مؤلفة هذا الكتاب الدكتورة فاطمة الصايغ واحدة من أهم الكتاب في دولة الإمارات، حصلت على ماجستير في التاريخ من جامعة ويسكونس الأميركية، ودرست في الكويت، وحصلت على الدكتوراه من جامعة ايسكس، لها عدة مؤلفات صدر منها : الإمارات العربية المتحدة والخط الجوي البريطاني إلى الشرق الأوسط. الإمارات العربية المتحدة من القبيلة إلى الدولة. إضافة إلى العديد من الأبحاث والدراسات التي نشرت في الدوريات والمجلات المتخصصة والمحكمة، وهي عضوة فاعلة في العديد من الجمعيات والهيئات المتخصصة. وكذلك في مجلس دبي الثقافي.

كتابها الموسوم «دبي .. البدايات والتحولات» رصدت من خلاله دبي وتطورها، بأبعادها المختلفة، وفي أطرها التاريخية والمعاصرة وفق هذا السباق مع الزمن والعالم الذي يشهد أكبر ثورة تقينة تحققت للبشرية حتى الآن، حتى أصبحت دبي المدينة العربية الأولى التي تعيش في قلب هذه التحولات، ومثالاً يحتذى به للتطور بكل أشكاله ومراحله فهي كما وصفها الناشر « لا تنام ولا تهدأ حتى ذاع صيتها في أرجاء المعمورة وفي ظل السؤال ما الذي تغير في هذا المكان؟ ستبقى دبي واحدة من أسرع مدن العالم نمواً وسباقاً مع الزمن». 29 عنواناً يضمها هذا الكتاب، بمختلف الطروحات، تتناول بها طبيعة مدينة دبي، من خلال أبعادها المختلفة.

ما يميز أهل دبي ؟!

تقول د. فاطمة الصايغ، العقلية التجارية التي برز بها أهل دبي، فهم تجار، والربح حلم كل مستثمر في العالم، لقد سحرت العالم بمدرستها الاقتصادية، وهي على الرغم من حداثتها إلا أن لها تاريخاً موغلاً في القدم أثبتته الكثير من الحفريات، لكنها عرفت بحركتها التجارية وعلاقاتها مع العالم عبر هذا التبادل التجاري وقد أصبحت منذ القرن الماضي محطة اقتصادية عالمية معروفة «وحظيت دبي منذ أواخر القرن التاسع عشر بحاكم متفتح ذي عقلية اقتصادية حكيمة هو الشيخ مكتوم بن حشر والذي سرعان ما تنبه إلى أهمية التسهيلات الجمركية ليس فقط في خدمة المجتمع التجاري في دبي فحسب، ولكن لجذب التجارة الخارجية إلى ميناء دبي أيضاً».

ثم ما هي العوامل الطبيعية التي أدت إلى هذا الازدهار؟!

تسرد الدكتورة فاطمة الصايغ بعض جوانب تاريخ دبي، من القرن التاسع عشر، وبداية حكم آل بو فلاسه، ثم تواصل هذا الاستطلاع إلى القرن العشرين ذاكرة التركيبة السكانية في مطلع القرن الماضي دون أن تهمل العامل الجغرافي ودوره في التحولات الأساسية التي شهدتها. وفي دراسة أخرى تقدم لنا تاريخ ازدهار اللؤلؤ، وأوضاع دبي الاقتصادية والإصلاحات التي واكبت حركة التطور من بداياتها، إضافة إلى التخطيط الجديد.

وسياسة الانفتاح التي أصبحت إستراتيجية العمل والاقتصاد في دبي افردت لها الباحثة عدة صفحات، وأشارت إلى المراحل المختلفة التي واكبت استراتيجية الانفتاح، إضافة إلى سنوات الكساد الاقتصادي الذي أصاب منطقة الخليج أثر تراجع تجارة اللؤلؤ، إلا أنها تقدم صورة لثبات دبي أمام هذه الانتكاسات « لقد كان بوسع تلك الظروف الاقتصادية المتردية أن تؤدي بمجتمع دبي إلى الانهيار الاقتصادي التام، لكن طبيعة تركيبة مجتمع دبي الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى براعة التجار وحسهم الاقتصادي الفطري منعت حدوث ذلك الانهيار وساعدت مجتمع دبي على مواجهة ظروف الكساد والتحول إلى مجتمع جديد في اقتصادياته».

ثم تقدم الباحثة د. فاطمة الصايغ بعض المتغيرات التي طرأت على الحياة الاقتصادية في دبي، وحكمة الشيخ سعيد بن مكتوم، وإجراءاته الإدارية التي كانت واحدة من العوامل التي ساعدت دبي للخروج من أزمتها الاقتصادية، نقرأ أيضاً كيف تمكن الشيخ راشد بن سعيد من رفع الاحتكار البريطاني إلى انفتاح واسع على العالم وتشكيل مجلس تجار دبي،

ثم نطلع على مشروع توسيع الخور، الشريان الحيوي للحياة الاقتصادية في دبي، والصعوبات التي تغلبت عليها الحكومة في تمويل المشروع، «ولغرض توفير الأموال اللازمة لتنفيذ هذا المشروع، قامت حكومة دبي ببيع مستندات مالية خاصة بالخور للتجار».

تواصل الباحثة في قراءة تاريخ البنية التحتية منذ الستينات، وتنتقل للخطوات الإيجابية لعملية التحديث المستمرة منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي، ثم نقرأ معها بناء أول مستشفى في دبي، وتوفير المياه النقية ومن ثم بداية استقطاب التعليم والذي ارتبط بنشأة التعليم الحديث، والتطورات التي حدثت في مجال المواصلات الأرضية والجوية بما يضمن ارتباط دبي داخلياً ودولياً.

تقدم الدكتورة فاطمة الصايغ أيضاً قراءة عن بدايات التفكير في إنشاء بنك دبي، وبناء جسر المكتوم عبر قرض ممول من قطر، إضافة إلى الخدمات العامة الأخرى التي شهدتها دبي، مثل البريد «في عام 1962 طلب حاكم دبي، من الحكومة البريطانية ان يكون له حق الإشراف على الخدمات البريدية بينما يكون الإشراف على العلاقة بين مركز البريد في الإمارة وهيئة البريد العالمي تحت إشراف هيئة البريد الإنجليزي».

وتنتقل الباحثة إلى بدايات التفكير بالحداثة في دبي في نهاية الخمسينات في القرن العشرين بعد أن تقدمت على مدن الخليج بما حققته من بنى تحتية، ومركز تجاري قادر على التفاعل مع النشاط التجاري، ثم إنشاء مكتب التطوير وغرفة تجارة وصناعة دبي لتبدأ مرحلة جديدة من التحديث.

«أكتشف النفط في دبي عام 1966، وبكميات تجارية عام 1968، هكذا تقول الباحثة وتضيف أن أول شحنة صدرتها دبي من النفط كانت عام 1969، وكان هذا التحول في الاقتصاد مما ساعد على ازدهار الإمارة »أصبحت دبي منذ نهاية الستينات تحتل مركزاً اقتصادياً حيوياً على خارطة الخليج ومنطقة الشرق الأوسط فقد تحول ميناؤها إلى ميناء مزدهر تفد إليه تجارة الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية.

الباحثة الدكتورة فاطمة الصايغ تؤرخ لبداية الاتحاد، والعوامل التي رسخت دعائمه والبدايات التي شهدتها دبي منذ الثاني من ديسمبر عام 1971، والإعلان عن الاتحاد ليشهد العالم بداية ولادة دولة ستكون بعد سنوات قليلة من تاريخ تأسيسها واحدة من أهم وأحدث الدول في العالم، ثم تنقلنا إلى مواقف وذكريات منها ما يتعلق بالنخب المثقفة الرائدة فيها أمثال أحمد بن سلطان بن سليم ومانع بن راشد، وبدايات تعليم البنات وقرار الشيخ راشد لفتح مدرستي الخنساء وخولة بنت الأزور.

ثم تعود الباحثة إلى التطور الاقتصادي لدبي، العصب الحقيقي لتميزها وتطورها ولا تغفل أحلام الراحل الشيخ راشد وجهوده في التخطيط لدبي المستقبل «كثيراً ما جذب نظام الحكم السائد في دبي دهشة الرحالة والزائرين خاصة الغربيين،

فقد شبهوا دبي على الدوام بأنها تلك المدينة الدولة التي تشبه في التاريخ الأوروبي القديم مدن الإغريق واليونان المتمتعة بالسيادة والسلطة في ظل أمير يستمد حكمه من حكم الشعب، مع بعض الاختلافات البسيطة».تعود الدكتورة فاطمة الصايغ إلى مرحلة ما قبل النفط، وتشير إلى مظاهر الطبقية في المجتمع، والتنوع الأثني والمتغيرات الجديدة، ونجاحات دبي في إطار المشاريع الجديدة وطابعها المعماري والتخطيط العصري الذي يواكب المتغيرات العالمية.

تعرج الباحثة أيضاً على أسواق دبي، وبداية عصر السياحة، والرؤية العصرية والاحتفاظ بالطابع الشرقي، والرؤية الواضحة التي تقود دبي إضافة إلى المناخات الاستثمارية الجديدة ودخول الشركات الكبرى في هذه الاستثمارات، وتشير إلى مميزات كثيرة لدبي منها التعايش السلمي للناس من بدايات التأسيس حتى الآن « إن دبي اليوم تعتبر إضافة متميزة للعالم العربي والإسلامي والذي يفخر بأن يضم بين جنباته مدينة عربية إسلامية تنمو نحو الحداثة والمعاصرة دون الإخلال بقيم الإسلام الحنيف».

* الكتاب: دبي البدايات والتحولات

* الناشر: مؤسسة ـ دبي 2006

* الصفحات: 200 صفحة من القطع المتوسط

عبد الإله عبد القادر