كتاب جديد للناقد والباحث المسرحي جرجس شكري صدر حديثاً عن دار الشرقيات بالقاهرة، بالتعاون مع مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية والمؤسسة الدولية للإبداع والتدريب، ضمن فعاليات الملتقى الإبداعي لفرق المسرح المستقل، متضمناً ستة نصوص مسرحية من خمس دول عربية، عبر تجربة كتابة مسرحية مختلفة، كتبها مخرجون وليس كتَاب مسرح ـ باستثناء نص وحيد شارك المخرج في كتابته ـ لا لغرض النشر، أو عرضه على الآخرين لتقديمه على خشبة المسرح برؤية مختلفة، أو حتى تقديمه.
كما هو مع بعض التغييرات الضرورية التي تفرضها عملية ترجمة الحوار إلى صورة وحركة، وإنما لبناء النص الدرامي الذي اقترب كثيراً من السيناريو المسرحي، وإن كانت هذه الرؤية قد تحققت في النصوص بصورة متفاوتة. فبعد قراءة هذه المسرحيات يتأكد القاريء أن سحر الأشياء قد تحالف مع سحر الكلمة، فإذا كان المؤلف «المحض» يتخذ من اللغة رفيقاً لصياغة الفكرة المسرحية، فالمؤلف ـ المخرج على حد تعبير «جرجس شكري»، يأخذ بالإضافة إلى اللغة الأشياء، ليخلق علاقات جديدة من سحر الأشياء، وهي بدورها سوف تؤسس شروط المحبة بين الكلمة والصورة في النص المكتوب، قبل أن يصعد إلى خشبة المسرح. فمن المغرب قدم المخرج إدريس الروخ نص «دمى من ورق»، ومن العراق قدم جواد الأسدي «حمام بغدادي»، وحافظ الجديدي «أوديب من الشرق»، ومن مصر محمود أبو دومة نص «عطر البنات». في حين قدم خالد ونجيب جويلي بالتعاون مع هدى عيسى وحسن الجريتلي نص «غزير الليل»، ونمر سلمون من سوريا «يوم فقد الأمل ذاكرته».
حيث غلبت على النصوص روح التراجيديا سواء بشكل مستتر أو ظاهر، فثمة صراع بين أبطال هذه النصوص، وأشياء وقوى أكبر منهم، رسمت لهم في النهاية مصائر مأساوية في صور مختلفة، منها القتل، أو الانتحار، أو فقدان البصر، أو موت الروح، واستعار البعض تراجيديا كتبت من قبل وصاغها في رؤية معاصرة تتناسب والحقب الزمنية المختلفة.
ففي نص «دمى من ورق» للمغربي إدريس الروخ، ثمة زوج عاجز وزوجة خائفة، وعلى الرغم من أن المؤلف وضع فوارق بينهما، فالزوج فقير ومعدم، والزوجة ثرية وابنة رجل قوي، إلا أن كليهما خائف، وعاجز.
بينما تدور أحداث «حمام بغدادي» لجواد الأسدي، في فصلين: الأول في حمام شعبي، والثاني على الحدود بين الأردن والعراق، حيث يصف «الأسدي» بشاعة الحرب وتداعياتها في رؤية لا تبدو مباشرة، على الرغم من أنها تتناول حكايات وتفاصيل الحياة اليومية، منحازة إلى العبث، الأسلوب الذي يتناسب نتائج الحروب، لنرى «حميد» و «مجيد» كشخصيات عبثية، لا تكره أحدهم أو تنحاز للآخر، كلاهما يثرثر طويلاً في أجواء مليئة بالفقر، والرصاص، والجثث، والدماء، والسرقة، والعنف، وإهانة الآباء، والعمالة، والخيانة، وهنا لا يبكي«جواد الأسدي» الحرب وضحاياها.
ولكنه يسخر منها من خلال شخصيات عبثية، تعيش وفق منطقها الخاص، الذي يتناسب ومنطق الحرب. في حين التزم المخرج التونسي حافظ الجديدي، بنص جان كوكتو «الآلهة الجهنمية» وكتبها تحت عنوان «أوديب من الشرق»، فجعل «أوديب» بطلاً عربياً يعيش في نهاية القرن العشرين.
وجاءت الرموز واضحة ومباشرة لا تقبل التأويل، فابتعد عن رؤية كوكتو الفلسفية إلى رؤية تنحاز إلى الإسقاط السياسي المباشر. بينما أعاد محمود أبو دومة كتابة مسرحية «بيت برناردا ألبا» للوركا، باللهجة العامية في إعادة صياغة كاملة للنص، اجتمعت فيها كثافة اللغة الشعرية وجماليات العامية المصرية، بشكل لم يتخل فيه عن جوهر النص ورؤيته، وقد اختار عنوان«عطر البنات» ليحمل دلالة قوية، فهو أخذ عطر النص، من خلال إعادة الصياغة، فلم تعد هناك جوقة تغني للحصاد والقمح وقلوب العذارى كي يفتحن الأبواب والنوافذ ويستمعن إلى نداء الحاصد وهو يطلب ورداً يزين به قبعته، أما لدى«أبو دومة» كانت هناك خادمة ـ راوية تحكي وتعلَق وتلعب دور الزمن.
ومن مصر تراجيديا أخرى مأخوذة عن حكاية شعبية، صارت موالاً ذا شهرة واسعة لحكاية«حسن ونعيمة»، قدمها خالد ونجيب جويلي، في قراءة شعبية بدأ من حيث انتهت الحكاية التي يختصرها النص لا تعنيه كثيراً الحكاية المعروفة، بقدر تطور هذه الحكاية في العقل الجمعي، وإعادة قراءتها وصياغتها وفقاً لهذا التطور، ووفقاً لشروط اللحظة الراهنة، معتمداً على التداخل والمونتاج المتوازي، سواء في الحوار، أو في بناء المشاهد، أو حتى في الإرشادات المسرحي، التي لم يكن لها الدور الأساسي بقدر ما كان لترتيب السيناريو في بناء النص، والذي سوف يكوَن فيما بعد المنظر المسرحي.
في حين يأتي البناء الدرامي لنص نمر سلمون «يوم فقد الأمل ذاكرته» أو «صدى واحد لصوتين» في مشاهد يتقاسمها الزوجان والمهرجان، فبعد كل مشهد تدب الحياة في المهرجين، فيخرجان من اللوحة في مشهد تال للتعليق على ما حدث، لتبدأ لعبة الحياة والموت والرهان والتحدي بينهما، بعد أن لعبت اللوحة دوراً رئيسياً في البناء الدرامي.
وكانت القوة التي تحرك الأحداث، بعد أن أفاض المخرج السوري في وصف هذين المهرجين، ودخولهما، وخروجهما، من وإلى اللوحة، لتصبح اللعبة الوهمية حقيقة، ويذهب الزوجان ضحيتها.
ويخلص الناقد جرجس شكري في تقديمه للمسرحيات الجديدة، إلى التأكيد أنه إذا كانت الكتابة على خشبة المسرح هي السبب الرئيسي في التقاء هذه النصوص في كتاب واحد، فإن هناك أسبابا أخرى منها اجتماع هذه النصوص يمثل خطوة نادرة، وربما رائدة في اجتماع نصوص عربية مسرحية في كتاب واحد، بالإضافة إلى مناقشة معظم هذه النصوص لفكرة الحرية، وهذا هو الأهم.
* الكتاب: الكتابة على خشبة المسرح
*الناشر: دار شرقيات للنشر والتوزيع القاهرة 2006
* الصفحات:353 صفحة من القطع الكبير
أنس الأموي

