ميشيل سير، هو أهم فلاسفة العلوم المعاصرين على المستوى العالمي كله. سبق له وقدّم أكثر من أربعين عملا في الفلسفة وتداخلاتها مع العلم ونالت اهتماما كبيرا، كما جرت ترجمة أغلبيتها إلى العديد من لغات العالم، ومن بينها «أصول الهندسة» و«قاموس العلوم»، و«جول فيرن، العلم والإنسان المعاصر». وميشيل سير هو عضو في الأكاديمية الفرنسية ويقوم بالتدريس بنفس الوقت في جامعتي ستانفورد الأميركية والسوربون الفرنسية.
هذا الكتاب هو في الواقع حصيلة لقاءات إذاعية أجراها الصحفي ميشيل بولاكو مع الفيلسوف والعالم الكبير في إذاعة فرنسا الإخبارية «كل مساء أحد»، ومن هنا جاء عنوان هذا العمل الذي يحتوي على مضمون 74 لقاء امتدت من عام 2004 وحتى الأشهر الأولى من عام 2006. وأهمية هذه اللقاءات هي أن الفيلسوف الكبير يتحدث فيها عن أمور الحياة اليومية وعن الأحداث السياسية التي يشهدها العالم.
وهكذا نقرأ تحت عنوان «الولايات المتحدة في ظل رئاسة جورج دبليو بوش» عمّا يميّز أميركا قول ميشيل سير: «الولايات المتحدة توحّد مجموعة ولايات (دول)، والأميركي يحس أولا أنه يعيش داخل ولاية وحيث تتمتع الولايات بقدر كبير من الاستقلال النسبي، وإنما الحقيقي، فلكل منها ميزانيتها وحاكمها وتشريعاتها المختلفة أحيانا عن تشريعات الولايات المجاورة. إنه مشهد معقّد يحتوي على عدة مجاميع كبيرة مثل الجنوب والغرب الأوسط ومنطقة البحيرات الكبرى... ونحن في فرنسا لا نتنبّه إلا قليلا لمثل هذا التنوع».
ويؤكد ميشيل سير أيضااهتمام الأميركيين «المتواضع» جدا بالسياسة الخارجية إذ إن جلّ انتباههم محصور بالأمر الداخلي وخاصة الجوانب الاقتصادية منها. ويروى أنه ذات يوم من عام 2003 كان في جامعة تكساس من أجل إلقاء مجموعة من المحاضرات. وقبل الشروع بها نتناول طعام الغداء مع رئيس القسم المسؤول والطلبة الذين سوف يحاضر بهم، نسأله ذلك السؤال: -« ميشيل سير، بوصفك فرنسي، هل بإمكانك أن تشرح لنا الفرق بين سياسة بلادكم وسياسة بلادنا حيال حرب العراق؟».
وكانت إجابة ميشيل سير: -«أنا من مواليد عام 1930، وهذا تاريخ مهم من وجهة نظر تاريخية، ليس من أجل شخصي ولكن أمّي كانت هي الفتاة الوحيدة في مدرستها التي وجدت زوجا، ذلك أن الحرب العالمية الأولى الرهيبة 1914-1918 حصدت ملايين الشباب؛ وبهذا المعنى تمثل ولادتي شبه معجزة، وذكرياتي الأولى تعود إلى عام 1936 عندما كنت أقطن مع أهلي في منطقة قريبة من الحدود الإسبانية وحيث استقبلنا آلاف اللاجئين الهاربين من الحرب الأهلية في إسبانيا.
وهناك ذكريات سنوات 1942-1945، أي سنوات الحرب العالمية الثانية التي تحررت في نهايتها فرنسا من الاحتلال النازي بعد حرب دامية وانتهت أيضا بهيروشيما وناغازاكي. وعندما كنت في سن اللباس العسكري كان علي أن أخوض حرب الجزائر الرهيبة. وعندما وصل الفيلسوف إلى قول هذا نهض واقفا وقال لسامعيه: هذه هي ذراعي ورقبتي وعضلاتي وأعصابي، وهذا جسدي الذي لم يعرف سوى الحرب ثم جلس مضيفا: «هكذا أيضا اكتسبت روحا مسالمة».
وعندها قال المسؤول الأميركي، وهو في غاية التأثر والانفعال: «إن سني يقارب سن ميشيل سير. لكنني لا أستطيع أن أقدم شهادتي على مثل تجربته فلقد عشت بعيدا جدا عن هذه الفظاعات». هكذا إذن قال الفيلسوف الفرنسي إن الفرق بين سياسة بلديهما هو أن فرنسا «عرفت الحرب» لكن أميركا «لم تعرفها».
وفي لقاء آخر بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2004 وجّه الصحفي ميشيل بولاكو سؤالا للفيلسوف بخصوص إعادة انتخاب جورج دبليو بوش للرئاسة بفارق 5,3 ملايين صوت زيادة عن منافسه، مما شكل سابقة في التاريخ الأميركي، وبالتالي إذا تمّ النظر على ما فعله بوش يمكن التساؤل عمّا إذا كان ما جرى ذا طابع عقلاني منطقي أم أن الشعب الأمريكي قد انخدع؟ فأجاب سير معتمدا على مقولة كان جان جاك روسو قد صاغها في كتابه الشهير «العقد الاجتماعي» وقال فيها: «إن الإرادة العامة لا تنخدع أبدا».
ثم أضاف مشيرا إلى الخارطة الانتخابية الأمريكية أن الولايات ذات الأغلبية الديمقراطية ملوّنة باللون الأحمر بينما الولايات ذات الأغلبية الجمهورية فهي بالأزرق. وعبر «قراءة» هذا الفصل اللوني يبدو أن الولايات «الزرقاء» تقع على الشاطئ الغربي لأمريكا، شاطئ المحيط وولايات البحيرات الكبرى وأخيرا ولايات الشمال الشرقي، أي الولايات باللون الأحمر فإنها موجودة في الغرب الأوسط والجنوب والكثير من ولايات الجنوب الغربي.
وبهذا المعنى تكون الولايات المحافظة الجنوبية هي بالأحرى جمهورية بينما أن الولايات التي تضم الجامعات الكبرى ـ نيويورك، يال، بوسطن، بيركلي، ستانفورد- والصناعة التي تتناظر مع ولايات الشمال أثناء الحرب الانفصالية الأميركية في سنوات الستينات من القرن التاسع عشر، تميل نحو الاقتراع للديمقراطيين. وهذا ما يعبر عنه ميشيل سير بالقول: «إن النخبة الأميركية اقترعت للديمقراطيين وأميركا العمق، أميركا الشعب، قد اقترعت للجمهوريين». وبهذا المعنى أيضا يشير إلى إمكانية اعتبار ما جرى أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2004 بمثابة «استمرار للحرب الانفصالية»، أي الشمال ضد الجنوب.
ويركز ميشيل سير في موضع آخر على التمييز بين الموقفين الأميركي والفرنسي حيال الدين، حيث إن الأميركيين لا يفهمون أبدا النظرة «العلمانية» للدين في فرنسا، بل ويرون أن هناك ما يساوي «الفضيحة» في كون أن جامعة السوربون الفرنسية العريقة، وغيرها من الجامعات في فرنسا، لا تحتوي على قسم متخصص بالدراسات الدينية، بينما أن مثل هذا القسم موجود في جميع الجامعات الأميركية، وأيضا في أغلبية الجامعات الألمانية والإنكليزية... ويرفض ميشيل سير في هذا السياق إصدار أي حكم قيمته عن أيهما أكثر تطورا، الفرنسيين أم الأميركيين؟ ويكتفي بالقول إن كل طرف يعتقد أنه الأكثر تطورا. ثم إن الالتباس يأتي تحديدا من هذه النقطة.
لكن التمايز الكبير بين الطرفين لا يجده الفيلسوف الفرنسي حول هذه المسألة، ولا حول الموقف من الحرب، وإنما بالأحرى حول مسائل يسميها «ثقافية» ويعتبرها حاسمة مثل الموقف من الإجهاض، والزواج المثلي والاستنساخ، والتي تشكل، حسب رأيه، أسبابا للتناقض مما هي جميع المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ثم إنها أسئلة مطروحة على جميع الشعوب باعتبارها تؤسس ل«ثقافة جديدة». فهي تعيد تعريف الولادة والحياة والأسرة والإنجاب والعلاقة مع البيئة ورؤية العالم، بل إنها تحاول إعادة تعريف العلاقات بين البشر، ثم إن أميركا قد أجابت بصراحة ووضوح أنها «لا تريد» هذه الثقافة الجديدة.
ويتحدث ميشيل سير في لقاء آخر يعود لشهر أكتوبر من عام 2005 عن الصين حيث يميز بين «صينين». صين ما قبل الانطلاق التي يصفها بقوله: «الصين الخالدة للفلاحين، الشاسعة، المدهشة، الزراعية»، ثم صين الربع قرن الماضي الصاعدة، المهددة والتي تغرق العالم بمنتوجاتها، «الصين التي استيقظت» لتجعل النوم «يطير» من جفون القوى الكبرى الأخرى.
لكن ميشيل سير يؤكد أن الصين لا تزال بلدا زراعيا بامتياز وأن هناك مليار صيني لا يزالون من الفلاحين، ولو أن الصين تمتلك اليوم أكثر من نصف رافعات البناء في العالم وتستهلك أكثر من نصف الإنتاج العالمي للإسمنت. ويرى أن وجود هذا المليار من الفلاحين الصينيين سوف يستمر في الوجود فهم «حريصون على أن يسكنوا الأرض وهم يتطلعون نحو الأعلى» ف«حاولوا الآن اللحاق بهم إلى حيث ارتقوا»، يقول ميشيل سير موجها كلامه للغربيين.
وعن أوروبا السائرة في طريق التوحيد التي «لم يعد فيها مراكز حدودية ولا جمركية ولا أسلاك شائكة كما كان قد عرفها في زمن تناحراتها»يقول أنها تثير لديه الرغبة في البكاء قبل أن يعرّف موقفه بالقول: «أنا أوروبي من دعاة السلام. فكابوس الحرب بدون نهاية، الحرب. الحرب خلقت في داخلي إنسان سلام». لكنه يأسف بنفس الوقت على أن مسيرة التوحيد الأوروبي قد بدأت بالاقتصاد؛ ب«الشركة الموحّدة للفحم والحديد». وحيث لم يبق بعد بضعة قرون سوى القليل من الفحم والحديد.
ورغم ما يؤكده أهل اليمين واليسار في السياسة على أهمية الاقتصاد، فإن سير يتمنى لو أن البداية في توحيد الصوت الأوروبي كانت على صعيد جعل الطلبة يدرسون عاما في إيطاليا وآخر في ألمانيا وثالثاً في بريطانيا ورابعاً في فرنسا... وهكذا. يقول: «لقد بدأنا نفهم اليوم فقط أن البنى الأساسية ـ التحتية ـ هي بالأحرى الثقافة» وليس «الفحم والحديد».
أما المرض الكبير الذي عانت منه أوروبا، فيحدده المؤلف في البحث الحثيث عن السيطرة وإثبات التفوق والذي أدى من خلال الحروب والنزاعات التي شهدتها إلى نوع من «الانتحار» كما يقول، ثم يضيف: «أخشى أحيانا أن يؤدي التنوع الكبير - الموزاييك- في الأمم الآسيوية إلى حروب مشابهة بين كوريا واليابان والصين والهند والباكستان... الخ».
ويؤكد الفيلسوف في نفس الإطار إلى أن «موديل» التوحيد الأوروبي سوف يستمر لأنه «ضعيف» ولا يخيف أحدا، ثم إن مظاهر القوة والبحث عن التفوق ستؤدي إلى الفشل. فالقوى «العظمى» التي شهدها التاريخ مثل «المصريين الذين سادوا آلاف السنين والرومان طيلة قرون والإنكليز خلال عدة عقود» لم يستطيعوا الاستمرار«فكم من الوقت سوف تستمر القوة العظمى اليوم؟» يتساءل ميشيل سير.
* الكتاب:لقاءات مساء الأحد
* تأليف : ميشيل سير، ميشيل بولاكو
* الناشر: لوبومييه فرانس انفو باريس 2006
* الصفحات :297 صفحة من القطع الصغير
Petites chroniques du dimanche soir
Michel Serre, Michel Polacco
Le pommier France Info- Paris 2006
p.297
