على امتداد 352 صفحة يجد القارئ نفسه على موعد مع خمس وعشرين قصة تنتمي إلى مسار الحياة الابداعية للروائي والكاتب الياباني هاروكي موراكامي في مجموعته القصصية الثانية بعنوان «صفصافة عمياء، امرأة ناعسة» التي تحفل بالغرائبيات التي يولع موراكامي بالكتابة عنها. في القصة التي منحت للمجموعة عنوانها، نجد أن إحدى الشخصيات تشير إلى فيلم جون فورد الشهير «فورت أباتشي»،
الذي يقول فيه جون واين لكولونيل وصل إلى منطقة أحداث الفيلم حديثاً إنه إذا رأى بالفعل بعض الهنود الحمر في طريقه فإن ذلك يعني أنه ليس هناك وجود للهنود الحمر. فكل شيء غائب نوعاً ما من خلال حضوره، بما في ذلك ـ بالطبع ـ أشجار الصفصاف العمياء التي يحمل لقاحها ذباباً يطن في أذني المرأة الناعسة المشار إليها في العنوان، مثلما في حلم، حيث تغيب الإيضاحات، وإن تعددت التفسيرات.
على الغرار نفسه، نجد في القصة التي تحمل عنوان «المرآة» أن الراوي يرى شخصاً يبدو أنه هو نفسه وليس نفسه في صقال مرآه، ثم يكتشف أن هذه المرآة لا وجود لها. في القصة التي تحمل عنوان «قرد شيناجاوا» تفقد المرأة التي تعاني من قصور كلي ـ العديد من شخصيات موراكامي من ذوي الاحتياجات الخاصة على الصعيد العضوي ـ تفقد اسمها. في قصة «القطط آكلة البشر» تختفي صديقة الراوي، وفيما هو يبحث عنها يكتشف أنه: «مع كل خطوة أخطوها، أحس بنفسي وأنا أغوص بشكل أعمق في رمال متحركة حيث تختفي الهوية».
هكذا تبدو لنا قصص موراكامي واحدة إثر الأخرى مستعصية على التوصيف، ربما إلى حد الاستحالة، وتفرض على المرء ألا يستغرق في تحليلها كثيراً، فجمالها يكمن في خواصها الغرائبية. وفي قدرة مؤلفها على أن يستمد إلهامه من نوع من اللاوعي الجماعي. وإلى جوار ذلك فإن جانباً من عبقرية المؤلف يتمثل في استخدامه للصور والانتقال بينها من صورة إلى أخرى، على نحو ما نجد في قصة «طائرة»، حيث يعيش الراوي لحظات هوى بينما هو يتخيل سلاسل تتدلى من السقف تفتح كل منها آفاق إمكانية مختلفة قد تكون جيدة أو سيئة.
ربما لهذا كله ليس عجيباً أن نجد أن الناقد ديفيد جايز يكتب مقالاً مطولاً في صحيفة «الأوبزرفر» اللندنية عن مجموعة موراكامي الجديدة فيجعل عنوانه «عندما تلعق القطط مخي»، ويشير في العنوان الفرعي إلى أن هذه المجموعة توضح أن كوكب موراكامي هو مكان مثير للحيرة. ويرى جايز أن الغرابة هي السمة الغالبة على قصص المجموعة، حيث يختفي الناس من دون أن يتركوا وراءهم أثرا، وينقض إعصار على حديقة حيوان فينتزع منها أطفالاً صغاراً، وتتبدى حيوانات الكنغر تجليات لكل ما هو عجائبي وغرائبي، وبإزاء هذا كله تشحب حياة الطبقة الوسطى متحولة إلى استمرارية رمادية.
ويشير الناقد البريطاني إلى ما بعد الرعب الذي يتخلل قصص موراكامي، ويلفت نظرنا بصفة خاصة إلى قصة «القطط آكلة البشر» حيث يحدثنا الراوي عن كابوس يتعرض له، فيقول: «أحاطت القطط الثلاث برأسي المكسور، ومضت تلعق الحساء الثقيل بداخله.
ولعقت ألسنتها الخشنة بأطرافها الطيات الرقيقة لمخي، ومع كل لعقة مضى وعيي يضطرب كالشعلة، وانطفأ».
لكن المجموعة ليست استعراضاً مرعباً، على الرغم من أن القطط الثلاث تثير الفزع بالفعل، لكن النسيان على امتداد المجموعة يتجلى لنا باعتباره شيئاً مخيفاً ومرغوباً فيه في آن، وبعض الشخصيات تتوق إلى معانقة الاختفاء، والبعض الآخر يتوق إلى الهرب من هذا الاختفاء، ربما بحسب ما ترغب الشخصية في أن تخسره.
وهناك مؤثرات عديدة تنتشر على امتداد المجموعة ومنها منتجعات قضاء العطلات التي تشكل مواقع أثيرة لدى المؤلف لوقوع الأحداث، وكذلك وجود الحيوانات وبصفة خاصة القطط التي يقول المؤلف إنها تنزلق بنعومة إلى أعماله، تماماً كالموسيقى، وهناك بالطبع الغوريلات وحيوانات الكنغر.
ويتقدم ديفيد جايز بملاحظة مهمة، عندما يلفت نظرنا إلى أن الماضي غالباً ما يطرح مشكلة في قصص موراكامي، فهو يظل ماثلاً على الدوام، وهو يمكن أن ينقض عليك ويلتهمك، إذا سمحت له بذلك والمثال الصارخ على هذا نجده في المرأة التي تقع في حب رجل ثلج وتتزوجه، على الرغم من معارضة عائلتها لهذه الزيجة الغريبة بتساؤل منطقي هو: ماذا لو أنه ذاب؟ ورجل الثلج يرد بطريقته الخاصة قائلاً: «إنني لست مهتماً بالمستقبل، فالثلج لا يحتوي على مستقبل، وإنما هو ماض فحسب». ويمضي الزوجان إلى القطب الجنوبي، وهو مكان يتبين أنه أكثر عزلة ووحدة مما يمكن للمرء تصوره.
وتتساءل البطلة عن المكان الذي مضت إليه طيور البطريق التي لم يعد لها أثر من دون أن يعرف أحد رداً على هذا التساؤل. وينتهيان بالانغماس في الماضي. وكما هي الحال غالباً في أعمال موراكامي، فإن الهوية يبدو أنها لا تعدو أن تكون خطاً مرسوماً حول الخواء.
وشأن كل اطلالة لموراكامي على الساحة العالمية فإن هذه المجموعة تثير اهتماماً هائل النطاق، فها هي صحيفة «واشنطن بوست» تؤكد لقرائها، على لسان الناقد ستيفن مور، أن مجموعة موراكامي الجديدة هي عمل يجمع بين الأصالة والجرأة ويؤكد اقتدار موراكامي وتمكنه من أدوات إبداعه.
ويكتب ريتشارد إيدر في تحليل مطول نشرته صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» مشيراً إلى أن موراكامي يتناول الفانتازي والطبيعي على صفحات مجموعته الثانية، محللاً كلاً منهما بمزيج من الجدية والخفة في آن.
وتلتقط لورا ميللر طرف خيط مهما في مقال لها في «نيويورك تايمز بوك ريفيو» حيث تشير إلى أنه بينما يمكن لأي أحد أن يحكي قصة تشبه حلماً، فإن فنانا نادراً مثل موراكامي هو الذي بمقدوره أن يجعلنا نشعر بأننا نحلم هذه القصة بأنفسنا.
وتقول الروائية ليلى تاك في مقال تحليلي عن المجموعة نشرته مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة إن القارئ سيجد نفسه هنا أمام عمل رائع وان القصص هي متعة حقيقية بالنسبة للقراء تماماً كما هي بالنسبة لموراكامي. وتشيد مجلة «كيركوس» المتخصصة أيضاً بموهبة موراكامي التي تصفها بأنها لا نظير لها في جعل ما هو غير تقليدي بل ما هو سوريالي جذاب للقارئ ومرضٍ له إلى أبعد الحدود.
وعلى الرغم من هذا الإجماع على الإشادة بمجموعة موراكامي، وهو إجماع نادراً ما نراه متحققاً على هذا النحو على ساحلي الأطلسي كليهما، إلا أن القارئ لابد له من أن يدرك أن بعض قصص المجموعة لم يتم تطويرها بالقدر الكافي الذي يجعلها تترك تأثيراً قوياً في نفس القارئ، وهذا هو على وجه الدقة ما نجده في قصص من قبيل «عام الاسباغيتي»، و«فتاة من إيبانيما» و«نشأة وسقوط كعكات شاربي».
*الكتاب:صفصافة عمياء ، امرأة ناعسة
* الناشر: الفريد نوف - نيويورك، 2006
* الصفحات: 352 صفحة من القطع المتوسط
Blind Willow, Sleeping Woman
Haruki Murakami
A.Knopf - N.Y 2006
p.352
