مؤلفة هذا الكتاب هي الكاتبة الأميركية ليز سونبورن، وهي تقدم هنا صورة تاريخية عامة (بورتريه) عن شخصية ابن رشد وأعماله. ومنذ البداية تقول بما معناه: ولد أبو الوليد محمد ابن رشد في مدينة قرطبة بالأندلس عام 1126 ومات في مراكش عام 1198 عن عمر يناهز الثانية والسبعين عاما. وقد احتفل العالم العربي الإسلامي بل والعالم كله بمرور ثمانية قرون على وفاته قبل بضع سنوات. كان جده يمثل منصبا رفيعا في قرطبة هو: قاضي القضاة. وكان فقيها في الدين وعالما كبيرا.

ولذلك يقال: ابن رشد الجد وابن رشد الحفيد. وقد درس ابن رشد في حلقته العائلية القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشريعة الإسلامية. هذا بالإضافة إلى علم النحو والصرف والرياضيات. وبالتالي فقد ابتدأ بدراسة العلوم الإسلامية واللغة العربية قبل أن ينتقل إلى الفلسفة. ثم راح ابن رشد يتمايز عن أناس عصره ويهتم بالعلوم الدنيوية أيضا وبخاصة الفلسفة، والطب، والطبيعيات، وعلم الفلك. وبعد أن اشتهر بالعلم عينوه قاضيا للقضاة في إشبيلية. وهناك ألف كتبا في الفقه الإسلامي وأصبح طبيبا عند أمير الموحدين في مراكش عام 1182. ولكن الفقهاء المالكيين سرعان ما اشتبهوا بالفلسفة وراحوا يحاربونها بحجة أنها تبعد عن الله وعن المعرفة الحقيقية الموجودة في الكتاب والسنة فقط. ثم راحوا يحاربون أشياعها وأتباعها وفي طليعتهم ابن رشد.

وعندئذ اضطر إلى مغادرة مراكش والذهاب إلى الأندلس عام 1197. ثم لاحقوه هناك واضطهدوه فعاد إلى مراكش ثانية لكي يموت فيها مغموما عام 1198.

والواقع أن ابن رشد كان يرفض باستمرار العقلية الضيقة للفقهاء، وكان يرفض التعصب الديني الأعمى والظلامية المطبقة.

كان ذا عقل متفتح على كافة المعارف والعلوم. ولذلك لاحقوه في أواخر عمره واضطهدوه، بل وحرقوا كتبه واعتبروه زنديقا، هرطيقا، خارجا عن الدين!

هذا في حين أنه قاضي القضاة ومن أكبر المتبحرين في العلوم الإسلامية والفقه والسنة. وكان من كبار المؤمنين في الإسلام ولكنه الإيمان المستنير بنور العقل.

ثم تردف المؤلفة قائلة: في الواقع أن ثقافة ابن رشد كانت واسعة جدا. وهي التي أتاحت له أن يعطي للفلسفة مكانة محددة وهامة إلى جانب الدين.

إن وجهة نظره مهمة جدا بهذا الخصوص، وهي تدل على عقلانيته الأرسطوطاليسية. فهو يقول بأنه إذا ما وجدنا تناقضا بين الشرع والحكمة، أي الفلسفة، فإنه ينبغي علينا أن نعيد تأويل النص الديني وألا نأخذه على حرفيته.

وهذا ما شرحه بشكل مسهب في كتابه: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال.

وقال بما معناه: إذا ما وجدنا أن المعنى الحرفي لبعض الآيات يتناقض مع حقائق العقل فإنه ينبغي علينا أن نبحث عن المعنى المجازي للآية متجاوزين المعنى الحرفي.

ولكن بما أن أغلبية الناس لا يستطيعون فهم التأويل الفلسفي أو المجازي للقرآن فإنه ينبغي حصر ذلك بطبقة النخبة من العلماء والفلاسفة، أما عامة الشعب فيكفيهم المهنى الحرفي المباشر.

أما النبوة فهي ضرورية للعامة والخاصة، وذلك لأنها تبقي الخاصة على الطريق السليم، وتوصل الحقائق إلى العامة على هيئة صور حسية مفهومة من قبلهم.

فالعامة لا تفهم بالمجاز أو بالرمز وإنما فقط بالمعنى المباشر، الحرفي، المحسوس.

ويرى ابن رشد أن القرآن الكريم موجه لكل المسلمين، عامة وخاصة. ولكن العامة لا تفهم منه إلا المعنى الحرفي المحسوس ، أما الخاصة فتفهم المعنى الباطني المخبوء للنص أيضا.

وإذا ما حصل أي تناقض بين النص والعقل فإن على الفيلسوف أن يتدخل فورا لكي يكشف عن المعنى الباطني المجازي للنص والذي لا يمكن أن يناقض العقل. وعندئذ نتوصل إلى حل المشكلة.

ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعدئذ تدخل ابن رشد في مناقشة ضخمة كان الغزالي قد دشنها قبل قرن من ذلك الزمان. ومعلوم أنه نشر كتابا بعنوان تهافت الفلاسفة.

وهاجم فيه فلاسفة المسلمين المتأثرين بالفلسفة الإغريقية كابن سينا والفارابي وسواهما.

وقد رد عليه ابن رشد في كتاب لا يقل شهرة بعنوان: تهافت التهافت. وفنّد في هذا الكتاب أطروحات الغزالي وأعاد للفلسفة الأرسطوطاليسية هيبتها واعتبارها.

ولكن بما أن العالم الإسلامي كان قد دخل في عصر الانحطاط فإنه لم يهتم بكتاب ابن رشد ولم يأخذ بآرائه، وإنما أعطى الأولوية لأطروحات الغزالي التي تهاجم الفلسفة والعلوم العقلية بشكل عام.

وعلى هذا النحو انتصر الغزالي على ابن رشد في العالم الإسلامي ولم تقم للفلسفة قائمة بعد ذلك. وهكذا دخلنا في عصور الانحطاط والجمود الفكري.

ولكن حظ ابن رشد أفضل في الجهة الأوروبية المسيحية. فقد ترجموا كتبه وبالأخص شروحاته لأرسطو واهتموا به واهتموا به وأعطوه المكانة اللائقة به في جامعاتهم.

وعلى هذا النحو أصبح ابن رشد «على الموضة» كما يقال في أوروبا، في حين أن جماعته في الجهة العربية الإسلامية أعملوه بل وحرقوا كتبه واحتقروه.

ولهذا السبب نهضت أوروبا وغاص العالم الإسلامي أكثر فأكثر في ظلام الجهل والجمود الفكري والانحطاط. في الواقع أن ابن رشد فشل في إقناع المسلمين بالفكرة التالية: وهي أن الفلسفة لا تتناقض مع الشرع الإلهي.

لماذا؟ لأن الشرع يدعونا إلى دراسة الأشياء بشكل عقلاني لكي نفهمها على حقيقتها.

ونحن لا نستطيع أن ندرسها بشكل عقلاني إلا عن طريق المنطق والفلسفة. وبالتالي فهناك تكامل بين الشرع والعقل ولا يوجد أي تعارض.

وعلى هذا النحو قدم لنا ابن رشد تركيبة موفقة وناجحة قادرة على التوفيق بين النقل والعقل، أو بين الدين والفلسفة. ولا تزال هذه التركيبة تدهشنا بحداثتها حتى الآن.

ثم تردف المؤلفة قائلة:

لقد مارس ابن رشد تأثيرا كبيرا على الفلسفة الغربية بواسطة شروحاته العديدة لفكر أرسطو.

وبالتالي فإن أوروبا الجاهلة آنذاك لم تكتشف أرسطو إلا من خلال مؤلفات ابن رشد. ولذلك شكلوا فريق عمل كامل لترجمة كتبه من العربية إلى اللاتينية.

وإذا كان ابن سينا هو الفيلسوف الأكبر في المشرق الإسلامي فإن ابن رشد هو أكبر فيلسوف في المغرب الإسلامي والأندلس.

ولكن التراث الإسلامي راح يشتبه للأسف بالفلسفة والفلاسفة. ولهذا السبب كرس ابن رشد جهودا كبيرة لكي يقنع المسلمين بأنه لا مبرر لهذا الاشتباه لأن الفلسفة ليست ضد الدين على عكس ما يتوهمون.

ولكن الفلسفة بالنسبة له كانت هي فلسفة أرسطو فقط لا غيرها: أي الفلسفة العقلانية التي تهتم بدراسة الظواهر الواقعية المحسوسة والفلسفة الأفلاطونية المثالية التي تهتم بعالم المثل السماوي.

من هنا سبب الخلاف بين ابن رشد وابن سينا. فالأمل كان من جماعة أرسطو في حين أن الثاني كان أقرب إلى أفلاطون.

وبالتالي فإن الصراع بين افلاطون وأرسطو أو بين ابن سينا وابن رشد يخترق تاريخ الفلسفة منذ البداية وحتى اليوم. فهناك خط مثالي، خيالي، يهتم بالمجردات، وهناك خط واقعي، محسوس يهتم بالماديات أكثر.

وفي رأي ابن رشد أن الوحي القرآني وفلسفة أرسطو ما هما إلا صيغتين مختلفتين لنفس الحقيقة.

وبالتالي فلا تعارض بين الحقيقة التي نحصل عليها عن طريق الدين والحقيقة التي نتوصل إليها عن طريق الفلفسة.

وبالتالي فليس صحيحا ما شاع في أوروبا أثناء العصور الوسطى وهو أن ابن رشد كان يقول بالحقيقة المزدوجة: أي حقيقة خاصة بالعلماء والفلاسفة، وحقيقة أخرى خاصة بعامة الشعب.

ففي رأيه أن الحقيقة واحدة لا تتجزأ ولا يمكن للحق أن يضادّ الحق: أي لا يمكن لكلام الفلسفة أن يناقض الكلام الإلهي بأي شكل من الأشكال.

* الكتاب: ابن رشد

* الناشر: روزين سنترال

نيويورك 2005

* الصفحات: 112 صفحة من القطع الكبير

Averroes/Ibn Rushd : muslim scholar, philosopher and physician twelfth

century Al-Andalus Liz Sonneborn

Rosen Central - New York 2006 p.112