداً وأتيح لي أن أكون على اتصال بنظام جامعة نيو مكسيكو كذلك. وقد سُئلت مراراً وتكراراً عما إذا كنت قد سافرت إلى اسبانيا.

والإجابة هي لا، فأسبانيا الحديثة ما كان يمكن أن تكون مصدر عون لي إلا إذا كنت قادرة على الاستعانة بآله للسفر في الزمن تتيح لي الانتقال إلى اسبانيا في الفترة من 1920 تقريباً حتى نهاية الحرب الأهلية، وذلك على الرغم من إنني لو كانت لديّ هذه الآلة لبادرت بالسفر إلى العصر الذهبي للفلامنكو، وهو حوالي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما كان فن الفلامنكو مزدهراً في المقاهي والمطاعم في الاندلس، وهذه الفترة تسحرني وتخلب لبي.

* كما كانت الحال في روايتك «نادي ضباط ياكوتا»، هل كان هناك على الدوام عنصر من عناصر السيرة الذاتية في رواياتك؟

ـ نعم، وذلك على الرغم من إنني سأبادر إلى القول إن رواية «أكاديمية الفلامنكو» هي الرواية الأكثر والأقل في آن اتساماً بطابع السيرة الذاتية بين كل رواياتي. وهي أكثرها اتساماً بهذا الطابع بمعنى أنني أكشف فيها عن اللاعقلانية المطلقة والقضاء على الذات المذل لقصة حبي الاستحواذية، وهي أقلها اتساماً بهذا الطابع من حيث أنه ما من شيء من الأمور المحددة الوارد في الرواية يتفق مع الأمور المندرجة في قصة حبي بخلاف أن القصتين تحدثان في نيو مكسيكو، وأنا ـ شأن بطلتي راي ـ التهم الكثير من شطائر التشيز برجر في المطاعم الكبرى.

* في مستهل روايتك تذكرين أن فن الفلامنكو له عشر وصايا، الوصية الأولى هي إعطاء الحقيقة والثانية القيام بذلك في الوقت المناسب. هل بمقدورك كشف أي من الوصايا الأخرى؟

ـ إنني من خارج عالم فن الفلامنكو، ولسوف أظل كذلك دوماً. ففي الفلامنكو لابد لك من القيام بالشيء لكي تفهمه حقاً. وهكذا فإنه في نهاية المطاف يكتشف كل فنان فلامنكو وصايا مختلفة، وبعض هذه الوصايا لا ينطبق إلا على هذا الفنان وحده فحسب.

* بعد «أكاديمية الفلامنكو» هل تعرفين ما الذي ستكتبين عنه أم أن الوقت لايزال مبكراً بالنسبة للقيام بذلك؟

ـ إنني أعمل في الوقت الراهن على رواية تستهدف رفع روحي المعنوية وإخراجي من عباءة الكآبة، وهي بعنوان «بلا وزن»، وقد استلهمت مادتها من معرفتي بالكثير من النساء اللواتي نلن تعليماً عالياً واتسمن بالذكاء والطموح واللواتي إما أنهن فقدن وظائفهن أو كانت لهن وظائف ذات تأمين صحي بالغ السوء بحيث لا يستطعن المغامرة بالتعرض لخدش بسيط، ويبدو الأمر بعيداً عن الواقع، ولكن فلسفة سياسية بكاملها تتكشف عبر مخاطبة هذا الجانب، وهكذا أوجدت في روايتي الجديدة شخصية امرأة تتردى حالتها المعنوية بفعل الطلاق وفقاعة الانترنت وفقدان بوصلتها الاخلاقية، ثم أجعلها تعود إلى سكنها في المدينة الجامعية بالجامعة التي تخرجت منها، ومن قلب هذا النسيج تطل العديد من المفاجآت المدهشة.

محطات في حياة بيرد

* قدمت الروائية الأميركية ساره بيرد خمس روايات للقراء هي على التوالي «نادي ضباط بوكوتا» و«عذراء الروديو» و«نادي الأمهات» و«مدرسة الصديق» و«دار ألامو».

* أصدرت أخيراً روايتها السادسة «أكاديمية الفلامنكو» وتعكف على انجاز روايتها السابعة بعنوان «بلاوزن» التي تصفها بأنها تخرج من عباءة الكآبة وتستهدف رفع معنويات كاتبتها.

* عملت ساره بيرد بالصحافة، ولها عمود منتظم في مجلة «تكساس مونثلي»، ونشرت كتاباتها في صحف أميركية كبرى منها «نيويورك تايمز» و«شيكاغو تربيون» بالإضافة إلى مجلات متخصصة مثل «غلامور» و«مدموازيل».