من المحقق أن قارئ رواية «أحجار الاسلاف» للروائية أميناتا فورنا لابد له أن يتوقف عندما يجده منشوراً على الغلاف الخلفي للرواية، حيث يقرأ تأكيد الناشر أن هذه الرواية هي: «قصة افريقيا القرن العشرين مروية عبر حياة أربع نساء متميزات».

وربما بدا هذا التوصيف لماحاً ومقنعاً للناشر الذي اختاره لصدارة الغلاف الخلفي للكتاب، لكنه أبعد ما يكون عن الدقة، بل أنه يبدو لنا مثيراً للسخرية تماماً كوصف رواية تجري أحداثها في سكوتلندا بأنها قصة أوروبا، ذلك أن من الواضح لكل عينين أن أوروبا قارة رحبة، هائلة الامتداد، ومتنوعة على نحو لا يصدق، ويميل البعض بقصد التبسيط إلى اظهارها باعتبارها كياناً متجانساً ومتماثلاً وهو زعم يستحيل تصديقه بالطبع.

وتقول الروائية برناردين إيفارستو تحليل مطول للرواية نشرته صحيفة «غارديان» اللندنية إن الرواية عمل طموح على نحو رائع، كتب من الداخل، وينفتح على مجتمع بعينه وينسل عميقاً إلى قلوب النسوة اللواتي يتصدرن أحداثه وتواريخهن وأذهانهن.

رواية «أحجار الأسلاف» تجرى أحداثها في موقع متخيل في غربي افريقيا يحمل كل ملامح سيراليون، وتتألف من نسيج محكم من قصص متعددة الطبقات تروي من خلال أصوات أربع نساء من عائلة خليفة، هن على التوالي أسانا، ماري، هوا وسيرا اللواتي تزوجت امهاتهن جميعاً من كبير العائلة جبريل، وهو رجل ثري نجد أنه لدى وفاته عن مئة عام كان قد تزوج إحدى عشرة زوجة، تحتل الأولى منهن، وهي أسانا المرتبة الأكثر تميزآً لانها تتمتع بالسلطة على كل الزوجات الأخريات اللاحقات لها.

وسرعان ما نكتشف المعدن الصلب الذي يدخل في تركيب النسوة الأربع بصورة متساوية وهن يحتملن الحروب والاستغلال الجنسي وخيانه الرجال والفقر والتمزق الثقافي على امتداد قرابة نصف قرن.

من الواضح أن هذا النسيج متعدد الطبقات لم يأت من فراغ فقد تركت أميناتا فورنا دارها في جنوبي لندن لتنغمس بصورة كاملة على امتداد عام في قصص حياة قريباتها في قرية مجبوراكا، التي عاش فيها جدها باروكي مع ست عشرة زوجة.

وتقول فورنا في هذا الشأن: «لقد تحدثت مع بناته كلهن، وجمعت حشداً هائلاً من القصص والتفاصيل عن الكيفية التي عاش بها الناس في القرية.

وقد كنت على الدوام في أعماقي روائية وأردت أن أحكي قصة كبرى، وأردت أن أبدع شخوصاً تروي أنواعاً أخرى من الحقائق غير الحقائق الأدبية».

والرواية تؤطر بتجربة آبي، وهي امرأة خلاسية من لندن ترث مزرعة بن في سيراليون، فتغادر زوجها وطفليها الصغيرين لتحصل على المزرعة، هناك تتجمع لديها النصائح والقصص والحكايات من عماتها الأربع اللواتي عشن حياتهن عبر أنساق قديمة من القانون القبلي والدمار الذي ألحقته الحرب الاهلية بسيراليون من السبعينات حتى بداية الألفية الثالثة.

نتوقف طويلاً عند قصة أسانا التي تبدأ في 1926 مع انطلاق أبيها في رحلة إلى الغابة ليؤسس قرية جديدة، هي قرية روفاتاكي وإنشاء مزرعة للبن، وعندما تصل أسانا إلى العاشرة من عمرها، يموت توأمها الأثير لديها، ألوساني، وتأمل أسانا في أن تظفر بحب أمها، ولكن الأم نامينا تعتقد أن روح التوأم الراحل قد تلبست أبنتها، فتنهمك في جهود لاتتوقف لطرد الروح التي حلت بها منها.

عقب ذلك، وفي عام 1931، نتابع قصة ماري، وهي ابنة ساكي، الزوجة الثالثة لجبريل، والتي لا يشغلها في الدنيا إلا أمران، أولهما هو بيع السعوط والثاني هو العكوف على ممارسة الأعراف الروحية المتمثلة في قراءة الأحجار ومحادثتها.

ولكن عندما يتم تطبيق قواعد اخلاقية صارمة في المنطقة فإن جبريل يرغم ساكي على التخلي عن هذين الأمرين معاً، فتصاب ساكي بالاكتئاب، وتجن في نهاية المطاف.

ويتم إرسال ابنتها التي كانت تعرف حتى هذا المنعطف من الرواية باسم مريما إلى دير، حيث يجري تعميدها، في إطار جهود تبشيرية وعبر أرصدة مالية تقف وراءها مدرسة في ايداهو بأميركا. ولا تنسى المدرسة أن تبعث إليها بهدية أخرى هي اسمها الذي ستعرف به من الآن فصاعداً، ماري.

تبدأ قصة هوا في 1939، وهي ابنة زوجة جبريل السادسة ذات المكانة المتواضعة في الدار، والتي تدعى تنكامو التي يزعج الزوجات الأخريات أنها تحظى باستحسان زوجها لها، فيحسدنها ويسخرن منها، وعندما يحل بها المرض يلقين على كاهلها باللوم عن أي كارثة أو سوء طالع يحل بالقرية، وعندما تموت فإن ابنتها هوا تنتقم لها من حاسداتها.

سيراهي الأصغر بين النساء الأربع، واحداث قصتها تروي في عام 1950، وأمها، صافي، تحتل المرتبة العاشرة بين زوجات جبريل، وهو ما يعني عملياً أنها لا مكانة لها على الاطلاق.

ويوجه إليها الاتهام ظلماً وعدوانا بالزنا، الأمر الذي يفضي إلى رحيلها عن القرية.

وتتزوج ابنتها سيرا وتدرس في بريطانيا، حيث تحظى بالاستقلال والاعتماد على نفسها، ولكنهما عندما تعودان إلى الوطن تواجهان بمعضلة زوج غير مخلص يميل في يسر إلى التأقلم مع أعراف ثقافة تقوم على تعدد الزوجات.

وبلغت نظرنا حقاً أن انتصارات النسوة ومآسيهن تدور تحت سقف مجتمع يمر بمرحلة تحول وانتقال هائلة عبر قرابة قرن من الزمن، متنقلاً من الاستعمار إلى الاستقلال فأهوال الحرب الأهلية، وهذا كله يتم ادخاله ببراعة ومهارة حقيقية في القصص التي تشكل طبقاتها الكثيفة نسيج هذه الرواية المدهشة.

ولكن بينما تشكل الروايات الأربع الأدوات الملهمة لهذا الحكى البارع فإن من المؤسف أن القارئ لا يحس بأن أصواتهن ليست أكثر تميزا فيما بينها على نحو ما يتمنى، حيث أن صوت كل منهن ينداح إلى صوت الأخرى بالفعل، على نحو يغدو يسيرا معه أن يضل القارئ الطريق في الغابة المؤلفة من أصواتهن.

أياً كان الأمر، فإن اميناتا فورنا قد انتقلت برهافة من عالم الذكريات والكتابة السجالية إلى دنيا الرواية، وروايتها الأولى لا توحي على الاطلاق بأنها أول رواية لمؤلفتها، وربما لهذا بالضبط ينتظر الكثيرون من الآن ـ إطلالة روايتها الثانية.

برناردين تحكي عن فورنا

تلفت أميناتا فورنا نظرنا بقوة في عملها الروائي الأول من خلال خيط الفقدان الذي نجده ممتداً عبر مسار الرواية كلها وكذلك العالم الروحي الذي يهيمن على العالم المادي، وكل النسوة في الرواية خاضعات لتراتبية هيكل العائلة القائمة على تعدد الزوجات، وهي التراتبية التي تعمل لصالحهن وضدهن في آن، بينما يتم ايضاح كيف أن ضغط المجتمع الصغير الثرثار من أجل التوافق والإذعان يدمر حياتهن.

وعلى الرغم من ذلك فإن فورنا تلفت نظرنا إلى أن أبرز شخصيات الرواية، وهي أسانا الزوجة الأولى للبطل تتطلع إلى الماضي بمزيد من الحنين، لأن هذا الماضي به نظام لكل شخص فيه مكان، هو قد يكون نظاماً بعيداً عن الكمال، لكنه نظام يفهمه الجميع).

* الكتاب: أحجار الأسلاف

* الناشر: بلومزبري ـ لندن 2006

* الصفحات:336 صفحة من القطع المتوسط

Ancestor Stones

Aminata Forna

Bloomsbury - London 2006 p.336