قام بتأليف هذا الكتاب البروفيسور ميشيل وينوك الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس. وكان قد نشر كتبا عديدة عن التاريخ السياسي لفرنسا في القرنين التاسع عشر والعشرين. ومن أشهر كتبه نذكر: قرن المثقفين (1997)، وأصوات الحرية (2000)، وفرنسا واليهود من عام 1789 وحتى اليوم (2004).

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن إحدى أهم المحطات في تاريخ فرنسا الحديث: ألا وهي سقوط نظام الجمهورية الرابعة وحلول نظام الجمهورية الخامسة محلها على يد شارل ديغول. وهو النظام الذي لا يزال سائدا حتى الآن.

ينقسم الكتاب، في هيكليته العامة، إلى عشرة فصول مع مقدمة وخاتمة. أما الفصل الأول فيتحدث عن انفجار الثورة الجزائرية عام 1956 واهتزاز النظام الاستعماري الفرنسي. ومعلوم أن الجمهورية الرابعة كانت تحكم فرنسا آنذاك وكان الجنرال ديغول متقاعدا عن السياسة ومنسحبا من الحياة العامة منذ سنوات عديدة احتجاجا على هذا النظام بالذات.

ثم يردف المؤلف قائلا:

وكانت الحكومات تسقط بسرعة أثناء الجمهورية الرابعة ولا تزيد مدتها على بضعة أشهر. كانت تشبه الحكومات الإيطالية. بمعنى آخر فإن فرنسا كانت تعاني من عدم الاستقرار ولا تستطيع بالتالي مواجهة المشكلة الجزائرية أو إيجاد حل لها.

في مثل هذه الظروف فكر الجنرالات الفرنسيون في القيام بانقلاب على حكومة باريس انطلاقا من العاصمة الجزائرية، وذلك لأن الحكومة بدت عاجزة عن مواجهة الأحداث أو إيقاف التمرد الجزائري. واعتقد الجنرالات أنهم إذا ما استلموا الحكم فسوف يستطيعون فرض الأحكام العرفية وسحق التمرد بالقوة.

في هذه اللحظات بالذات دخل الجنرال ديغول على الخط وفكر جديا في العودة إلى السلطة لإنقاذ فرنسا من المستنقع الجزائري. واعتقد الكثيرون أنه الرجل الوحيد القادر على إيجاد حل لهذه المشكلة العويصة التي أنهكت فرنسا وتهدد بإشعال حرب أهلية داخلها.

وبما أن الجنرال ديغول يتمتع بهيبة تاريخية ضخمة فإن الأنظار كلها تركزت عليه أو توجهت نحوه. وكل أولئك الذين كانوا يريدون إبعاده عن السلطة لأن مجرد وجوده يؤدي إلى تحجيمهم راحوا يترجونه لكي يقبل بالعودة ! أو قل ان قسما منهم فعل ذلك.

أما الفصل الثاني من الكتاب فيتحدث عن أسطورة الجزائر الفرنسية. ويقول المؤلف بأنها كانت أسطورة قوية جدا ومنغرسة بعمق في العقلية الجماعية الفرنسية، وذلك لأن الاستعمار الفرنسي للجزائر كان طويلا جدا (1830-1962) أي أكثر من مئة وثلاثين سنة. وبالتالي فلم يكن من السهل اقتلاع هذه الأسطورة من النفوس. لم يكن من السهل إقناع الفرنسيين أن الجزائر ليست فرنسية ولا يمكن أن تكون.

ولكن الجنرال ديغول كان يعرف بحدسه الثاقب أن هذه الأسطورة أصبحت عالة على فرنسا وتعرقل حركتها أو عودتها إلى مسرح التاريخ والأمم من جديد.

وفي ذات الوقت كان يدرك أنه لا يمكن اقتلاعها من نفوس أغلبية الفرنسيين بين عشية وضحاها.

ولذلك فلم يكشف عن نواياه الحقيقية فورا عندما عاد إلى السلطة عام 1958.

بل على العكس، لقد أوحى للفرنسيين المقيمين في الجزائر (أي الأرجل السوداء) بأنه قد فهمهم: أي أنه من أنصار الجزائر الفرنسية.

وكان ذلك أثناء إلقائه لخطابه الشهير من على شرفة مبنى الحكم في العاصمة الجزائرية. ولكنه في قرارة نفسه كان قد حسم قراره لصالح استقلال الجزائر وانفصالها عن فرنسا.

كان يعرف، وهو الرجل التاريخي (المجربظن ) أن الجزائر للجزائريين وليست للفرنسيين كما يتوهم اليمين المتطرف الفرنسي أو حتى الشرائح واسعة من اليمين المتطرف الفرنسي أو حتى شرائح واسعة من اليمين المعتدل بل ومن اليسار!

ثم يتحدث المؤلف في الفصل الثالث عن خيار الحرب كحل وحيد وذلك قبل وصول الجنرال ديغول إلى السلطة. ويتحدث أيضا عن تخبط حكوما الجمهورية الرابعة المتعاقبة في معالجة الأزمة الجزائرية.

فتارة تتخذ طريق التشدد والقمع وتارة تبدو ضعيفة وميالة إلى المفاوضات وتارة أخرى لا تعرف ماذا تفعل. وهذا التخبط هو الذي أدى إلى انهيار نظام الجمهورية الرابعة ووصول ديغول إلى السلطة.

ثم يردف البروفيسور ميشيل وينوك قائلا: والواقع ان ديغول ما انفك يهاجم نظام الجمهورية الرابعة منذ أن كان قد ترك السلطة عام 1946 بعد أن أنقذ فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية من الاحتلال النازي وأعاد للدولة هيبتها واعتبارها.

فقد كان منزعجا جدا من نظام تسيطر عليه الأحزاب المختلفة التي لا هم لها إلا الصراع على السلطة والنفوذ والوجاهات والامتيازات. وفي أثناء ذلك تضيع مصلحة البلاد.

وكان ديغول يعتقد ان فرنسا بحاجة إلى نظام جديد، قوي، أي إلى نظام رئاسي يستطيع أن ينقذها من الورطة الجزائرية. وهو نظام يسيطر عليه رجل واحد هو: رئيس الجمهورية.

وينبغي أن يكون منتخبا من قبل الشعب لكي يستطيع أن يتخذ القرارات الكبرى وهو يتمتع بالشرعية الكافية. أما النظام السابق، أي نظام الجمهورية الرابعة، فكانت تسيطر عليه الأحزاب المتنافسة على السلطة كالحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي وأحزاب الوسط وأحزاب اليمين، الخ.

وكان كل حزب يشدّ فرنسا في اتجاه مختلف.

وهكذا تضيع الطاسة كما يقال وتصاب البلاد بالشلل وعدم القدرة على الحسم واتخاذ القرارات. وكان رئيس الحكومة هو الذي يقود البلاد بدعم من إحدى الكتل البرلمانية. ولكن بما أنه لم يكن يستطيع أن يبقى في منصبه أكثر من سنة أو حتى بضعة أشهر فإنه كان عاجزا عن اتخاذ القرارات الحقيقية.

ولذلك طالب ديغول بتغيير النظام كليا كشرط أولي وأساسي لعودته إلى السلطة وتحمله المسؤولية ومواجهة المشكلة الجزائرية التي تعصف بفرنسا.

ومعلوم أن ديغول لم يكن يحظى باحترام قسم كبير من الشعب الفرنسي فقط وإنما أيضا بقسم لا يستهان به من الشعب الجزائري أي من المسلمين أنفسهم. وبالتالي فكان باستطاعته أن يلعب دور الحكم بين كلا الطرفين وينقذ الوضع.

ضمن هذه الظروف وتحت ضغط الأحداث المتسارعة أمسك الجنرال ديغول بالقلم وكتب البرقية التالية التي هزت فرنسا والجزائر في آن معا. قال بما معناه: في الماضي أعطتني البلاد ثقتها لكي أقودها إلى برّ النجاة (إشارة إلى دوره أثناء الحرب العالمية الثانية). واليوم، وفي الوقت الذي يدلهمّ فيه الأفق وتتراكم الأخطار والعواصف لتعلم فرنسا أني مستعد مرة أخرى لتحمل المسؤولية واستلام السلطة!

هذه البرقية أرعبت بالطبع رجال الأحزاب المستفيدين من النظام المنهار للجمهورية الرابعة ومن بينهم شخص يدعى فرانسوا ميتران.

ومعلوم أنه كان يكره الجنرال ديغول كرها شديدا وكان من أتباع الجزائر الفرنسية: أي من أتباع الحزب الاستعماري. فيما بعد غيّر مواقفه وأصبح اشتراكيا، يساريا!

ولكن هذه البرقية أثلجت قلوب الكثيرين لأنهم يعرفون أن الجنرال ديغول إذا ما وصل إلى سدة السلطة فإنه هو وحده القادر على إنقاذ فرنسا من محنتها الرهيبة في الجزائر.

وكان اليمين الفرنسي يعتقد أن ديغول جاء إلى السلطة من أجل الاحتفاظ بالجزائر كفرنسية. وهنا يكمن سوء التفاهم الكبير الذي لم يتضح أو يتبدد إلا لاحقا.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: وعندما انكشفت نوايا الجنرال ديغول على حقيقتها حقد عليه اليمين المتطرف واعتبره خائنا.

وعندئذ ابتدأت مخططاته السرية لاغتيال ديغول. وقد نجاه الله من ثلاث محاولات اغتيال معروفة، وكاد أن يقتل في إحداها هو وزوجته.

ولكن العناية الإلهية شاءت له أن ينجو في آخر لحظة وأن ينقذ البلاد من حرب استعمارية قذرة شوهت سمعتها بين الأمم وأن يتفاوض مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية ويوقع معاهدة إيفيان معها في نهاية المطاف ويحصل استقلال الجزائر أخيرا.

* الكتاب: احتضار الجمهورية الرابعة

* الناشر:غاليمار ـ باريس2006

*الصفحات: 383 صفحة من القطع الكبير

L'agonie de la IVe République

Michel Winock

Gallimard- Paris p. 383