يركز الأكاديمي الأردني داوود عمر عبيدات في هذا الكتاب على الفترة التي انهارت فيها دولة المرابطين في المغرب والأندلس، وقيام دولة الموحدين رائدة وحدة المغرب العربي الكبير من غرب مصر شرقاً إلى حدود طليطلة في أقصى الغرب.
كما يناقش مرحلة تقسيم المغرب والأندلس إلى دويلات متنازعة ضعفت فيها الروح العسكرية المغربية الأندلسية، في الوقت الذي زادت فيه القوى المسيحية بدم باباوات روما، مما ترتب عليه الصراعات التي اجتاحت المغرب والأندلس ومزقت وحدتها.
يتكون الكتاب من خمسة فصول ومقدمة وخاتمة وقائمة بالمصادر والمراجع العربية والإنجليزية والاسبانية. حيث يتناول الدعوة الموحدية في المغرب بزعامة «محمد بن عبد الله» المعروف بـ «بن تومرت» والذي ينتهي نسبه إلى البيت النبوي الشريف.
ويرى الكاتب أن فكر بن تومرت قد تبلور عند منهجين متوازيين ومتكاملين، هما: المنهج التربوي ، والمنهج الثوري. وقد اختار لاتباعه الاسم الوسطي بين الأشعرية والمعتزلة، «الموحدون». وقد تكون هرم السلطة لديه من أهل الدار(بيت المهدي)، ومجلس العشرة (صحابته الأوائل الذين تبعوه في رحلة العودة) ، مجلس الخمسين (هيئة الرؤساء المحليين)، وأهل السبعين (المجلس المفتوح).
وقد توجه «بن تومرت» يرافقه «عبد المؤمن بن علي» (تلميذه وخليفته فيما بعد) إلى وجده وتلمسان وفاس ومكناس حتى مراكش، وقد أخذ يدعو إلى فكر الموحدين بهدوء ودونما عنف وفي أوساط الشباب، يسانده أصحابه العشرة والذين شكلوا الدعاة الحقيقيين وأصحاب الأيديولوجية الحقيقية للدولة الموحدية فيما بعد. وقد زاد خطر بن تومرت على خليفة المرابطين «علي بن يوسف»، الأمر الذي دفع بن تومرت إلى الهروب إلى بلاد السوس.
ومنها بدأ بالتجهيز لحربه ضد دولة المرابطين (موقعة البحيرة بغرب مراكش)، وهي التي خسرها الموحدون وقتل فيها العديد من قادتهم واصيب فيها عبد المؤمن، وقد اهتز بن تومرت لفقدانه كبار أنصاره، وقد أقعدته تلك الهزيمة بالفراش حتى لقي حتفه عام 524هـ/ 1129م، وخلفه تلميذه وصاحبه «عبد المؤمن بن علي» الذي وضع خطه لإسقاط دولة المرابطين بالمغرب والاستيلاء على الأندلس، ليضم المغربين الأدنى والأوسط إلى دولته.
وفي هذا الصدد لاقى عبد المؤمن الأمير المرابطي «بن تاغيشت» في مراكش وهزمه عام 525هـ/ 1131م ، ثم توجه عبد المؤمن إلى تادلا، ودرعه، وسلا، وتارودانت، وتيونوين، كما أخضع بلاد السوس ثم عاد إلى معقله في تينمل.
وفي عام 535ه/ 1140م توجه جيش من المرابطين بقيادة الأمير بن تاشفين إلى جبل جذميرة لقتال الموحدين ، لكنه هزم وجرح في المعركة.
وكان من نتائج تلك الهزيمة انقلاب سكان المغرب على الدولة، وإعلان الموقف العدائي لها ومساندة دعوة الموحدين. وفي الوقت ذاته قام بن تاشفين بطلب الدعم من كل المناطق التي لاتزال تابعةً له، فانهالت عليه الحشود من سجلماسة، وبجاية، والأندلس بقيادة ابنه الأمير إسحاق، إضافةً إلى أربعة آلاف جندي من نصارى اسبانيا. وتوجه بن تاشفين إلى وهران عام 539هـ/ 1144م واصطدم مع جيش الموحدين بقيادة الخليفة عبد المؤمن الذي حاصرهم في القلعة وقطع عنهم خطوط الإمدادات براً وبحراً، حتى بلغ اليأس والضعف من بن تاشفين الذي حاول الخروج ليلاً من القلعة ليلقى حتفه في 27 رمضان عام 539هـ.
وفي عام 541هـ/ 1146م سقطت مراكش وقائدها الأمير إسحاق بن تاشفين أمام جيش عبد المؤمن ومعها سقطت دولة المرابطين في المغرب. ثم توجهت الأنظار إلى الأندلس والتي اعتبرها الموحدون خطوة أساسية لتوسيع دولتهم شمالاً وحماية للدولة من السقوط في يد الدولة النصرانية، وإقامة خلافة إسلامية تحت رايتهم.
ثم ينتقل الكاتب للحديث عن التحديات التي واجهت دولة الموحدين، مثل الثورات التي هزت سائر أنحاء البلاد، وخرجت العديد من الأقطار عن طاعة عبد المؤمن عدا مراكش وفاس، حيث بدأ تململ سبته عام 542هـ/ 1147م، وبدأ انتشار العصيان في باقي المدن المجاورة مثل: جبال درن وسجلماسه وهيلانه.
وقد امتد ذلك العصيان إلى بلاد الأندلس، تارة بسبب فساد الولاة، وتارة أخرى بسبب التحالفات بين حكام المدن المسيحية لضرب المدن المسلمة، كما كان للحقد الدفين على فقدان تلك المدن سبباً في إشعال تلك التمردات ضد هؤلاء القادمين من شمال إفريقيا سواء كانوا من المرابطين أو من الموحدين.
فبدأت الثورات في إشبيلية ولشبونة وقرطبة وشنترين وبياسة وجيان ومرسية وبلنسية. والجدير بالذكر أن ولاة تلك الأقاليم لم يكن ولاؤهم لدولة الوحدين على درجة من القوة تمكنهم من قمع تلك التمردات، بل كانوا يتقلبون في ولائهم من شخص إلى آخر.
وكانت تلك الشعوب كثيرة الاضطراب والتململ، ما تكاد ترفع إلى الحكم أحداً حتى ترى فيه شراً لا يطاق يجب إسقاطه.
وخاض الموحدون صراعاً مريراً مع نصارى اسبانيا، والذين استغلوا ثورة محمد بن هود الماسي عام 541هـ/ 1146م على دولة الموحدين لاسترداد إمارة السوس، فساندوا قشتالة في التمرد والتحالف مع أهل جنوة وآراجون والبرتغال وتوجهوا صوب المرية عام 542هـ/ 1147م التي دخلوها بعد حصار استمر لمدة ثلاثة أشهر. وقد أغرى سقوط الجزء الجنوبي الشرقي من اسبانيا الحلف الصليبي لمساعدة حاكم برشلونة في حصار طرطوشة التي سقطت عام 543هـ/ 1148م، وتهاوت بعدها إقليش وأفراغة وجميع مند نهر إييروا من منابعه إلى مصبه. وكانت تلك الانتصارات دافعاً لتفريغ الأندلس من المسلمين، وترتب عليها اتفاقهم لإحياء المعاهدات القديمة لغزو الأندلس واقتسام أراضيه.
وهذا ما تم باجتماع ملوك ليون وقشتالة والبرتغال عام 609هـ/ 1212م والاتفاق على استرداد الأندلس، فبادر ملك ليون إلى احتلال مدينة القنطرة الاستراتيجية، وانطلق الملك ألفونسو الثامن ملك قشتالة مستهدفاً بلج وبانيوس وتولوز وبياسة، وحاصر ألفونسو الثاني ملك البرتغال حصن أبي دنس غرب الأندلس عام 614هـ/ 1217م حتى سقط وتم القضاء على من به من المسلمين.
ولا يغفل عبيدات الحديث عن الحياة الاقتصادية في دولة الموحدين، حيث فرضت ضريبة الخراج على كامل أراضي المغرب والاندلس (من حدود مصر شرقاً إلى السوس الأقصى غرباً، ومن الصحراء جنوباً إلى بلاد الشارات في اسبانيا شمالاً) وكانت كل منطقة ملتزمة بقسطها من المال والجند، باستثناء المناطق التي ساهمت في تأسيس الدولة وكانت مهداً لدعوتها.
وقد أخضع الموحدون الزراعة إلى سلطة الدولة وتحت إشرافها المباشر، وتم التوسع في استصلاح الأراضي وغرسها بالبساتين والفواكه وضمان استمرار الري.
وكان التنوع المناخي والجغرافي بالإقليم سبباً في الرخاء الزراعي والتنوع المحصولي. وبالنسبة للصناعة كان توافر المواد الخام بالمملكة دافعاً لتنويع القاعدة الاقتصادية وعاملاً محفزاً على تشجيع صناعات لم تكن مزدهرة من قبل مثل: الخزف والمشغولات المعدنية، علاوة على ازدهار الصناعات التقليدية مثل: النسيج والرخام والفخار. كما كان للتصنيع العسكري منزلة كبيرة في دولة كانت تخوض الحروب بصفة شبه مستمرة.
وكان الاهتمام بالتجارة الداخلية والخارجية من السمات الاقتصادية لدولة الموحدين وعقدت المعاهدات التجارية مع مدن البحر المتوسط الساحلية (البندقية ـ جنوة ـ بيزة ـ مرسيليا)، كما تم برط مصالح فئة كبار التجار الأرستقراطية مع الأرستقراطية القبلية. وكانت العملة لدى الوحدين هي الدينار الموحدي والدرهم الفضي. وقد اختلفت النقوش المرسومة على وجهي العملة وكذلك شكلها من عهد لآخر، كما كان هناك استخدام لبعض العملات المحلية مثل: العملة الجنوية المذهبة في جنوة، والفلورين بفلورنسا، والدوكا بالبندقية، والبيزنت ببرشلونة.
ثم ينتقل الكاتب للحديث عن الناحية الاجتماعية والناحية العمرانية لدى الموحدين، حيث كانت الاحتفالات الناجمة عن تولية الخلفاء والأمراء أو الانتصارات في المعارك سبباً في الإغداق على الرعية ورفع المظالم والتخفيف من بعض العقوبات . كذلك الاحتفال بالانتهاء من تشييد المرافق الكبرى وقدوم حكام الأقاليم للسلام على الخليفة.
ويشير أيضاً إلى أصناف الطعام والشراب وطرق الطهي وأسماء المدن المتخصصة في كل نوع منه مثل: الحوت المروج ـ المجبنة ـ الرفيس ـ الثومية ـ مجبنة البيض ـ الفيجاطةـ ـ السنبوسك ـ شراب الرُب. كما أثر الموحدون في العادات الاجتماعية لدى الأندلسيين وظهر تنوع أصناف الطعام ، والمبارزة بالسيف واللعب بالعصى، كما تزينت النساء بالزينة العربية ولبس الحجاب بغض النظر عن الدين.
كما تأثر الاسبان بالتطوع الجهادي والذي كان له أكبر الأثر على الدولة في حروب الاسترداد. وانتشر التزاوج بين العرب والاسبان ولم يستثن الخلفاء من ذلك حيث كان الأمير المنصور ابناً لـ «ساحر» إحدى السبايا الأندلسيات التي تزوجها والده الخليفة أبو يعقوب، وكان الأمير الناصر ابناً لـ «سر الحسن» إحدى سبايا شنترين.
وانتشرت العمارة الأندلسية بالمغرب العربي، كذلك الزخارف والنقوش، وكانت المساجد والأسواق ودواوين الحكم مسرحاً لتلك الفنون.
وقد قيل في هذا الشأن «إن المغرب قد غزى الأندلس عسكرياً، إلا أن الأخير قد غزاه فنياً».
وفي الختام يناقش الكتاب النتاج الثقافي والعلمي، حيث ازدهرت الحكمة والفلسفة فقد تأسست الدولة الموحدية على فكرة، وكان خلفاء الدولة الأوائل مثل المهدي وعبد المؤمن من ذوي الإنتاج الفكري، حيث ألف المهدي «كتاب التوحيد» و«الإمامة».
وقد تعددت مواهب العلماء والأدباء وتخصصت الأسر في الكثير من ميادين العلم والفكر مثل: أسرة بن زهر في الطب، وأسرة البيطار في النباتات، والبطروجي في الرياضيات. وفي الأدب والشعر كان هناك بن حبوش والطليق وبن المنخل ومن الانساء أسماء العامرية وحفصة الركونية. وفي الفلسفة: بن رشد وبن الطفيل. وفي الجغرافيا: الغرناطي، وبن جبير، وبنيامين الرحالة.
* الكتاب: الموحدون في الأندلس
*الناشر:دار الكتاب الثقافي
اربد 2006
*الصفحات: 319 صفحة من القطع الكبير
محمد جمعة
