قام بتأليف هذا الكتاب البروفيسور دوغلاس ه. جونسون أستاذ التاريخ والعلوم السياسية في جامعة كولومبيا بنيويورك. وهو مختص بالشؤون الإفريقية والسودانية على وجه الخصوص. وفي هذا الكتاب الجديد يستعرض الباحث الأميركي تاريخ السودان والجذور العميقة التي أدت إلى اندلاع الحرب الأهلية فيه.وهو يقول بما معناه: منذ عام 1955 اندلعت حرب أهلية بين شمال السودان وجنوبه.
وقد اتسعت هذه الحرب الأهلية واتخذت أبعادا ضخمة منذ 1989.ينبغي العلم بأن السودان بلد ذو مساحة ضخمة وله حدود مع تسع دول إفريقية. ولهذا السبب فهو يلعب دورا كبيرا في إفريقيا الشرقية. والواقع أن الحرب الأهلية التي تدور فيه منذ نصف قرن تمثل إحدى أطول الحروب الأهلية في التاريخ المعاصر.
وتعود أسبابها إلى الاختلافات العرقية والثقافية واللغوية والدينية بين الشمال والجنوب. فالشمال عربي اللسان وإسلامي العقيدة والدين. وهو المهيمن تاريخيا على السودان. أما الجنوب فسكانه أقل وينتمي عموما إلى الدين المسيحي وإلى عدة أعراق وأصول قبلية ولغوية مختلفة. كما أنه ينتمي إلى الديانات الإفريقية القديمة.وقد انتشرت المسيحية فيه أثناء هيمنة الاستعمار الإنجليزي في القرن التاسع عشر.
وبالتالي فالتعارض بين الشمال والجنوب قديم وليس حديث العهد. والواقع أن الشمال كان يحتقر الجنوب تاريخيا بل ويتاجر بسكانه أحيانا كعبيد. ولذلك حصلت عدة انتفاضات ضده. وبالتالي فهناك تعارض ديني وعرقي بين كلا الطرفين. ثم يردف المؤلف قائلا: بعد استقلال السودان عام 1956 كانت هناك رغبة حقيقية في توحيد البلاد. ولكنها أجهضت بسبب الاختلاف الديني والعرقي والتراكمات التاريخية. وهذا ما أدى إلى عرقلة نمو السودان بشكل عام وتطوره.
وكان بإمكانه أن يصبح مخزن الغلال والحبوب لكل العالم العربي بفضل اتساع أراضيه الخصبة المؤاتية لزراعة القمح. كما وكان بإمكانه أن يصبح بلدا صناعيا من الطراز الأول. ولكن الحرب الأهلية دمرت كل شيء. ثم ازدادت الشقة اتساعا بين الشمال والجنوب عندما اكتشفوا البترول بكميات كبيرة في منطقة الجنوب: أي في المنطقة المهملة والمحتقرة تاريخيا.
وعندئذ قرر الرئيس جعفر النميري خلق منطقة جديدة في الجنوب من أجل الاستيلاء على البترول وحرمان الجنوب منه. ثم ركب مصافي البترول في الخرطوم وسحب النفط إلى الشمال. وهذا ما زاد من نقمة سكان الجنوب ومرارتهم. فقد شعروا وكأن ثرواتهم الطبيعية سرقت منهم. والواقع أن المشكلة الجنوبية كانت موجودة قبل الاستقلال.
ثم تفاقمت بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة بقيادة المنظّر حسن الترابي والجنرال عمر حسن البشير. وعندئذ تشكل جيش تحرير شعب السودان في الجنوب بقيادة الكولونيل جورج غارنغ. وقد دعمته إثيوبيا المجاورة بسبب خلافها مع حكومة الخرطوم، وأعلنت حركة المعارضة هذه منذ تشكيلها أنها تهدف إلى توحيد السودان لا تقسيمه. كما وتهدف إلى تشكيل سودان عادل واشتراكي.
والواقع أن هذه الحركة ،حسب رأي المؤلف ، لم تناد بالتقسيم أبدا على عكس ما يشاع عنها، وإنما نادت بالاقتسام العادل للسلطة والثروة بين الشمال والجنوب ورفع الظلم التاريخي عن سكان المناطق الجنوبية. وكانت هذه الحركة المعارضة تسيطر على معظم أقليم الجنوب تقريبا وتحظى بدعم من اريتريا، وأوغندا، وزمبابوي، والتشاد، وكينيا. وقد طالبت بعدة أشياء من بينها عدم تطبيق الشريعة الإسلامية على الجنوب لأنه ليس مسلما. ومعلوم أن جعفر النميري كان قد أعاد حكم الشريعة إلى البلاد عام 1983.
ثم حصلت بعدئذ عدة أحداث أدت إلى تفاقم النزاع أكثر فأكثر، نذكر من بينها وصول نظام البشير إلى سدة السلطة، ثم دعم النظام الإيراني له عسكريا ولوجستيكيا وعقائديا. وكان ذلك يعني القضاء على أي أمل بالتقارب بين الشمال والجنوب.ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه: وبعد ضربة 11 سبتمبر عام 2001 أصبح النظام السوداني تحت مراقبة الولايات المتحدة ككل الأنظمة والحركات الأصولية في العالم.
والواقع أن نظام الخرطوم حمل راية الأصولية العقائدية على الطريقة الإيرانية. ومعلوم أنه شكل ما يدعى بالمؤتمر القومي الإسلامي الذي يضم الجناحين الأساسيين للإيديولوجيا العربية: أي الجناح القومي العربي، والجناح الإسلاموي الأصولي. وشاركت فيه العديد من الشخصيات التي تعتبرها أمريكا إرهابية أو داعمة للإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر.
يضاف إلى ذلك أن السودان كان قد استقبل زعيم القاعدة أسامة بن لادن لفترة قبل أن يقرر طرده والتخلص منه. وعندئذ ذهب إلى أفغانستان حيث خطط من هناك لضربة 11 سبتمبر الشهيرة. ولكن يبدو أن حكومة السودان كانت براغماتية وتعرف مصلحتها جيدا. ولذلك تعاونت مع الولايات المتحدة وقدمت لها كل المعلومات التي تمتلكها عن الحركات الأصولية المتطرفة.وهكذا نجت بجلدها من عقاب واشنطن، ولو لحين. فالواقع أن انفجار مشكلة دارفور أدى إلى توتر الأوضاع من جديد بين الطرفين. ويمكن اعتبار هذه المشكلة الرهيبة بمثابة تتويج للحرب الأهلية السودانية.
ثم يردف المؤلف قائلا:وحقيقة الأمر هو أن هذه المنطقة الواقعة غرب السودان تم احتلالها من قبل الميليشيات الأصولية التي تحركها حكومة الخرطوم. وهي ميليشيات مشكلة من قبل عناصر يعود أصلها إلى سكان شمال السودان لا جنوبه.ولا تتورع هذه الميليشيات عن القيام بمجازر ضد السكان المحليين. بل وتقوم بعمليات اغتصاب جماعية لنسائهم. وهذا ما أثار حفيظة المجتمع الدولي فتحركت الأمم المتحدة والقوى الكبرى لحماية السكان من هذا العسف والبطش.
ويبدو أن القوات الحكومية استخدمت كل الأسلحة لقمع السكان السود غير العرب وغير المسلمين بما فيها القصف بالطائرات وزرع الألغام المضادة للأشخاص، وكذلك الغازات السامة. وكل هذه الأشياء محرمة ويعاقب عليها القانون الدولي. والواقع أن الميليشيات الشمالية تنتقم من كل شخص تشتبه به بأنه يدعم المتمردين بشكل أو بآخر. ولذلك أصبح سكان دارفور وكأنهم يعيشون في معسكرات اعتقال جماعية خوفا على حياتهم.
وانتشرت المجاعات والأوبئة في صفوفهم، وأصبحوا مهددين بالموت الجماعي.ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: ليس هناك أمام السودان من خيار غير خيار السلام والتسامح والتعايش الأخوي بين جميع مكوناته وعناصره. ولكن ينبغي على الجماعة الدولية أن تتدخل لصالح المظلومين والمضطهدين وتضغط على الحكومة المركزية في الخرطوم لكي تغير موقفها المتشدد. وهذا ما حصل مؤخرا في الواقع عندما تخلت الحكومة عن خط التشدد وانخرطت في مفاوضات سلام مع القوى الجنوبية المتمردة منذ عشرات السنين. وأثبتت حكومة الخرطوم أنها واقعية وتفهم لغة السياسة والحوار، أي لغة المجتمع الدولي.
وإذا ما غيرت سياستها في إقليم دارفور أيضا فإن المجتمع الدولي قد يغفر لها أخطاءها ويساعدها على توحيد البلاد وتشكيل سودان حر، ديمقراطي، تعددي، يؤمن بحقوق الإنسان ويحترمها أيا يكن هذا الإنسان أبيض أم أسود، مسلما أم غير مسلم، عربيا أم غير عربي، وهذه هي الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب الأهلية المدمرة.
*الكتاب: الأسباب الأساسية للحرب الأهلية في السودان
* الناشر:مطبوعات جامعة انديانا
* الصفحات: 234 صفحة من القطع الكبير
The root causes of Sudan's civil war
Douglas H. Johnson
Indiana University Press
p.234

