مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والباحث السوري تركي علي الربيعو، المهتم بالأنثربولوجيا وقضايا الخطاب العربي، والذي أصدر العديد من المؤلفات، منها: «أزمة الخطاب العربي التقدمي في منعطف الألف الثالثة ـ الخطاب الماركسي نموذجاً، 1995»، و« الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة، 1992»، و«العنف والمقدس والجنس، 1994»، وسمن الطين إلى الحجر، 1997»، و«الإسلام والغرب: الحاضر والمستقبل، 1998 »، و«المحاكمة والإرهاب، 2001».

ولا شك في أن الخطاب العربي المعاصر، خصوصاً في جانبيه الفكري والسياسي، يعاني من إشكاليات بنيوية، تخص ما يطرحه من مشاريع وصفات للواقع العربي، وطرق اشتغاله على الموضوعات المطروحة عليه. وهي إشكاليات رافقته منذ أن تعالت الدعوات النهضوية، وما تلاها من إرهاصات وانهيارات وهزائم، وما نشأ في إثرها من تناقضات وازدواجات تخص المفاهيم المطروحة، كالهوية والأنا والحداثة والعلمانية والعروبة والإسلام..إلخ

وقبل الغوص في هذه الإشكاليات، ننوه في البداية إلى أن «الخطاب العربي» عرف اتصالات وانزياحات وانفصالات مختلفة ومتنوعة تاريخياً، مع التحفظ على مصطلح «الخطاب العربي» الذي يستخدم هنا بمعناه الإجرائي، ويشير إلى جملة عمليات من التواصل والتفاعل بين مجموعة المرسلين، حاملي الهمّ الفكري والاجتماعي والسياسي وجمهرة المستقبلين في جملة الأقطار العربية.

ويتناول تركي علي الربيعو، في كتابه «الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر»، الكيفية التي تعامل بها الخطاب العربي المعاصر مع الحركات الإسلامية، محدداً ما يعنيه بالخطاب العربي ذلك الخطاب الصادر عن مفكرين عرب، بلغة عربية وفكرا فيه في أفق عربي، ويخص بالدرس أطروحات أصحاب ما عُرف إجرائياً بالخطاب التقدمي، وعليه يتحدد هدفه من الكتاب في التعرف على الإشكالية التي يثيرها هذا الخطاب عندما يطال ما يسمى بتيار الصحوة الإسلامية، أو بالأصح الحركات الإسلامية المعاصرة.

هذا الهدف جعل الكاتب يركز على القراءة التاريخية التي قدمها الخطاب التقدمي لظاهرة الحركات الإسلامية، أي جملة الأسباب التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في ظهور الحركات وانتشارها في صفوف الشباب العربي، ملاحظاً وجود إجابات متباينة ومتوازية، تتفق في الصدور عن ذات المرجعية، حيث يرجع التفسير السيكولوجي ـ العصبي انتشار الحركات الإسلامية إلى نوع من المرض العصبي،

أو كرد فعل سيكولوجي يقوم به الإنسان المقهور على جملة التحديات حسبما يذهب إليه غالي شكري. وتظهر الحركات الإسلامية وفق هذا التفسير بوصفها تعبيراً عن أولية شائعة في حالات الفشل، يلجأ إليها الإنسان المقهور، أو الإنسان العصبي على حدّ تعبير محمد أركون. ويرجع تفسير آخر ظاهرة الحركات الإسلامية إلى انحطاط البورجوازية العربية، وهزيمة حزيران، وتراجع المشروع الوطني.

ويعتبر الأستاذ تركي أن التبشيرية الساذجة في أوساط الخطاب التقدمي، التي بشرت بزوال الدين وتجلياته، لم تكن ترتكز إلى تحليل علمي دقيق للواقع، لذلك، وأمام غياب نظرية عربية تقدمية حول الدين، وجد الخطاب التقدمي العربي، نفسه ملزماً بالعودة إلى المثال، لا إلى الواقع والخصوصية. وعليه بقي هذا الخطاب يمنح من الرؤية السلفية للدين التي أذكاها ماركس في مقدمته لنقد الاقتصاد السياسي.

كما بقي باستمرار في مواجهة إشكالية مستمرة، تتمثل في فاعلية الديين على الصعيد الجماهيري، وقدرته على تجنيدها في الدفاع عن الأرض والوطن، بحث أصبح الدفاع عن الدين الإسلامي، في تاريخ المنطقة العربية، دفاعاً عن هوية، عن جماعة وأرض.

ويتمحور قول الأستاذ تركي الربيعو حول أن انسداد الآفاق السياسية أمام الشباب المسلم في منطقة الشرق الأوسط مع تنامي ما يسمى بالدولة التسلطية أو الدولة الشمولية، إضافة إلى السياسات الأميركية المعادية للقضايا العربية، يمهد إلى عملية تجييش واسعة في منطقة الشرق الوسط ومحيطها، بحيث تؤدي إلى المزيد من الفاعلية السياسية لهذه القوى الإسلامية وذلك على الرغم من افتقارها إلى مشروع سياسي حقيقي كما يرى شهودها من الداخل.

لكن صرخات الإدانة على مشروعيتها، وكذلك التحليلات المتشنجة والسريعة للظاهرة، لا تساهم إلا في زيادة الطين بلة، لا بل إن هذه التحليلات التي يناقشها في هذا الكتاب، سرعان ما تثبت صحة الاتهامات السائدة لمعشر المثقفين وأوهامهم النخبوية الذين ظنوا أنهم تجاوزوا الأصولية وباتوا على عتبات الحداثة، فإذا بهم فجأة يعودون القهقرى إلى ما قبل نقطة الانطلاق.

كذلك فإن الحل البوليسي للظاهرة قد أثبت عقمه وعلى طول المساحة الممتدة من أنقرة إلى الجزائر إلى كابول. ويدعو الأستاذ تركي إلى الكف عن التعامل الظاهرة على طريقة النعامة والصياد، لأن الأمر يحتاج إلى الذهاب إلى أبعد من ذلك، أي إلى مواقف شجاعة ومبتكرة وبعيدة بأن عن الرطانات الإيديولوجية، التي تنتشر في أورقة الثقافة العربية المعاصرة انتشار النار في الهشيم والتي تحول دون كل رؤية.

ثم يتساءل عن مدى ارتباط ظاهرة الإسلام السياسي بالثورة المضادة في مصر، أي بالظاهرة الساداتية، كما يشير إلى ذلك الخطاب التقدمي العربي، في إطار محاولات السادات، لإحداث توازن مع القوى اليسارية والناصرية المضادة لتوجهاته. وعليه كيف ترافق أو توازى، أو تزامن المشروع الإخواني مع سنوات ارتفاع قوس الناصرية وازدهارها، بوصفه أمراً لا يخلو من دلالة طردية.

كذلك كيف يمكن تفسير عمومية ظاهرة الإسلام السياسي، وانتشارها في أوساط الشباب العربي، فضلا عن النوعية الخاصة لهؤلاء الشباب، وهل يمكن تفسيرها على أنها ميل شديد عند هؤلاء الشباب إلى النزعة اللاعقلانية، وكراهيتهم للتفكير المرتكز إلى العقل كما بعض الباحثين العرب؟ مع أن السؤال المحير هو: كيف تحول قادة هذه الحركات، سيد قطب مثلاً، من العقلانية والتنويرية إلى الانغلاق والجمود والقطعية كما يرى الخطاب العربي؟.

ما يثير حفيظة الاستاذ تركي هو أن هذا الخطاب يلجأ إلى التمييز بين الحركات الإسلامية في تجلياتها التاريخية، وذلك في إطار يهدف إلى إدانة الحركات الإسلامية المعاصرة، وتزكية سلفها التاريخي، والبحث عن إمكانية للحوار مع الحركات الإسلامية المعاصرة. وفي هذا السياق يرى أنه بالرغم من أن الساحة الفكرية العربية، شهدت في السنوات الأخيرة، حواراً بين القوميين والدينيين، فإن إمكانية الحوار الأشمل تضيع لصالح الأيديولوجيا المتخشبة.

لأن الخطاب التقدمي العربي عندما يعالج ظاهرة الحركات الإسلامية المعاصرة، يكشف عن خلل مزمن في طريقة تفكيره، فهو يضحي بالواقع لصالح النص، بالحركة لصالح الأيديولوجيا المتخشبة وأحكامها المسبقة. وبذلك، فهو يتمفصل مع العنف، العنف الذي يهدف إلى إلغاء الطرف الاخر وتدميره.

إذاً، لم يؤسس الخطاب العربي نفسه على الحوار لأنه ذاتي المرجع، وانحاز إلى الأدلجة التي تستعير أدوات التعبير عن نفسها من ثقافة أخرى أوروبية مركزية، استشراقية، ماركسوية، تحصر السياسي بالطبقي. لكن الأزمة عامة، وتخرج إلى سياق أشمل وكلّي، إذ أن هنالك تراجع عام يسم الحياة الفكرية العربية، وليس حصراً على اتجاه واحد، حسبما يذهب إليه د. رضوان السيد الذي يعتبر أن لامعقولية الإسلام السياسي هي ناتج لامعقولية الاستبداد الذي ساد في بلدان المشرق العربي،

بحيث يمكن وصفها بسلامعقولية اللامعقولس، وبالتالي فإن أسى الناس ويأسهم هو الذي يفسر إقبالهم على شعارات الإسلامين. وعندما ذهب المتسلطون إلى أنهم الدنيا والدين، واجههما المجتمع بمقدسه، بدينه. لكن رضوان السيد يذهب إلى أبعد من ذلك حين يعتبر الأزمة شاملة، إذ أن خطاب الإحيائية الإسلامية المأزومة لم يستطع بدوره أن يتحول إلى بديل للمأزوم السائد في السياسة والثقافة. غير أن المسألة الأهم هي البحث عن كيفية للخروج من المآزق والأزمات التي تعصف بالخطاب العربي، عبر البحث عن سبل الخروج من الاستلابات الميتافيزيقية والإيديولوجية، بشكل يمكننا من رؤية الواقع كما هو لا رؤية ما داخل رؤوسنا فقط، أي رؤية ما هو خارج انغلاقاتنا الميتافيزيقية وتمثيلاتها الإيديولوجية.

عمر كوش

* الكتاب: الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر

*الناشر:المركز الثقافي العربي - بيروت 2006

*الصفحات: 272 صفحة من القطع المتوسط