أدرك الأديب والروائي البولندي هنريك سنكفيتش الذي فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1905 أسوة بأدباء وفناني جيله، بأن حماس واندفاع شعراء وكتاب الجيل الأسبق وتأثيرهم على الشعب كان في إطار الرومانسية، فثورات الشعب كانت انفعالية آنية مما أدى إلى إخمادها في مهدها. تبنى سنكفيتش ومعاصروه فلسفة جديدة إيجابية تعتمد على العقلانية والتجربة والتعليم وتقدم العلوم كأساس للتحرر من هيمنة روسيا عليهم.
وهكذا فإن القصص القصيرة والمقالات التي بدأ بكت ابتها كانت تتماشى مع تلك الرؤية. في البداية كتب سلسلة من التقارير خلال إقامته في أميركا لمدة ثلاث سنوات وكانت تنشر بصورة يومية في صحيفة غازيتا بولسكا في وارسو، وأتبع ذلك بأربعة أعمال روائية في ذات الإطار منها، اسكتشات بالفحم عام 1877 ومشرف المنارة عام 1882. وفي عام 1883 تحول إلى الرواية التاريخية وبدأ بكتابة ثلاثيته (مع النار والسيف) وتدور أحداثها حول ثورة القوزاق العظمى في القرن السابع عشر، ومن خلال نشرها في الصحيفة على حلقات يومية وتواصله مع آراء القراء، تبين له بأن الهدف المزدوج من الأدب يتمثل في رفع معنويات الناس وتزويد القراء بما يتوقون إليه. ومع إدراكه لشغف العامة بالأعمال التاريخية تبنى ذلك وكتب عمله التاريخي الثاني (الفيضان) لينشر عام 1886 وتناول فيه احتلال السويد لبولندا، وفي عام 1888 نشر الرواية الأخيرة من ثلاثيته بعنوان (بان ميكائيل) وتتحدث عن الحروب مع العثمانيين.
ولد هنريك في 5 مايو عام 1846 في مدينة ولاأولوزيجسكا في كنف عائلة ميسورة الحال، ونظرا لكون المدينة تحت هيمنة الحكم الروسي ولصعوبة الوضع الاقتصادي انتقلت العائلة إلى وارسو. وهناك درس هنريك القانون والطب ومن ثم التاريخ والأدب.
وجدير بالذكر أنه ولد بعد نصف قرن من احتلال بلاده، وتوفي في مدينة فيفي السويسرية في 15 نوفمبر عام 1916 التي استقر فيها منذ هروبه إليها مع بداية الحرب العالمية الأولى، حيث عمل هناك مع اللجنة السويسرية الخاصة بإغاثة ضحايا الحرب، علما بأن بولندا نالت استقلالها بعد مضي عامين على وفاته.
ولم تكن بولندا طيلة فترة حياته أكثر من فكرة وغاية في عقل الشعب البولندي. وقد ساهمت رواياته التاريخية في الحفاظ على تلك الفكرة لدى الشعب. وتضم المجموعة الكاملة لأعماله 60 مجلدا.
وعنوان الرواية (كو فادي؟) باللغة اللاتينية وهو مستمد من بواكير القصص الدينية التاريخية عن الحواري بيتر راعي الغنم الذي كان بصدد الهروب من روما عند بدء إعدام المسيحيين، حينما فوجيء برؤية المسيح، ومع تلاشي صورته سأله الحواري (إلى أين؟ ) فأجابه إني عائد إلى روما لأصلب من جديد.
وهكذا عاد الراعي أدراجه. ويتناول الكاتب في عمله عهد الامبراطور نيرون الذي يقدمه في عمله بصورة غير مباشرة من خلال تصوير غروره الذي وصل إلى حد جنون العظمة، وفي ذات الوقت رصده لانهيار الامبراطورية الرومانية مقابل انتشار الديانة المسيحية التي مثلت فئة قليلة من الشعب وكانت تمارس شعائر دينها بسرية تامة خوفا من جنود الامبراطور.
تقع أحداث القصة في روما في آواخر عهد حكم الامبراطور نيرون، وتدور حول شاب وشابة يلتقيان ويغرم أحدهما بالآخر، وإن لم يتمكنا من العيش معا، فهناك دوما عوائق واضطرابات تحيل دون اللقاء.
والشابة كالينا هي ابنة ملك الليجيين التي كانوا يدعوها أحيانا ليجيا، وتعيش في روما كرهينة منذ أمد طويل وذلك لضمان عدم تهجم شعبها على الحدود الفاصلة بينهما. أما الشاب فينسيوس، فهو ضابط روماني عاد لتوه من حملة إلى أرمينيا.
وخلال فترة نقاهته في منزل حامي كالينا، يلتقي الاثنان ويعجب أحدهما بالآخر. وبعد تدخل بيترونيوس عم الشاب الضابط، يأمر الامبراطور بنقل حماية كالينا إلى عهدة فينسيوس وذلك خلال مأدبة عشاء ملكية. وبيترونيوس أسوة نيرون، شخصية تاريخية وصفت في التاريخ من قبل المؤرخ الروماني تاسيتوس، وهو مؤلف كتاب (سايتوركون) ويعتبر أول رواية كتبت في الغرب. وبيترونيوس المؤرخ هو صديق نيرو ومصدر ثقته وله الكلمة الأخيرة فيما يتعلق بـ esthetic.
تعتنق ليجيا المسيحية سرا وتختفي، وبمساعدة شايلون وهو فيلسوف إغريقي متشائم يبدأ فينسيوس بتعقب اثرها. يواجه الضابط خادم حبيبته الضخم والوفي لها ويدعى أورسوس ويتمكن أخيرا من لقائها. وبعد العديد من الأحداث المتفرعة يتحول فينسيوس إلى المسيحية أيضا ويلتقي بكل من رجلي الدين بيتر وبول.
خلال تلك الفترة كان نيرون مهتما بإعادة بناء روما طبقا للتصميم الذي وضعه، ولتنفيذه يأمر بإحراق روما ليتمكن من إعادة بنائها حسب مخططه، وخوفا من ثورة الشعب يتهم المسيحيين بهذا الأمر الشائن ويأمر بإعدامهم.
وفي نهاية العمل يقدم هنريك مشهدا دراميا رمزيا لم يفت معناه أفراد شعبه، فالوحش الألماني هو الثور الأسود الألماني، وليجيا التي ربطت إلى قرنيه هي بولندا والخادم أورسوس الذي ينقذها ويحررها هو الشعب البولندي.
وسرعان ما تم تحويل هذه الرواية منذ نشرها عام 1900 إلى أعمال فنية فتارة تقدم كمسرحية في فرنسا وتارة أخرى تحول إلى أوبرا تعرض في أهم العواصم الأوروبية.
كما قدم الفنان التشكيلي جان ستايكا بانوراما تضم لوحات تجسد هذا العمل وعرضت في كل من وارسو وباريس.

