مؤلف كتاب (تلخيص المفتاح) هو: محمد بن عبد الرحمن بن عمر المعروف (بالخطيب القزويني) ، ويلقب بجلال الدين أبي المعالي ولد في الموصل سنة 666 هجرية ، وسكن في بلاد (الكرج)، التي سكنّها ومصّر أبودلف العجلي ، وهي كورة بين همذان وأصبهان وقد سكن جلال الدين هذه الناحية مع والده وأخيه واشتغل وتفقه ، حتى ولي قضاء ناحية بالروم وهو دون العشرين من عمره ، قدم إلى (دمشق) سنة 690 هجرية ليواصل علومه ، ثم ولي خطابة الجامع الأموي ،
ثم استقدمه السلطان (الناصر محمد بن قلاوون) إلى القاهرة، فاجتمع به وأمره أن يخطب بجامع القلعة ، ثم عاد إلى دمشق ليتولى القضاء والخطابة معاً ، ولكنه لم يتمتع بالمقام ، بعلّة لا شفاء لها ، هي علة الفالج ، ربما بسبب النكسة الاجتماعية والنفسية التي لحقت به جرّاء إبعاده عن الديار المصرية، وعن حياة العز بمقربة من السلطان ، ولم يدم عليه الحال طويلاً ، فتوفي سنة 739 هجرية ، ودفن بمقبرة الصوفية بدمشق .
وقد قال صلاح الصفدي عنه : كان قاضي القضاة جلال الدين شريف الخلال ، منيف الجلال وارف الظلال ولم يُر قاض أشبه منه بوزير كان متحدثاً فصيحاً بليغاً في وقت البحث والجدل ، منطقياً إلا إذا علا صهوة المنبر، فإنه ليس لذلك لغلبة الحياء ، وكان مليح الصورة ، حلوالعبارة ، محباً للأدب ، فكان من أفراد زمانه في عقلاً وأخلاقاً .
أما (جمال الدين بن نباته المصري) فقد خص الخطيب التبريزي (بعدد غير يسير من القصائد ، أحصاها الباحث الدكتور عمر موسى باشا فبلغت ست مدائح، ومرثية واحدة .وقد أثارت حياة القزويني كما مماته ، نفوس الكتاب والشعراء فانبروا كل في ميدانه يترجم عن مشاعر الإعجاب والإكبار لهذا الرجل في مهامه وسيرته وآثاره العلمية .
أما كتابه تلخيص المفتاح فهو تلخيص للكتاب الذي وضعه (أبويعقوب يوسف السكاكي) بعنوان (مفتاح العلوم) وقد كانت علوم البلاغة عندما وضع أبويعقوب كتابه لا تزال ترفد من (دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة) لمؤسس النظرية البلاغية وصائغها بامتياز (عبد القادر الجرجاني) ولم يكن كتاب (مفتاح العلوم) بحد ذاته عملاً جليلاً مميزاً ، لولا القسم الثالث منه ، الخاص بعلوم البلاغة العربية ، أما القسمان الأولان المخصصان لعلمي الصرف والنحو، فلم يتجاوز أثرهما العلم والخبر ولأهل زمانهما ، اطلاعاً واتساعاً لآفاق اللغة العربية.
حتى القسم الثالث المشار إليه ، ما كان ليبلغ ما بلغه من البحث والاشتغال عليه ، لولا إقدام خطيب القاهرة وقاضي قضاتها (جلال الدين القزويني) على تلخيصه وكشف مخبوئه من كنوز الدرس البلاغي ، ما جعله أهم مراحل التحول والاستقرار للنظرية البلاغية التي بدأت خيوطها الأولى مع أواخر كتاب (بني أمية) ثم تطورت وتوطدت شيئاً فشيئاً ، حتى زمان (الكساكي) والقزويني مروراً بعصر (الجاحظ) ومحطات أخرى (لابن المعتز وقدامة بن جعفر ، والآمدي ، القاضي الجرجاني ، ثم محطة عبدالقاهر الجرجاني ، فالزمخشري وابن الأثير.
فما الذي تضمنه كتاب التلخيص ، وما آثاره الجانبية المتعاظمة بإطراء حتى أواسط القرن الحادي عشر الهجري. يقع كتاب (مفتاح العلوم) في حوالي ستمئة صفحة من القطع الكبير الذي اشتملت عليه الطبعة الصادرة عن دار الكتب العلمية في بيروت سنة 1983 ، مئة وستون صفحة لقسمي الصرف والنحو، والباقي لعلمي المعاني والبيان.
وهذا يعني كماً ملحوظاً في الكتاب ، الأمر الذي دعا القزويني إلى القيام بتلخيصه وتشذيبه ، وتلخيصه من الحشو التطويل، ومن موضوعات كثيرة بعيدة عن الدائرة البلاغية، ولا سيما موضوعات علم الاستدلال والعروض والقافية، فإذا به ـ أي التلخيص ـ يقف فقط على علوم البلاغة ووجوهها، وقد رتبها كما يلي بعد الفوائد التي أضافها ، ليصبح الكتاب من أعظم ما صنّف في علم البلاغة نفعاً وتأثيراً : الفن الأول : علم المعاني ، وفيه ثمانية أبواب : باب أحوال المسند ـ أحوال المسند إليه ـ أحوال المسند ، أحوال متعلقات الفعل ـ القصر ـ الإنشاء ـ الفصل والوصل ـ الإيجاز والإطناب والمساواة .
الفن الثاني: علم البيان وفيه : التشبيه ـ الاستعارة ـ الكناية . الفن الثالث: علم البديع ، وقد جعله في فصلين الأول : خاص بالمحسنات المعنوية، يتضمن كلاماً في ما يقرب من ثلاثين ضرباً بديعياً والثاني: خاص بالمحسنات اللفظية ، ويتضمن كلاماً في نحو خمسة عشر ضرباً بديعياً.
وهكذا يكون (القزويني) قد أرسى لأول مرة وبصورة نظامية ، قواعد علوم البلاغة ،ووجوه معالمها ، مستفيداً من جميع الجهود العلمية التي قدمت لهذا الغرض، طوال القرون الستة السابقة ، وما تخللها من ومضات تنظير ، ومحطات تأسيس وتنوير، لدى هذا العالم أو ذاك . وهو يدل على أصالة ما طرح وقدم من دراسات ومحاولات لتطوير الدرس البلاغي من جهة على طواعية العربية وحسن تقبلها لأي جديد في نطاق ترسيخ الهوية البلاغية من جهة ثانية.