يأتي كتاب « الانسان الحرام » لمؤلفه المنصف المرزوقي، وهو طبيب وكاتب سياسي من تونس، وناشط في اللجنة العربية لحقوق الإنسان، بعد آخر كتبه « هل نحن أهلا للديمقراطية»، و « من الخراب الى التأسيس »، و« عن أية ديمقراطية يتحدثون »، ليقدم رؤية نقدية لأهم نص في القرن العشرين وهو «الاعلان العالمي لحقوق الانسان» وقد اكتسب الاعلان موقع الصدارة بين النصوص الكبرى التي تقارب المقدس منذ صدوره عام 1948 . وذلك بتوجهه للانسانية كلها، وتعبيره عن حقوقها بمفردات بسيطة ومختصرة ( 1356 كلمة شكلت ثلاثين مادة ) وتبدأ كل مادة بكلمة « لكل إنسان الحق في..» أو « لا يجوز..» أو « لا يُعرَض» .

مروان عبد الرزاق

إلا أن عباءته الغربية جعلته مشبوها عند قرائه العرب، وخاصة انه سبقه قبل ايام قرار تقسيم فلسطين ودعم اسرائيل الذي صدر عن نفس الهيئة التي أصدرت الاعلان. مما ترتب عنه احباط وأزمة ثقة بهذه الهيئة الاممية. اضافة الى ان الاعلان لم يشر الى مسألتي نزع الاستعمار وحق تقرير المصير للشعوب المستعمرة. ويبحث المؤلف عبر قراءته للنص عن تاريخيته، ومن الذي اشترك في صياغته؟ وموقعه من النصوص الاخرى الشبيهة مثل: « اعلان حقوق الانسان والمواطن » الذي اصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1789 وتضمن جملة من حقوق المواطنين الفرنسيين.

و« حقوق الانسان وتركيا الجديدة » الذي نشر عام 1910 لمؤلفه جميل معلوف. و «حقوق الانسان من اين والى اين المصير» والذي نشر عام 1937 لمؤلفه رئيف خوري وكلاهما من لبنان. الا ان زالاعلان العالمي..س الذي لم يتضمن سوى جملة من المبادئ العامة تجاوز كل الإعلانات السابقة لأنه توجه للإنسانية جمعاء دون أي تمييز عرقي أو ديني أو جنسي أو قومي محاولا اكتساب صفة العالمية.

وقد كشف جون همفري وهو المستكتب الرئيسي، ولعب دورا رئيسيا في صياغة الاعلان، في لقاء مع مؤلف الكتاب، عن اللجان التي لا تحصى والمنتمية إلى اتجاهات وجنسيات مختلفة والتي درست مئات المقترحات والآراء لصياغة المسودات الأولى قبل ان يتم الشروع في كتابة الصياغة النهائية، والتي اشترك فيها البريطاني شارك ديكوس، والبرازيلي فليس نيتودل ريو، والمصري عصمان عبيد، والروسي كروتسكي، وأسماء أخرى من إيران وبنما ويوغسلافيا وتشيلي والهند.

هذا الكاتب الجماعي تمثل فيه الملحدين والمؤمنين من كل الأديان. ولذلك صدر النص دون إشارة الى الدين أو للطبيعة. إنما أكد أن الجميع أحرار متساوين في الكرامة والحقوق. كذلك تمثل فيه دول متباغضة تقودها أنظمة سياسية متناقضة لاتتوقف عن الحروب إلا لالتقاط الأنفاس. وهي: الدول الرأسمالية الديمقراطية الاستعمارية التي دعت الى الحريات الفردية وحرية اختيار الحاكم. مع استثناء المستعمرات لان شعوب هذه المستعمرات ـ برأيهم ـ متخلفة ومتوحشة. وان البشر يولدون أحرارا ومتساوون، لكنهم لايبقون كذلك بعد ولادتهم.

ـ والدول الاستبدادية غير الاستعمارية ( الشيوعية) الذين أرادوا البنود (من 22 وحتى 27 ) في صدارة النص. لان الحرية برأي هؤلاء لا تصبح حقيقية إلا إذا كانت تحررا من الفاقة والمرض والاستعمار. وقبل الجميع بصياغة المواد التي لا خلاف عليها. وهي حق الحياة والكرامة والحرية والعدالة والزواج. وتم تضمين النص ما يريده كل طرف مما أدى إلى صياغة نص متكامل يحتوي على أفضل ما يوجد عند هذا أو ذاك.

واعتبرها كل الأطراف كلمات رنانة لا تغني ولاتسمن من جوع، لان النص لا يتضمن ما يدفع للثورة. وتم حذف ثمانية عشر بندا من المسودة الأولى ومن ضمنها: بند عن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها والتحرر من الاستعمار، وآخر حول حق المواطنين في التظلم من دولهم. وبالتالي من اين يدعي النص العالمية. وهو لا يفسح المجال إلا لأنظمة لا تمثل إلا نفسها، وأخرى لا ترى تناقضا بين سيادة الحرية في الداخل واستعباد الشعوب في الخارج؟

إلا أن الإعلان يأخذ صفة العالمي لأن هاجسه مشاكل عالم إنساني واحد لم يعد ممكنا تجزئته لا في مستوى تحليل المشاكل ولا في مستوى تقديم الحلول. ولان النص يحصي ويحدد ويدعو الى اتخاذ تشريعات تنظم حياة البشرية جمعاء. فان الصفة الوحيدة التي تليق به هي: المشرع العالمي. ونجد أنفسنا أمام حيلة من أطرف حيل التاريخ بمفهوم هيغل. فالكاتب الجماعي للإعلان ممثل أنظمة استعمارية وعنصرية من جهة، وأنظمة استبدادية من جهة ثانية. لكن هذا الممثل هو الذي صاغ النص المرجعي لكل القوى التي ستناهض الاستعمار والعنصرية والاستبداد.

تتردد كلمة حق أو حقوق في الإعلان، أربعة وأربعين مرة، وكأنها جرس يقرع باستمرار. وكأن المشرع العالمي يريد غرسها داخل النص كما يغرس المسمار في الحطب الناشف. وتفحص الحقوق الواردة في النص نجدها تنقسم إلى : حق التمتع بأمور محسوسة كالمأكل والملبس والمسكن والتعليم والملكية. وحق التمتع بأمور أعقد مثل السلام، والحرية، والعدالة، والكرامة، والرفاه. وأخيرا حق المشاركة في الحيلة العامة عبر ممارسة حق المعتقد، وحرية الرأي، وحرية التنظيم السلمي، وحرية اختيار أولي الأمر واستبدالهم وفق قواعد النظام الديمقراطي.إنها بكل بساطة قائمة حاجياتنا الأساسية التي لا تتبلور إنسانيتنا دونها. وان نفي هذه الحقوق عنا إنما هو نفي لإنسانيتنا.

ويبحث المؤلف عن علاقة الحق بكل من الندرة، والكرامة، والواجب ، والقانون، والدولة. ويرى ان الذي يدفع المشرع لعرض هذه الحقوق هي ندرتها وإلا لما كان للإعلان ضرورة. وأيضا وجود الامتياز، وهو حق الأقلية والذي يتم فرضه بالعنف على الأغلبية. وأن الكرامة ليست حقا من الحقوق، إنما هي منبع كل حق. لذلك لا يجوز القول: لنحقق الحرية والرخاء والعدالة لتتحقق كرامة الإنسان.

إنما يجب القول: لأن للإنسان كرامة أصيلة فطرية، متقدمة سابقة، مكونة، ثابتة.. فإن له الحق أن يحصل على سبل العيش المادي والمعنوي والسياسي التي تتماشى مع كرامته هذه.الحق، ويقترح المؤلف استبدال الكلمة البادئة بكل جملة مثل: لا يجوز، لا يعرض، لكل إنسان، بكلمة «يحرم » فتصبح الصياغة مثلا: يحرم أن يعرض أي إنسان للتعذيب، يحرم منع الرجل والمرأة من تأسيس أسرة ...الخ

وبذلك يصبح الإعلان جملة من المحرمات. ونجد أنفسنا أمام « الإعلان العالمي لحرمات الإنسان » والذي يعبر عن الإنسان بوصفه كائنا ذا حرمة..إنسانا حراماً؟ وهذا يستند بالطبع إلى رؤية تضع الإنسان في أعلى المراتب.والحق يفترض الواجب « فواجبي هو تمكينك من حقك في الرأي ..وواجبك هو تمكيني من حقي في الرأي» .ولا وجود للحق دون قانون وإلا لما كان له سلاح.. لكن التاريخ كله يشهد على أن القانون انتصر للظلم وانتهاك حقوق الإنسان مثلما انتصر للعدل. كما هي قوانين الأنظمة الاستعمارية والعنصرية، والأنظمة الاستبدادية الشيوعية السابقة.

وبالتالي يظهر القانون في كثير من الأحوال كخدعة شرعية مزيفة لتقييد إرادة الإنسان. والمشرع لم يفسر لنا كيف سنقيم القانون الذي يكون في صالح الحق لا ضده.والمشرع يداهن الدولة كما ورد في الديباجة الإشارة إلى تعهد الدول « التعاون مع الأمم المتحدة لتعزيز احترام حقوق الإنسان..». في حين أن الدولة هي المتهم الأول بشكلها الاستبدادي حيث تقوم باحتكار العنف وممارسة التعذيب واحتقار حقوق الإنسان. ولم يتخلص المشرع من خوفه إلا بعد أربعة عقود حين كتب « المعاهدة العالمية ضد التعذيب»التي تعتبر التعذيب الذي تمارسه الدول جريمة.

ومع ذلك فالجرائم السياسية والاقتصادية مازالت تعم العالم بحق الإنسان والبيئة والصحة والغذاء يمارسها رجال السياسة ورجال المال في كل العالم وباسم الحرية والرخاء. والإعلان وصف دقيق لحالة الوهن والضعف التي يعرفها الحق في عالم اليوم. مما يدفعنا هذا لتحوير العنوان إلى « الإعلان العالمي لأوضاع الإنسان ». ويحاول المؤلف اكتشاف سبب مثل هذا الوضع البالغ التعاسة، من داخل النص ومن داخل بقية جوانب المفهوم نفسه.

لأنه يرى أن هذا الوضع المأساوي الراهن ليس نتيجة قضاء وقدر، وإنما نتيجة مسؤوليات لم يتم الاضطلاع بها.

وقوى التدمير الراهنة في العالم كله، والعالم العربي بشكل خاص، والتي تمنع تحقيق هذا الإعلان بعد أكثر من نصف قرن هي: الليبرالية الجديدة التي يقودها رجال السياسة ورجال المال بشركاتهم الاستبدادية العولمية الجديدة، والتي تسعى للربح السريع دون أن تحقق أي تنمية، وتدمر البيئة والصحة وتلقي على الضفة الأخرى الضغينة والفقر. والاستبداد المجنون لأنظمة البلدان المتخلفة.

وإرهاب الدول الكبرى التي تدعي الديمقراطية، وتبث الأفكار المسمومة والداعية لصراع الحضارات والأديان والأعراق والشعوب والقبائل وأفخاذها، وخاصة بعد أحداث سبتمبر 2001 في نيويورك، وتراجع الحريات في كل بلدان العالم شماله وجنوبه. وإرهاب الجماعات المتطرفة دينيا وعرقيا. مقابل ذلك نجد قوى الخلق الجديدة. وهي الحاملة للمستقبل بكل إمكانياته وصعوباته، والتي تستظل بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يمكن ان يمثل قيم مشتركة لكل الثقافات.

* الكتاب: الإنسان الحرام

* الناشر: اوراب «باريس» ـ الأهالي (دمشق) و اللجنة العربية لحقوق الإنسان (باريس) 2006

* الصفحات: 238 صفحة من القطع الكبير