«ترجمان الأشواق» هو ديوان شعر للشيخ الأكبر «أبوبكر محمد بن علي» الملّقب «بمحيي الدين بن عربي» الذي ولد في «مرسية» في الجنوب الشرقي من الأندلس، سنة 560 للهجرة، ليتلقى مبادئ العلوم الدينية في مدينة «لشبونة» ثم في مدينة «اشبيلية»التي كانت من أكبر مراكز التصوف في «الأندلس» في عهده، وليقضي فيها نحو ثلاثين سنة.
في سنة 598 هجرية. هجر «ابن عربي» الأندلس وبلاد المغرب العربي، وذهب إلى المشرق ليؤدي فريضة الحج، ولم يعد ثانيةً، حيث زار عدداً من بلاد المشرق، ثم استقر به المقام في مدينة «دمشق» حتى وافته المنية سنة 638 هجرية.
كان «ابن عربي» شيخ مشايخ الصوفية، وقد ترك لنا مؤلفات كثيرة ربما تجاوزت بكثير مئتي كتاب، لعل من أهمها «الفتوحات المكيّة، نصوص الحكم» ....
«ترجمان الأشواق» هو ديوان شعر في قرابة مئتي صفحة من القطع الكبير، ولكن الطريف أن الشاعر نفسه «ابن عربي» قام بشرح ديوانه هو، وهذه لم تتم من قبل شاعر قبله ولا بعد، وبهذا يتفرد ديوان «ترجمان الأشواق» بأن صاحب الديوان قام بشرحه.
ولعلنا ومن هنا نعرف بأن «ابن عرابي» أراد بذلك أن يفوّت على أعدائه أن يؤولوا كلامه بكلام يضر به، فقام هو بشرح ديوانه، لكن هذا الفعل ذاته دليل على أن «ابن عربي» قد أودع في ديوانه الشعري هذا آراءه واعتقاداته الصوفية ورؤيته الصوفية.
ولعلنا في المقدمة التي وضعها نعرف ذلك فهو يقول:«الحمد الله الحسن الفعال، الذي يحب الجمال، خلق العالم في أكمل صورة وزينة، وأدرج فيه حكمته الغيبية عندما كونه، وأشار إلى موضع السرّ منه وعيّنه، وفصّل للعارفين مجمله منه وبيّنه، جعل ما على أرض من الأجسام زينة لها، وأفنى العارفين في مشاهدة تلك الزينة وجداً وولهاً ..».
ومن خلال هذه المقدمة نعرف أن «ابن عربي» يرى أن الجمال الذي في الكون هو صورة الله، والتي يراها العارفون بذلك، وهذه جزء من نظرته الحلولية الصوفية.
ويحدثنا «ابن عربي» كيف أنه نزل «بمكّة» وكيف التقى بالشيخ العالم الفقيه «أبي شجاع زاهر بن رستم الأصفهاني» وكيف سمع عليه كتاب «أبي عيسى الترمذي» في الحديث الشريف، وكيف كان لهذا الشيخ بنت عذراء «طفيلة هيفاء» تقيد النظر وتحيٌّر المناظر، تسمى بالنظام وتلقب بعين الشمس، ساحرة الطرف عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت، إن نطقتْ خرس قس ابن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة ....».
وهكذا يأخذنا «ابن عربي» في وصف هذه الفتاة بصفات قد تجاوزت الصفحتين ليقول: «ولكن نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق، من تلك الذخائر والأعلاق، فأعربت عن نفس توّاقة، ونبهت على ما عندنا من العلاقة، اهتماماً بالأمر القديم، وإيثاراً لمجلسها الكريم، فكل اسم اذكره في هذا الجزء فعنها أكنّي، وكل دار اندبها فدارها اعني».
ولا ينسى «ابن عربي» أن يبين لنا سبب شرحه لديوانه هذا فقد قال له الولد «بدر الحبشي» والولد «إسماعيل ابن سود كير» إنهما سمعا بعض الفقهاء بمدينة «حلب» يقولون إن الشيخ يتستر. فشرع عندها بشرح الديوان، وعندما سمع أولئك الذين أنكروا عليه فعلته، شرحه لديوانه، تابوا إلى الله ورجعوا عمّا قالوه.
وهكذا يبدأ شرح أبيات في المقدمة واضعاً معها قصة طريفة والأبيات هي:
ليت شعري هل دَرَوا
أيّ قلبٍ ملكوا
وفؤادي لو درى
أيّ شعب سلكوا
أتراهم سلموا
أم تراهم هلكوا
حار أرباب الهوى
في الهوى وارتبكوا
فيقول: ليتني شعرت، هل دروا: الضمير يعود على المناظر العلى عند المقام الأعلى حيث المورد الأحلى التي تتعشق بها القلوب وتهيم فيها الأرواح ويعمل لها العمال الإلهيون، أي قلبٍ ملكوا : يشير إلى القلب الكامل المحمدي لنزاهته عن التقييد بالمقامات، ومع هذا ملكته هذه المناظر وكيف لا تملكه وهي مطلوبة، ويستحيل عليها العلم بذلك، لأنها راجعة إلى ذاته إذ لا يشهد منها الا ما هوعليه، ففيه يتنزه وإيّاه يحب ويعشق ..
وقارئ هذا الشرح يدرك مباشرةً أن صاحبه متصوف بل وإمام صوفي لأن من التعابير ما يوحي بعشق الذات الإلهية التي تحل في المخلوقات، والديوان معبر بشكل كامل عن رؤية صاحبه ومذهبه.