ألّف هذا الكتاب عدد من الأساتذة الجامعيين والاختصاصيين في العلاقات الدولية والإستراتيجية ومن محللي الرأي العام والإعلام والباحثين في الحضارات وحقوق الإنسان الذين اجتمعوا في ملتقى حول الإسلام ووسائل الإعلام والرأي العام بمساهمة عدد من الهيئات المختلفة وبوجه خاص لجنة (الإعلام والعلمانية)، وصحيفة (لوموند ديبلوماتيك) و(رابطة حقوق الإنسان) و (اليونسكو) عام 2005 في فرنسا.
فمنذ أحداث 11 سبتمبر 2001، تتسع الهوة بين الرأي العام الأوروبي والأميركي وبين الإسلام بسبب الخوف الذي بدأ يتوغل في العقول الغربية ونتيجة التساؤلات الحادة المطروحة حول إمكانية اندماج المواطنين المسلمين في المجتمعات الغربية، وصولا إلى ترويج فكرة (الحرب بين الحضارات).
وبما أن لكل مشكلة تاريخ، فإن بعض أعمال الملتقى تطرح العلاقة التي تمت بين الغرب المسيحي وبين الشرق الإسلامي بعد استيلاء السلطان محمد الثاني على القسطنطينية عام 1453. لقد فتح ذلك الأبواب على مصراعيها أمام مواجهة صداقية بين البلدان الأوروبية المسيحية وبين الإمبراطورية العثمانية-الإسلامية خاصة وأن سياسة هذه الإمبراطورية لم تكمن في التوسع والاستيلاء على معظم شواطئ المتوسط بالقضاء على دولة المماليك الإسلامية في مصر وسوريا عام 1516-1517 وحسب؛
وإنما أيضا في التوسع والاستيلاء على أوروبا الوسطى والبلقانية وصولا إلى سقوط (بلغراد) عام 1521، وحاصرة (فيينا) عام 1529. لقد تحول الخوف الذي أحدثه سقوط القسطنطينية إلى وعي بالخطر التركي الإسلامي، وإلى خلق ردود فعل للدفاع عن الهوية المسيحية المهددة، وإلى تجذير نزعة عدائية بين الدول الغربية والإمبراطورية العثمانية.
والواقع أن هذه النزعة العدائية كانت موجودة من قبل في الشرق الإسلامي ضد الغرب المسيحي على إثر الغزو الصليبي البابوي للديار الإسلامية التي رفضت هذا الغزو وقاومت بربريته وتحررت منه أخيرا. هكذا انتشرت (ثقافة عدائية) لا في الأوساط الشعبية الغربية وحسب، وإنما أيضا في أوساط مفكري وكتاب عصر النهضة الأوروبية قاتمة على صورة العثماني (الشرس) الذي (يفضل السيف على الكلمة) و(الجهل على المعرفة) و(الظلم على العدل) و(الطاعة العمياء على القانون).
إلا أن (جيرو بوماريو) الأستاذ المحاضر في جامعة باريس-السوربون الذي يحلل هذه الثقافة العدائية ويشدد على أنها لم تكن مسيطرة كليا، لأن خطابا آخر كان ينتشر من أجل الحوار والتقارب مع الإمبراطورية العثمانية والاعتراف بدورها الإقليمي وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها.
هذا التحول ترافق في الحقيقة مع تجديد النظرة حول الأسس الحقوقية للعلاقات الدولية في الغرب والتي تقطع مع نموذجها الذي كان قائما في القرون الوسطى، أي رفع الحاجز الديني في العلاقات الدولية والذي طبع هذه القرون. لقد كانت فرنسا وراء الدفع باتجاه هذه القطيعة حيث قام الحقوقيون الفرنسيون بتسويغ العلاقات بل والتحالف مع الأتراك العثمانيين ومع الدول الإسلامية باسم (حقوق البشر) أو باسم حق دولي يقيدها بالدين والانتماء الديني.
هكذا دعا (إيمريك كروسي) منذ بدايات القرن السابع عشر إلى تنظيم العالم بما يؤمن السلام الدائم بين مختلف الدول وبما يخلص البشر من الخصومات القديمة التي تقيم التعارض بين (المسيحي واليهودي والمحمدي) وإقامة مجلس للحوار وحل النزاعات سلميا في البندقية لسفراء جميع الحكام بما فيهم السلطان العثماني. هذه الدعوة لتنظيم الشؤون الدولية هل حملت الإصلاحات التي قام بها أتاتورك عبر دستور 1937 والذي جعل من تركيا دولة (جمهورية) و(قومية) و(علمانية) نهاية لعلاقات الحذر والخوف بين أوروبا الجديدة وتركيا؟ كلا فالنقاشات الدائرة في البلدان الأوروبية حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي تبين ذلك.
صحيح أن كمال أتاتورك يعتبر الدين واقعة اجتماعية وأنه بطرحه للعلمانية لم يكن يستهدف إلا وضع الإسلام تحت رقابة الدولة وتنظيمها للمجال الديني والإشراف عليه بما يكرس سيطرة السلطة السياسية على السلطة الدينية في التاريخ العثماني، إلا أنه بذلك أوجد تقاربا كبيرا مع أوروبا في الوقت الذي لا يوجد فيه نموذج علماني واحد لكل الدول المنضمة إلى الاتحاد الأوروبي.
ومن جانب آخر فإن (حزب العدالة والتنمية) الإسلامي الحاكم اليوم لا يريد العودة عن إصلاحات كمال أتاتورك وهو يعمل باتجاه خلق مجتمع مواطني تعاقدي ومن أجل حضارة حديثة؛ ولهذا لا يوجد أي مبرر لإغلاق الاتحاد الأوروبي في وجه تركيا، فأوروبا بالهوية التي تطرحها لنفسها ديمقراطية ومواطنة وحقوق إنسان وسوق حرة في خدمة الفرد والمجتمع لا يمكنها أن تكون ذات هوية مسيحية في حين أن الانقسامات القديمة بين غرب مسيحي وشرق إسلامي لم تعد قائمة عمليا وأن الاعتراف بمختلف الثقافات والتعايش بينها يشكل رهان عالم اليوم. باختصار إن انضمام تركيا إلى أوروبا هو امتحان لتجاوز هذه الانقسامات والطرح الثقافي الذي ولدته، بل إنه يشكل (امتحانا لمكانة أوروبا في عالم المستقبل).
ويقوم باحثون آخرون بتحليل الصورة الإعلامية التي يطرحها التلفزيون الفرنسي (القناة الأولى والثانية (حول الإسلام). ذلك أنه منذ ثلاثين عاما، فإن وسائل الإعلام قد لعبت دورا في إعادة تنشيط رؤية قديمة لعلاقة عدائية بين (الإسلام) و(الغرب) قائمة على تصورات موروثة عن (الشرق) وعن (الآخر المسلم) قبل وأثناء العصر الاستعماري إلا أن هذه التصورات قد أعيدت من قبل ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية جديدة وبوجه خاص من قبل منتجي الإعلام وداخل أطر الإدراك التي تطرح نفسها عليهم. هكذا تطورت النظرة الإعلامية حول (المسلمين في فرنسا) من خلال صور متعددة مقولبة.
فمنذ أعوام السبعينات بدأت ملامح هذه الصورة تتوضح شيئا فشيئا مع اكتشاف المجتمع الفرنسي ل(الهجرة) فيه. وبالرغم من الفروق بين نظرة الوسط التقدمي والوسط اليميني لها تم وضع خط فاصل بين (نحن الفرنسيين) وأولئك (المهاجرين-العمال).
ومع بدايات أزمة العمل منذ عام 1976 وبانتصار الثورة الإيرانية عام 1979 والذي دفع بعض المثقفين إلى القول ب(عودة الإسلام)، ومع مشاركة العمال المهاجرين في إضراب معامل السيارات عام 1983؛ تم الانتقال من (المهاجر) إلى (المسلم) وتحول النزاع الاجتماعي لهذا الإضراب إلى نزاع ديني إذ تعلّق الأمر (بإضراب أصوليين، مسلمين وشيعة) تحركهم (مجموعات دينية وسياسية موجهة بدوافع لا علاقة لها بالواقع الاجتماعي الفرنسي) كما صرح رئيس الوزراء الاشتراكي آنذاك.
إن مسألة التوافق بين (هوية الفرنسي) و(هوية المسلم) والتي كانت مطمورة منذ نهاية الفترة الاستعمارية عادت إلى مركز الاهتمامات الرئيسية إذ أصبح المهاجر هو (المسلم الذي لا يندمج في الحياة الفرنسية). لقد تمّ تفعيل القلق على الهوية الفرنسية من قبل المجال السياسي من جهة والمجال الإسلامي من جهة ثانية.
فمع خصخصة هذا المجال الأخير ارتكز العمل على تحويل الجمهور من مواطنين مسؤولين إلى مستهلكين للانفعالات العاطفية الأولية حول الهوية وصولا إلى ممارسة الكثير من الصحافيين للديماغوجيا والتهييج. وزاد الأمور حدة أن بروز حزب (الجبهة القومية) العنصري في الساحة السياسية منذ بداية الثمانينات كان يدفع باتجاه (المزاودات السياسية والإعلامية) حول هذه الهوية أمام الناخب والرأي العام الفرنسي.
هكذا تطرح (ميشيل كوتا)، الشخصية الصحافية المعروقة السؤال على رئيس تحرير صحيفة (لاكروا) قائلة في مقابلة تلفزيونية على القناة الأولى عام 1987: (ألا تخشى من أن الهوية القومية ستزول بسبب فتح الأبواب [أمام الهجرة]؟ ألا تخشى بوجه خاص تطويق الديانة الكاثوليكية التي تعاني صعوبات في فرنسا، وذك من قبل ديانات أخرى، أي اختناقها على يد هذه الديانات)؟
إن (المهاجر) الذي كان ينظر إليه كضحية للنعرة والمشاعر العنصرية ضد (الغريب) أصبح (مسلما) في الظروف السياسية والإعلامية الجديدة ويتحمل (مسؤولية تشقق المجتمع القومي الفرنسي).ومع انهيار الكتلة السوفييتية عام 1989، فإن تحليل الوضعية الدولية أصبح جذريا (راديكاليا). فالحرب الباردة أصبحت في ذمة الماضي بينما تحولت مسألة (صراع الحضارات) التي طرحها (برنار دليفس) منذ الخمسينات إلى لحمة لتحليل النزاعات الدولية اليوم. (نعم للدفاع عن رأسمالنا الوراثي للحضارة، الرأسمال الذي يدعى الأنوار، والعقلانية، والجمهورية، والعلمانية). هذا ما أعلن عنه الصحافي المعروف (سيرج جولي) عام 1989 على القناة الثالثة الفرنسية.
لقد بدأ تصوير العالم وكأنه (هويات جوهرية) لا تتبدل ولا تتحول: غرب من جهة وإسلام من جهة ثانية. وفي الوقت الذي أصبح فيه الوسط الإعلامي يدعو إلى (إسلام فرنسي معقول) ضد (إسلام راديكالي متطرف)، فإن خط تمايز شق طريقه إلى الأذهان حول (من هم مع حضارتنا)؟ و(من هم مع حضارة الآخرين)؟
لكن نقلة جديدة بدأت تفرض نفسها على المخيلة الفرنسية وذلك بالانتقال من (المسلم) إلى (الإرهابي) والخلط بينهما. فعلى إثر الأحداث الإرهابية التي جرت في باريس عام 1996، قدم (شارل باسكوا) (وزير الداخلية آنذاك) صورة حول المتطرفين الإسلاميين نشرتها الصحافة والتلفزة قائلا: (تتلخص الأمور ببعض الأرقام.
هناك في فرنسا 5 ملايين مسلم، من بينهم مليون يمارسون الشعائر الدينية، و50000 أصولي، و2000 متطرف). بمعنى آخر وكما يشير (توماس ديلتومب) في بحثه المقدم حول (صراع الحضارات) للملتقى الذي نحن بصدده: (بقدر ما يبيّن فرد عن أنه مسلم، بقدر ما هو محط الشك) واحتمال أن يكون إرهابيا. وهذا الخلط نفسه تعزّز مع أحداث سبتمبر الإرهابية في أميركا عام 2001 من قبل الصحافة والتلفزة الأميركية.
* الكتاب: الإسلام والإعلام والرأي العام
* الناشر: الارماتان ـ باريس 2006
* الصفحات: 119 صفحة من القطع المتوسط
Islam, média et opinions publiques
Ouvrage collectif
L'Harmattan - paris 2006
p. 119
