ساهم في تأليف هذا الكتاب الضخم عشرات الباحثين والنقاد والأساتذة الجامعيين من كل أنحاء فرنسا. والواقع أنه جزء من سلسلة تشمل ثلاثة أجزاء كبرى وتغطّي كل تاريخ فرنسا الأدبي منذ القرون الوسطى وحتى اليوم. إنه الجزء الأخير المكرس للحداثة، أو بالأحرى للحداثات التي هيمنت على القرنين التاسع عشر والعشرين.

من أهم فصول الكتاب فصل يتخذ العنوان التالي: التشظّي الشعري. وهو يدرس الطفرة النوعية التي طرأت على الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر وأدت إلى ظهور الحداثة على يد بودلير وفيرلين ورامبو ولوتريامون ومالارميه. وهذه الحداثة أدت إلى تشظي الشعر الفرنسي الكلاسيكي ذي الأوزان والقوافي وظهور شعر حر مكانه: شعر لا يتقيد بوزن ولا بقافية.

ففي عام 1869، أي العام الذي ظهر فيه ديوان بودلير «قصائد نثر صغيرة»، ظهر ديوان غريب الشكل يدعى: أناشيد مالدورور لشاعر مجهول ملقب باسم لوتريامون. هذا الديوان المليء بالعنف والتمرد على كل شيء نثري بالكامل ولا علاقة له بالأوزان والقوافي التي عاش عليها الشعر الفرنسي طيلة قرون وقرون.

هذا الديوان يعتبر قنبلة موقوتة، فقد انفجر في لحظة حرجة من تاريخ فرنسا: لحظة حصل فيها الطلاق الكامل بين الشاعر والمجتمع. حتى ذلك الوقت كان الشاعر الرومانطيقي مليء بالأمل على الرغم من كل الآلام المبرحة ومن كل النحيب والعويل والبكاء على الأطلال. ولكنه كان لا يزال يعتقد بأنه محمل برسالة لتجديد الحياة أو لتغيير المجتمع نحو الأفضل. وهذا ما يتجلى بكل وضوح عند فيكتور هيغو ولامارتين.

ولكن بدءاً من بودلير ابتدأ التصدع يظهر بين الشاعر والمجتمع الفرنسي. ابتدأت الثقة تهتز ولم يعد أحدهما يثق بالآخر. والدليل على ذلك أنهم أجبروا بودلير على المثول أمام محاكم باريس بتهمة التجديف والكفر والاعتداء على المقدسات والأخلاق العامة للمجتمع في ديوانه الشهير: أزهار الشر.

بدءاً من تلك اللحظة حصل الطلاق الكامل بين الشاعر والمجتمع البورجوازي الفرنسي. وكل الشعراء الكبار الذين سيظهرون بعد بودلير هم شعراء مدانون وملعونون من قبل المجتمع. إنهم شعراء خرجوا على التقاليد الاجتماعية وعلى الأعراف السائدة والقيم الدينية المسيحية، وكل الامتثالية المسيطرة. ولذلك لعنهم المجتمع ونبذهم وأصبحوا يعيشون على هامشه كالمجرمين. هذه هي حالة فيرلين، ورامبو، ولوتريامون وآخرين عديدين. ولهذا السبب ألف فيرلين كتابه: الشعراء الملاعين أو بالأحرى «الشعراء الملعونون أو المدانون من قبل المجتمع».

ثم يردف المؤلف قائلا:بدءاً من تلك اللحظة أصبح الشاعر الفرنسي شخصا خارجا على المجتمع بالضرورة. ثم جاءت السوريالية في بدايات القرن العشرين لكي تعمق الظاهرة أكثر ويصبح الشاعر عدوا للمجتمع بكل بساطة، لا أكثر ولا أقل. وعن هذا العداء أو الطلاق المستحكم نتجت الحداثة الشعرية! وبالتالي فهي بنت زنا كما يقال لا طفلة شرعية! لماذا نقول ذلك؟ لأن الثورة على الأوزان والقوافي ما كانت إلا المعادل الموضوعي للثورة على المجتمع نفسه بكل عاداته وتقاليده وامتثاليته البائسة.

وهكذا، وبضربة واحدة، راح الشاعر يحطّم الأشكال التقليدية للشعر، والأشكال التقليدية للعادات الاجتماعية. فالحرية إما أن تكون كاملة أو لا تكون. وثمن الحرية باهظ، وقد دفعه هؤلاء الشعراء الانتحاريون عدا ونقدا. ضمن هذه الظروف نفهم سبب تشظّي الشعر الفرنسي أو تكسير أوزانه وقوافيه وظهور أشكال جديدة للتعبير الشعري: سواء أكانت على هيئة شعر التفعيلة، أم قصيدة النثر، أم الشعر الحر بشكل عام.

والواقع أن الشاعر الفرنسي يئس من التغيير الاجتماعي بعد فشل ثورة 1948 التي شارك فيها بودلير، وفشل كومونة باريس التي شارك فيها رامبو. وفي كلتا الحالتين كان الشاعر يأمل في تغيير الواقع القمعي والتوصل إلى مجتمع أكثر حرية وعدالة وإنسانية. وهذا الفشل انعكس على نفسية الشعراء فأصبحوا عدميين إلى حد ما، غير مبالين بشيء، يائسين من كل شيء.

ضمن هذا الجو نفهم سبب سيطرة المواضيع السوداء على ديوان بودلير «أزهار الشر» حيث لا نجده يتحدث إلا عن السأم، والضجر، والملل من الحياة، والهاوية السحيقة التي تفغر فاها، والشيطان الذي ينتظرك على قارعة الطريق، وأزهار الشر التي تتفتح يانعة بدلا من أزهار الخير... وضمن هذا السياق التاريخي نفهم أيضا سبب انفجار لوتريامون بالتمرد العارم في ديوانه أناشيد مالدورو حيث شتم كل شيء بما فيها القيم العليا للمجتمع الفرنسي وحيث أعلن العصيان على كل شيء.

ومعلوم أن ديوانه يمتلئ بصفحات مرعبة لا يستطيع القارئ مواصلة قراءتها إلا بصعوبة. إنه ديوان ينفجر بالألغام في كل صفحة من صفحاته تقريبا. إنه ديوان التجديف والكفر بالمقدسات المسيحية والفرنسية كلها.وأما عن رامبو فحدث ولا حرج! فقد أعلن الانتفاضة أيضا على كل شيء في المجتمع الفرنسي. وهاجم الدين المسيحي والعادات السائدة في وقته، وهاجم حتى أمه وعائلته، الخ.

والغريب العجيب هو أن الشعر لم يزدهر إلا في مثل هذا الجو! فهؤلاء المتمردون على كل شيء هم الذين نقلوا الشعر الفرنسي من حالة إلى حالة، ومن صياغة إلى صياغة، ومن كون إلى كون. وهم الذين أسسوا الحداثة الشعرية شكلا ومضمونا. يحصل ذلك كما لو أن الشعر بابه الشر فإذا دخل فيه الخير سد كما يقول أحد النقاد القدامى. أو قل ان الشاعر المتمرد هو الأكثر جاذبية بالنسبة لنا، أما الشاعر الامتثالي المطيع الخاضع للمجتمع وتقاليده فلا يعجب أحدا ولا يجذب جمهورا ولا قراءً.

ثم يردف المؤلف قائلا:لقد أصبح الشاعر هو «المجرم الكبير والملعون الكبير» بحسب تعبير رامبو في رسالة الرائي. بمعنى آخر: لم يعد الشاعر الحديث بقادر على إهمال الجوانب الشريرة من الواقع كما كان يفعل سلفه الشاعر الرومانطيقي الضائع في الأحلام الوردية. وإنما ينبغي على الشاعر منذ الآن فصاعدا أن يعبر عن الجوانب الأكثر سلبية من الواقع، الجوانب المظلمة، الجوانب المعتمة والشيطانية.

وبعدئذ يمكنه أن يدعو إلى الحب الكوني وتأسيس علاقات سياسية واجتماعية جديدة. أما قبل ذلك فلا. بمعنى آخر أصبح الشاعر مدعوا لتفكيك الواقع، بل تفكيك الشعر نفسه لكي يؤسس على أنقاضهما واقعا آخر وشعرا آخر لا علاقة له بما سبق. من هنا الرغبة العارمة في الحداثة: ينبغي أن نكون حديثين بشكل مطلق، كما يقول رامبو.

ثم يردف المؤلف قائلا: في العهد الرومانطيقي كان الشاعر نبيا مفعما بالحماسة والأمل بالواقع وبالمستقبل. كان يعتبر أنه يحمل على كاهله رسالة هادفة إلى تجديد البشرية وتحقيق الآمال الموعودة على هذه الأرض. ولكن بعد فشل الثورات السياسية والعجز عن تغيير الواقع أصبح الشاعر الحديث متشائما ولم يعد قادرا على التفاؤل كما كان يفعل سلفه الرومانطيقي، أي فيكتور هيغو ولامارتين أساسا.

في الواقع أن فيكتور هيغو هو مشكلة كل شعراء فرنسا الذين جاؤوا بعده أو عاصروه كتلاميذ له. فقد كان شاعرا ضخما، ناجحا، موفقا، يمتلك المجد من طرفيه أو من كل أطرافه. وكانوا هم مهمّشين، محتقرين من قبل المجتمع، فاشلين في الحياة. ولذلك حقدوا عليه وأرادوا تصفيته كأب مزعج، مهيمن أكثر من اللزوم. هذا ما فعله رامبو، وفيرلين، ولوتريامون، وعشرات الآخرين.

والواقع أن فيكتور هيغو كان آخر شاعر سعيد في فرنسا! ! بعده أصبح الشاعر مليئا باليأس والتشاؤم الأسود بل وحتى العدمية. وعن هذه العدمية السوداء نتج الشعر كأعظم ما يكون، عنه نتجت قصائد مالارميه، وفيرلين، ورامبو، ولوتريامون، وقبلهم جميعا مؤسس الحداثة الأولى: بودلير.

* الكتاب:التاريخ الأدبي لفرنسا، حداثات (القرن التاسع عشر والعشرين)

*الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية - باريس 2006

* الصفحات : 856 صفحة من القطع الكبير

Histoire de la France littéraire

modernités XIXe-XXe siècle

Partick Berthier et Michel Jarrety

P.U.F Paris

p.856