منذ الأسطر الأولى في هذا الكتاب يقرر مؤلفه الكاتب السوري خالد الجر أن العلامة خير الدين الأسدي الذي وضع (موسوعة حلب المقارنة) التي استغرقته عمره في تأليفها، والتي حظيت باهتمام الأوساط الرسمية التي أولتها عنايتها، وأولت صاحبها مقاماً محموداً وظلاً ممدوداً، انها موسوعة لا تستحق أن تكون مرجعاً يوثق به لما فيها من المعطيات التي تجانب الصواب وتخالف الحقيقة، ذلك لأن شاهد الزور في بعض القضايا لا يركن إلى شهادته في غيرها ولا يشفع له أن شهد بالحق في قضايا أخرى، كما لا يشفع له جهله مع توفر حسن النية لا سيما إذا كانت شهادته تؤدي إلى تضليل الباحث عن الحقيقة والإساءة إلى من تتناولهم هذه الشهادة وهم أهل حلب.

فهذه الموسوعة حسب الكاتب خالد الجر: فيها خروج عن الموضوع وقصور عن شمول الموضوع وخروج على المنطق من مثل تعريف المعروف وإسناده إلى المجهول، وإسناد المجهول إلى مجهول، والدوران والتناقض واستعمال تعابير مبهمة وتعاريف مشوهة.

والتخبط في التعليل والتأصيل وعمى ألوان وحول رؤية، من مثل رؤية الشيئين شيئاً واحداً ورؤية الشيء الواحد كشيئين متباينين وافتقار إلى الموضوعية كالإسفاف والتكميل والتزييف، وتحميل الموسوعة نزعات مؤلفها الأسدي ككرهه من الدين، وممالأته للمتحلين الفرنسيين،

وتحامله على من يكرههم والتعريض بهم، وتوظيف الموسوعة للتحدث عن ذاته ـ ذات الأسدي ـ والتبجح، والإساءة إلى أهل حلب، واللعن في أخلاق الحلبيين، والاستهزاء بعاداتهم وإلصاق الخرافات بمعتقداتهم، والزعم بأنهم يقدسون العراة، بالإضافة إلى ما تحمل الموسوعة من أخطاء وهنات في الجغرافية والتاريخ والنحو واللغة وفي المعطيات العلمية.

موسوعة يمكن أن نشبهها بوليمة قدمت فيها أصناف كثيرة ومتنوعة من أطباق الطعام: منها الطيب المغذي، ومنها ما هو فاسد يعرض آكله للمرض. النظّار والمصورون تعتريهم الدهشة من كرم المضيف الذي أنفق الكثير في إحضار ألوان الطعام وعرضها وتوزيعها، أما هو فلم تكن مهمته تتعدى ذلك إلا قليلاً، والمنصف الذي قدّر له أو قدّر عليه أن يعاين الأطباق ويتذوق محتوياتها قد يكون لزاماً عليه أن ينبه إلى المفقود ويشير إلى الفاسد من الموجود، ولما هممت بالقيام بهذا الواجب حذّرني بعض من يغارون عليّ ـ أي المؤلف ـ بقولهم: كيف تجرؤ على نقد سفر كاد يبلغ مبلغ التقديس لمؤلف بلغ درجة التعظيم؟!

ونصحوني أن أحجم عما أزمعت عليه مراعاة لسمعة الموسوعة، بل مهابة لمكانة الأسدي واتقاء لامتعاض المعجبين. غير أني لم آبه لنصائحهم انطلاقاً من أن الحقيقة لا تعرف المداهنة، ولاعتقادي أنه ما من منصف ينتصر للخطأ بعد أن يُعرى أمامه، لا سيما وأن قصدي لم يكن قط الحط من قدر المؤلف، إنما القصد هو تبصير القارئ وتنبيهه إلى الخطأ الذي يقدم في ثوب الصواب.

لذلك فأنا لا أجعل نفسي قاضياً يحاسب المؤلف على أخطائه وخطاياه، فعندما يعتقد أن الغرب والشمال وجهة واحدة، لا يهمني أن أقول له: أنت مخطئ. لأن هذا شأنه. اما أن يجعل نفسه معلماً يشير إلى الغرب قائلاً لنا: تعلموا: (هذا هو الشمال) ويخبرنا أن السيد المسيح ما هو إلا شخص وهمي، فإن من واجب كل من يغار على الحقيقة أن يقول للطلاب الذين يغترفون من بحر ذلك المعلم:

إن هذا تضليل حسبكم أن تحذروه دون أن تنشغلوا بالبحث عن قصد المعلم أو عن المقام الذي يليق به، وأن من حقكم أن ترتابوا بصحة المعطيات التي يقدمها لكم مما يخرج عن دائرة معارفكم ما دمتم تلمسون بطلان المعطيات التي يقدمها مما يدخل في دائرة معارفكم وينتمي إلى واقعكم. إن من يزعم أن أهل مدينة الرقة يصنعون الدبس من الجبس (البطيخ) ويطلب منا أن نصدقه، ليس غريباً أن نشك في صدقه حين يخبرنا أن الصينيين يصنعون الحساء من عيون الفئران.

وقد يلتمس بعضهم عذراً للمؤلف بأن المعطيات غير الصحيحة التي وردت في الموسوعة كانت من قبيل السهو الذي قد لا يسلم منه إنسان، لكن هذا العذر مرفوض لأسباب كثيرة منها: أولاً: كثرة الأخطاء، ثانياً: اعتراف المؤلف أنه بيّض الموسوعة أربع مرات وقد يلتمس آخرون له عذراً بأن المراجع التي استقى منها كان بعض ما فيها غير صحيح أو أن الذين لقنوه كانوا أحياناً مخطئين أو مضللين، وهذا العذر مرفوض أيضاً لأن الذي يتبنى أخطاء الآخرين يصبح مسؤولاً عنها.

أخيراً وهذا للمعنيين باللغة العربية، ولا ندري إن كان الأسدي يستحق شكرهم على إكماله لهذه اللغة بأن رفدها بمفردات ابتدعها من عنده كانت تنقصها. ومن هذه الكلمات المبتكرة: الفركلهعية: المركبة من الفرنسية والإنجليزية والهندية والعربية، الغرزم: الغريب الزمان والمكان، صبعف: وضع أغلة الإبهام على الأنف ثم تحريك سائر الأصابع، كلمات لا نعرف إذا كان الأسدي قد أغنى بها اللغة العربية انطلاقاً من أن ما يجوز له لا يجوز لغيره.

أما نحن فقد يحق لنا أن نصوغ الفعل دَنْصرَ من (الديناصور) ثم نقول: سلام على من يدنصرون النملة.

* الكتاب: الكشف في غرفة المعاينة عن موسوعة حلب المقارنة

* الناشر: فصلت ـ حلب 2006

* الصفحات:160 صفحة من القطع المتوسط

أنور محمد