قدّم جان سيفيليا العديد من الكتب في ميداني الدراسة التاريخية والسير من بينها «زيتا إمبراطورة شجاعة» و«الإرهاب الفكري» و«مواقف صحيحة تاريخيا». هذه الكتب الثلاثة نالت جوائز أدبية وجرت ترجمتها إلى عدة لغات عالمية.«عندما كان الكاثوليك خارجين على القانون»، كتاب يؤرخ فيه مؤلفه لفترة السنوات التي سبقت إعلان الحكومة الفرنسية عن الفصل بين الدولة والكنيسة عام 1905.

ويركز بالدراسة على سنوات 1901 ـ 1904، التي شهدت سلسلة من الإجراءات الاستثنائية الموجهة ضد المؤسسات الكاثوليكية بحيث جرى حرمانها من حرية ممارسة التعليم ومصادرة ممتلكاتها مما اضطر أكثر من ثلاثين ألف من الرهبان والراهبات إلى اختيار طريق المنفى خارج فرنسا. وعرفت نفس الفترة إغلاق 000 14 مدرسة كاثوليكية وتعرّض العديد من رجال الكنيسة إلى اعتداءات مختلفة. وإذا كانت فترة السنوات القليلة التي سبقت قرار فصل الدولة عن الكنيسة في فرنسا عام 1905 هي التي شهدت إجراءات محددة صريحة تستهدف إعاقة عمل الكنيسة الكاثوليكية وتعطيل دورها، فإن مؤلف هذا الكتاب يرى أن فترة أوسع امتدت ما بين عام 1879 وحتى عام 1914 جرى فيها استخدام معاداة النزعة الكنسية كوسيلة لتعزيز تلاحم الأحزاب السياسية التي كانت تمارس السلطة مع إقصاء الكاثوليك، أي الذين يمثلّون الكنيسة الكاثوليكية، عن جميع الهيئات القائدة في البلاد.

وفي مثل ذلك الإطار جاء قانون عام 1905. لماذا عام 1879 كبوابة لتهميش الكاثوليك؟ ذلك أن ذلك العام قد شهد استقالة «ماكماهون» من رئاسة الجمهورية ليخلفه «جول غريفي». لم يكن الأمر يتعلق بمجرد الانتقال السلطة من شخص إلى آخر، وإنما كان هناك منعطف كبير تمثل في الانتقال من الجمهورية ذات النزعة المحافظة إلى «جمهورية الجمهوريين» والتي كانت نزعة العداء للكنيسة تشكل محركا سياسيا بالنسبة لها.

وفي تلك السنة أيضا كان«جول فيري» هو وزير التربية العامة، وقد قدّم يومها مشروعين لإصدار قوانين، يتعلق الأول منهما بإقصاء رجال الدين الكاثوليك من المجلس الأعلى للتربية (للتثقيف العام)، ويقضي الثاني باحتكار الدولة لقطاع التعليم وتعيين الأساتذة.

ومعلوم أن «جول فيري» هو وراء صاحب القرار الشهير الخاص الصادر في شهر مارس من عام 1882 بجعل المدرسة الابتدائية «إجبارية ومجانية وعلمانية» ومنع التعليم الديني في المدارس الابتدائية التابعة للدولة.

وتبع ذلك قرار آخر في السنة نفسها 1882 بإزالة جميع الصور ذات الدلالة العقائدية من الأبنية المدرسية العامة. تجدر الإشارة إلى أن هذا القرار لم يكن بعيدا عن النقاش الذي أثارته قضية «الحجاب» مؤخرا في فرنسا.

كانت تلك الإجراءات بمثابة مقدمات لقانون الجمعيات الصادر في مطلع شهر يوليو من عام 1901 والذي نص على ضرورة حصول الرهبانيات (الجمعيات الكاثوليكية) على إذن بالعمل من السلطات التشريعية وليس مجرد الإعلام عن قيامها لدى المحافظة، كما كان سائدا من قبل. وتمّ تحديد مدة ثلاثة أشهر كي تقدّم تلك الرهبانيات طلب الإذن بتأسيسها مع منع أية رهبانية غير مرخّص بها من ممارسة مهنة التعليم.

وتبع ذلك إغلاق 125 مدرسة للبنات كان قد جرى فتحها كم قبل رهبانيات لم تحصل على إذن السماح بتأسيسها. وفي عام 1902 جرى إغلاق حوالي 3000 مدرسة كاثوليكية، خلال فصل الصيف وحده. ويشير المؤلف، مرورا، في هذا السياق إلى أنه بعد قرن كامل من ذلك التاريخ، أي في عام 2002 جرى اجتماع بين رئيس الوزراء الفرنسي الاشتراكي ليونيل جوسبان وممثلي الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا.

وكانت تلك هي المرّة الأولى التي تقرر فيها الدولة، بعد قرار الفصل لعام 1905، إجراء لقاءات منتظمة للتنسيق مع الكنيسة الكاثوليكية.

ويكرّس مؤلف هذا الكتاب العديد من صفحاته لتوصيف الأجواء التي سبقت تبني قرار فصل الدولة عن الكنيسة، أو بالأصح عن الكنائس (بصيغة الجمع) عام 1905. ويشير إلى أن الاشتراكيين كانوا قد قدّموا للبرلمان في شهر مايو 1903 مذكرة تطالب بالفصل. وقد بلغ عدد مؤيدي ذلك الفصل 240 نائبا بينما عارضه 265 نائبا.

ويتم التأكيد في هذا السياق على أن مفهوم الفصل نفسه كان سائدا في الأجواء لدى «أنصار الجمهورية» منذ أواسط القرن التاسع عشر وحيث كانت فترة 1881-1897 قد شهدت ستة اقتراحات للبرلمان بهذا الخصوص. كما أنه لم يغب أبدا عن البرامج الانتخابية للراديكاليين الجمهوريين وللاشتراكيين. وكانت فكرة الفصل قد أخذت تشق طريقها نحو الإقرار بها اعتبارا من عام 1900.

أمّا بالنسبة للكاثوليك المؤيدين لأرجحية دور الكنيسة، فقد كان موقفهم عدائيا حيال الفصل عامة، ولم يؤيده إلا قلة قليلة، لا وزن لها، منهم. هذا ما تدل عليه الشهادات العديدة التي يقدمها المؤلف، للعديد من ممثلي الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية، وكذلك رفضه من قبل البابا بيا العاشر بل ومنعه الكاثوليك من تشكيل الجمعيات الثقافية بالطريقة التي نص عليها قانون الفصل.

وكانت السلطة البابوية قد اعتبرت كل النواب الذين اقترعوا لصالح الفصل «خارجها». وعلى الصعيد الشعبي جرى تداول «عريضة» احتجاج على الفصل وقّعها 000 507 شخص من منطقة بروتانيا و000 407 من النورماندي وأعداد مشابهة في المناطق الفرنسية الأخرى.

في الفصل الأخير من هذا الكتاب الذي يحمل عنوان: «عندما لن تكفي العلمانية كي تقول لنا من نحن» يقدّم المؤلف محصلة لما عرفته فرنسا خلال سنوات 1905 ـ 2005 من حيث مكانة الكنيسة الكاثوليكية فيها. وقد لخّص بإحدى الجمل هذه الحصيلة إذ كتب: «ما بين فصل الكنائس عن الدولة ومطلع القرن الحادي والعشرين هناك أكثر من مائة سنة، إذ هناك هوّة». هذه «الهوّة» يعيدها إلى التبدلات الكبرى التي شهدها العالم على المسرح الدولي ومكانة فرنسا في العالم وتطور مفهوم الجمهورية وحالة المجتمع وتركيب المشهد العقائدي (الديني) والوضع الداخلي للكاثوليكية وموقف الدولة الفرنسية نفسها من الأديان وفي المحصلة تأثير ذلك كله على ذهنيات القادة والمواطنين بنفس الوقت.

لكن جان سيفيليا يعتبر أن الهزّة الكبرى خلال سنوات 1905-2005 كانت تخص المكانة التي تحتلها الكاثوليكية في فرنسا حيث كانت الكنيسة تمارس تأثيرا كبيرا على المجتمع، وعلى التكوين الذهني والثقافي للأفراد مهما كانت مواقعهم. هكذا كتب الفيلسوف الوجودي الشهير جان بول سارتر عام 1943 في كتابه الذي يحمل عنوان «الوجود والعدم» جملة تقول: «كلنا كاثوليكيون». بالطبع لم يكن يريد بذلك الإعلان عن إيمانه، إذ كان عكس ذلك، وإنما أراد التأكيد على أن الثقافة كلها كانت متشرّبة بالفكر المسيحي.

ويؤكد المؤلف أن الفرنسيين كانوا يحسّون حتى سنوات الستينات بأنهم يعيشون في كنف «مجتمع مسيحي»؛ وحيث كانت البلاد لا تزال ذات طابع ريفي إلى حد كبير وكانت القرية ب«كنيستها ودار بلديتها ومدرستها ومقهاها وقصرها» لا تزال ترمز لصورة فرنسا حتى بالنسبة لسكان المدن. لكن هذه الصورة تبدّلت اليوم، فالكنيسة غدت مهجورة والبلدية تدفن موتاها والمدرسة أغلقت أبوابها وكذلك المقهى.

أما القصر فاشتراه هولنديون أو إنجليز كي يمضوا فيه ثلاثة أسابيع خلال فصل الصيف. الأرقام تدل على المنعطف فمثلا هناك أقل من 8 بالمائة من الفرنسيين يمارسون الطقوس الكاثوليكية بانتظام مقابل 25 بالمائة عام 1968.

وتقوم الكنيسة اليوم بتعميد 47 بالمائة من الأطفال مقابل 64 بالمائة عام 1980.ويوجد في فرنسا اليوم 4500 كاهن كاثوليكي لعدد سكان يزيد عن 60 مليون نسمة مقابل 000 56 عام 1878 ولعدد سكان يبلغ بالكاد 38 مليون نسمة. وإحصائيات عديدة أخرى تذهب في نفس الاتجاه، وكلها تدل على أن هناك «مجتمعا يفقد ذاكرته الدينية»، حسب تعبير المؤلف كي يتحدث في موضع آخر عن «اتحاد أوروبي غافل عن جذوره». وينتهي به الأمر إلى القول بأن الكاثوليك «لم يقولوا كلمتهم الأخيرة».

*الكتاب: عندما كان الكاثوليك خارجين على القانون

* الناشر:بيران ـ باريس 2005

* الصفحات: 325 صفحة من القطع المتوسط

Quand les catholiques étaient hors la loi0

Jean Sevillia

Perrin-Paris - 2005 p.32