بين مذبحة حواسة عام 1947 والتي راح ضحيتها 30 شهيداً وبين مذبحة قانا الثانية عام 2006 والتي راح ضحيتها أكثر من 57 شهيداً، تمر المجازر الإسرائيلية مروراً خافتاً أمام أعين العالم.
ما الذي تغير بعد تلك المذابح، لا شيء سوى تلك الصور الملونة لأطفال قضوا تحت القصف، وهي تشبه كثيراً صور مجزرة كفر قاسم أو دير ياسين، ولكنها بالأسود والأبيض.
لا شيء يتغير تجاه إسرائيل سوى تطور غطرستها، وذهابها إلى أبعد درجات الإبادة والعالم يتفرج، وكأن ما يجري مجرد فيلم سينمائي وليس حقيقة واقعة.
أو ليس مرعباً أن جندياً أميركياً يعتقد أن قتل شخص عراقي يشبه سحق نملة، هذا الجندي البالغ من العمر 21 عاماً هو ذاته الذي يتعاطى المخدرات في شارع قذر بأميركا، وهو ذاته الذي يحمل مطواة أو مسدساً لقتل عابر سبيل والحصول على ساعته أو حفنة دولارات.
إنها ثقافة القتل التي توازي ثقافة العظمة والتفوق والتي كان ينادي بها هتلر ذات يوم، وها هم بربريو، العالم المتحضر يطبقون مفاهيم ثقافة التفوق بالاستعلاء على الآخرين وسحقهم كالنمل.
لقد اهتز ضميرنا لصور الأطفال تحت الدمار، صورهم التي لن تنساها الذاكرة أبداً، ولكننا ماذا فعلنا؟
غضبنا، هتفنا،كتبنا، تبرعنا، دون أن يتغير شيء من رؤية العالم لنا، فنحن، من وجهة نظرهم، أقل شعوب الأرض استحقاقاً للحياة، وبالتالي ما قيمة أن يموت 57 بريئاً في قانا، فالعراق يموت فيه يومياً مئات الأشخاص دون أن يتحرك أحد، بل أصبحت مشاهد القتل والتفجير والدماء في الشوارع من مرادفات نشرة الأخبار ومشاهدة جندي إسرائيلي يطلق النار في شوارع غزة أمرا مألوفا.
حيث لا جديد ولا شيء يتغير، لأن أبشع صور المأساة أن يعتاد المرء صورة القتل، فلا تعود تحرك فيه ساكناً أو تؤلمه، طالما أن الصواريخ لا تسقط على رأسه أو بيته، فإن الصورة مجرد صورة يعرضها التلفزيون مثلما مسلسلاً مكسيكياً، أو فيلماً أميركياً.
منذ عام 1947 ارتكبت إسرائيل أكثر من 17 مذبحة تحت سمع وبصر العالم، وفي كل مرة لا أحد يفرض عليها عقوبات ولا أحد يوجه إليها اللوم، لذلك لا يشعر جيش دفاعها بالعار عندما يقتل الأطفال، فقد تدربوا جيداً على مفهوم «أنهم لا يستحقون الحياة».
ترى هل لا يستحق الرضيع الحياة، من الذي أعطى لنفسه حق الحكم على الأبرياء، ونصب من نفسه قاضياً وجلاداً، فإذا كان جيش أميركا مرتعاً لمجرمي الأزقة الذين يتم إرسالهم إلى العراق، فإن جيش إسرائيل مرتع لمن تخلوا عن الإنسانية، الإنسانية التي لم يشربوها مع الحليب، مرتع لكل من مات داخله الإنسان.
جيشان لا يختلفان في البنية الثقافية في شيء، كلاهما فقد الروح البشرية وها هما يجربان كل أصناف الإبادة في حق شعبنا.
ترى هل يجرؤان على شعوب أخرى، أشك في ذلك، فلا شعوب تسحق كالنمل مثلنا، على حد تعبير المارينز الأميركي.