قامت بتأليف هذا الكتاب الشيق والممتع الصحافية الكندية ماري ـ ايف مارتيل. وكانت قد حصلت على شهادة عليا في العلوم السياسية من جامعة (كونكورديا بمونتريال) عاصمة أقليم كيبيك الناطق بالفرنسية في كندا. وقامت بعدئذ بجولات واسعة في عدة بلدان نذكر من بينها: كوستاريكا، تركيا، المغرب الأقصى، الهند. وفي هذا الكتاب الجديد تتحدث المؤلفة مطولا عن زيارتها لإيران حيث تجولت في مختلف الأقليم والمدن بدءا من طهران وانتهاء بشيراز، وقم، ومشهد ، وكرمان، وبام، واصفهان، وتبريز، الخ.

وقد أعجبت المؤلفة كثيرا بهذه البلاد الشاسعة الواسعة واستقبلت بشكل جيد من قبل الإيرانيين على عكس ما كانت تتوقع وتتخوف. ومنذ البداية تقول بما معناه: ليس من السهل على فتاة غربية أن تزور بلد الثورة الإسلامية والخميني! لقد كنت متخوفة فعلا من هذه الزيارة، وكنت أتوقع الكثير من المطبات والمخاطر. ولكن الزيارة تمت بشكل جيد في نهاية المطاف على الرغم من بعض الصعوبات والقيود المفروضة على المرأة عموما.

فقد كان ينبغي عليّ أن ألبس الحجاب والجلابية التي تخفي مفاتن المرأة تماما كأي فتاة إيرانية. ولم يكن من السهل عليّ أن أتنقل في كل مكان وأنا محجبة ومقيدة في لباسي. ولكني تعودت على ذلك. ثم اكتشفت أن الشعب الإيراني طيب في مجمله ويحترم الغرباء والضيوف كثيرا. وهو يرغب في أن يعطيهم صورة مشرقة عن إيران لا صورة كالحة سلبية. وكانت أكبر مفاجأة لي أني اكتشفت طيبة هذا الشعب وحسه الحضاري على الرغم من كل ما يعانيه في ظل نظام الملاّ: أي رجال الدين.

ثم تتحدث المؤلفة عن مدينة طهران وتقول بما معناه: لم تتطور هذه العاصمة وتصبح مدينة حديثة إلا في عهد سلالة البهلوي (1925-1979). فمؤسس السلالة رضا شاه هو الذي شق الشوارع الكبيرة وأشاد العمارات الضخمة لكي يخلع طابعا حديثا على عاصمته. ثم جاء ابنه محمد رضا شاه لكي يؤسس فعلا طهران الحديثة بشوارعها الواسعة التي تعتبر من أطول الشوارع في العالم. فأحيانا تتجاوز الثلاثين كيلومترا.

وكانت نتيجة هذه الحركة التجديدية والعمرانية الواسعة أن عدد سكان المدينة انتقل من مئتي ألف عام 1920 إلى اثني عشر مليونا عام 2000. وأصبحت طهران إحدى عواصم الشرق الأوسط الكبرى بالإضافة إلى اسطنبول، والقاهرة، والدار البيضاء، وسواها... ثم تقول المؤلفة بأنها التقت بأحد الموظفين في الإدارة الحكومية المسؤولة عن البرنامج الذري الإيراني. ومعلوم أن طهران تحلف بأغلظ الإيمان بأن برنامجها سوف يستخدم لغايات سلمية كإنتاج الكهرباء مثلا وليس لغايات عسكرية كإنتاج القنبلة الذرية.

ولكن الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي لا يصدقانها وإنما يشتبهان جدا بنواياها. فماذا يقول هذا الموظف كرد على اتهامات الغرب؟ قال لها بالحرف الواحد: الولايات المتحدة تستخدم هذه القصة لغزو إيران مثلما غزت أفغانستان والعراق لا أكثر ولا أقل. نحن برنامجنا سلمي ولا شيء آخر.

ثم قال لها هذا الشاب ما يلي: ينبغي العلم بأن النظام الإسلامي في إيران خفّف من رقابته الصارمة على السكان في السنوات الأخيرة. فنحن تجاوزنا مرحلة العنف الثوري وملاحقة الناس في كل شاردة وواردة. فلم يعد النظام يحول دون اختلاط النساء بالرجال كما كان يفعل سابقا. ولم يعد يقيد المرأة في لباسها كثيرا.يضاف إلى ذلك أن الصحف الليبرالية ابتدأت بالظهور هنا وهناك، وأحيانا تنتقد النظام وسياسته دون أن يعاقبها أحد، وهذا شيء كان مستحيلا حتى أمد قريب.

ويمكن القول بأن إيران شهدت انبعاثا ثقافيا في الآونة الأخيرة، وحتى السينما الإيرانية تطورت كثيرا وأصبحت ذات حضور في المهرجانات السينمائية العالمية كمهرجان (كان) في فرنسا مثلا. وبالتالي فلا يمكن القول بأن إيران مخنوقة فكريا الآن. لا ريب في أن اليمين الديني لا يزال يضغط على الناس ويخيفهم. ولكن الرئيس السابق محمد خاتمي استطاع أن يقف في وجهه ويحجمه طيلة فترة رئاسته.يضاف إلى ذلك أن الرئيس السابق خاتمي حاول الانفتاح على الغرب وأقنع الأمم المتحدة بالانخراط في برنامج: حوار الحضارات. بل ومشى به شوطا لا بأس به.

وقال بأن الحضارة الإسلامية يمكن أن تنفتح على الحضارة الغربية وتتفاعل معها لمصلحة الجميع كما حصل في السابق مرارا وتكرارا. وبالتالي فإذا كان التفاعل الحضاري قد حصل في الماضي فلماذا لا يحصل في الحاضر أو في المستقبل؟ من يحق لهأن يمنعه؟ وباسم ماذا؟ وحدهم المتطرفون المتزمتون يريدون منعه باسم تأويل خاطئ للإسلام ورسالته السمحة. وحده بن لادن وأشكاله كالزرقاوي والظواهري وسواهما يدعون إلى صدام الحضارات. أما التيار الوسطي العقلاني في الإسلام، أي تيار الأغلبية، فيدعو إلى حوار الحضارات والاستفادة من إيجابيات الحداثة.

ثم تردف المؤلفة قائلة:في الواقع ان إيران تطورت كثيرا في السنوات الأخيرة على الرغم من الثورة الإسلامية ومن هيمنة اليمين الديني على بعض المرافق والقطاعات. وأكبر دليل على تطورها هو أن الإيرانيات أصبحن ذوات وجود أو حضور أكبر في الساحة التعليمية وبقية قطاعات المجتمع ووظائفه.

والإحصائيات تقول لنا بأن نسبة الأمية بين النساء قبل ثورة 1979 كانت 65 بالمئة. أما اليوم فقد أصبحت 25 بالمائة. وبالتالي فنسبة المتعلمات زادت كثيرا طيلة ربع القرن الأخير وفي الجامعات أصبح عدد الطالبات يساوي عدد الطلاب. وهذا ما أتاح للنساء الإيرانيات أن يدخلن إلى سوق العمل فلا يبقين في البيوت.

وأصبحت تجد الآن المرأة الإيرانية في شتى قطاعات الحياة والمجتمع. إنك تجدهن في قطاع الطب والصحة، وقطاع الهندسة، والتعليم، والمحاماة، والصحافة، والسياسة، الخ. وهذا تطور كبير لا يمكن إهماله. وبالتالي فالصورة الشائعة عن إيران في الخارج ليست صحيحة بل إنها مشوهة إلى حد كبير.

ثم تردف المؤلفة قائلة:ولكن لا تزال هناك بعض القيود التي تعرقل تحرر المرأة الإيرانية، نذكر من بينها أنها تعتبر قاصرا ولا تستطيع أخذ جواز سفر بدون موافقة أحد الذكور من عائلتها. يضاف إلى ذلك أن شهادتها تعادل نصف شهادة الرجل، وكذلك الإرث فهي تأخذ نصف حصة أخيها من إرث أمها وأبيها. وبالتالي فلا توجد مساواة من هذه الناحية بين المرأة والرجل لأن رجال الدين يفسرون القرآن بشكل حرفي جامد.

يضاف إلى ذلك أن الصحافة الليبرالية تتعرض من وقت آخر للمراقبة الصارمة والقمع من قبل رجال الدين أو الجناح اليميني المتشدد فيهم. وبحسب تقرير منظمة (صحافيون بلا حدود) فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تظل أكبر سجن للصحافيين في الشرق الأوسط. فخلال عام 2003 اعتقل أربعون منهم أو أكثر. ولكن ذلك لم يمنع الصحافيين الإيرانيين من نقد النظام والتعبير عن رأيهم بكل حرية.

بل وراحوا ينتقدون حتى الأساس الشرعي للنظام: أي ولاية الفقيه. وهذا شيء كان مستحيلا قبل بضع سنوات فقط. والواقع أن الصحافة أصبحت العامل الأساسي لمسيرة البلاد نحو حكم مسؤول وشفاف. ولم تعد مجرد أداة لنقل الأخبار، وإنما أصبحت أيضا أداة لنشر الأفكار الجديدة في المجتمع، وأصبحت تشجع القراء على قول رأيهم في سيرورة الحكم دون خوف أو وجل. ثم تخلص الصحافية الكندية إلى القول: إن إيران تعيش مخاض الحداثة والانتقال من المجتمع التقليدي القمعي إلى المجتمع الديمقراطي التعددي المتسامح.

* الكتاب: رحلة مغامرات في بلاد الملالي والتشادور

* الناشر: منشورات زاغروس - باريس 2005

* الصفحات: 310 صفحات من القطع الكبير

Odyssée au pays des Mollahs et tchadors

Marie-Yve Martel

Zagros - Paris 2005

p. 310