مؤلف هذا الكتاب هو الباحث دنيس كاستيلو المختص بتاريخ البحر الأبيض المتوسط عموما وجزيرة مالطة على وجه الخصوص. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية عامة عن هذه الجزيرة منذ أقدم العصور وحتى اليوم. ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه:

على الرغم من صغر الجزيرة إلا أنها لعبت دورا في التاريخ العالمي بفضل موقعها الجغرافي المتوسط بين العالم العربي الإسلامي والعالم الأوروبي المسيحي. ينبغي العلم بأن مساحة مالطة لا تتجاوز الثلاثمئة وخمسة عشر كيلومترا مربعا (315 كلم) وعدد سكانها لا يتجاوز المئة وخمسين ألف نسمة ومع ذلك فقد لعبت دورا كبيرا في التاريخ العالمي قياسا إلى حجمها وعدد سكانها. ولكن عدد المالطيين المهاجرين إلى الخارج في أستراليا، وإنجلترا وكندا والولايات المتحدة يماثل هذا العدد. ومؤلف هذا الكتاب هو أحد أبناء المهاجرين إلى أميركا. وقد كتب بحثا عن جذوره وبسبب تعلّقه العائلي بأصول آبائه وأجداده. ولكن الجزيرة تتميز باخضرارها وجمال طبيعتها ومناظرها الأخاذة ولذلك فهي تجذب إليها ملايين السياح سنويا. وتلعب السياحة دورا كبيرا في تغذية اقتصادها وتدفق العملة الصعبة عليها. هذا وقد انضمت مالطة مؤخرا إلى الاتحاد الأوروبي، الشيء الذي سيدعم موقعها واقتصادها. فالاتحاد الأوروبي غني جدا ويمكن أن يصرف عليها مليارات اليورو.

ثم يردف المؤلف قائلا: وقد كانت مالطة إحدى قلاع المسيحية على مدار التاريخ. ولكن الفتوحات الإسلامية التي اكتسحت إفريقيا الشمالية في القرن السابع الميلادي وصلت إلى شواطئها دون أن تغير عقيدتها. وقد كان من المتوقع أن تعتنق الإسلام كما حصل لبلاد الشمال الإفريقي كالمغرب الأقصى وتونس وليبيا والجزائر...

هذا وقد حصل الفتح العربي للجزيرة عام 870م ولكنه لم يكن يقصدها بحد ذاتها في الواقع. وإنما كان العرب المسلمون يريدون اتخاذها كقلعة محصنة للوصول إلى جزيرة صقلية التي كانت تهمهم أكثر بكثير من مالطة.

هذا وقد أعاد العرب ترميم القلاع الرومانية القديمة وأنشأوا تحصينات ومباني جديدة حول المدينة القديمة. واستمرت هيمنة العرب على جزيرة مالطة حوالي المئتي سنة. ولذلك خلّفوا وراءهم آثارا حضارية تدل عليهم.

ومن أهم هذه الآثار المفردات العربية والتركيبات اللغوية التي أدخلوها إلى اللغة المالطية والتي لا تزال بادية للعيان حتى هذه اللحظة. وقد وصل التأثير اللغوي العربي إلى حد تشكيل لغة جديدة متوسطة بين المالطية والعربية لكي يتفاهم بها كلا الطرفين.ولكن الهيمنة العربية ابتدأت تتعرض للهزات بدءاً من عام 1090م عندما غزتها السلالة النورماندية التي كانت تحكم صقلية بجنوب إيطاليا.

ثم جاء دور الأتراك لكي يهتموا بمالطة. وكان ذلك عام 1565 عندما أرسلوا إليها أسطولا بحريا مليئا بالقوات العسكرية والأسلحة والذخائر. وراحوا يحاصرون مالطة لعدة أشهر متتالية. وقد اشتهر حصار مالطة وأصبح يضرب به المثل من شدة ضراوته وقوته. وحتى الفيلسوف الفرنسي الشهير فولتير تحدث عنه واعتبره من أشهر الحصارات في التاريخ.ثم يردف المؤلف قائلا:

وعلى الرغم من أن الأتراك كادوا يدخلوا الجزيرة فاتحين إلا أن ضراوة المقاومة استطاعت أن تصدهم في آخر لحظة. وقد اضطر قائد الحملة العثمانية مصطفى باشا إلى التراجع عن فتح مالطة بعد أن خسر جيشه الانكشاري آلاف الجنود والعناصر هناك. ويقال بأنه مشى على الجثث عدة كيلومترات! وسقط في هذا الحصار الشهير الآلاف المؤلفة من هذه الجهة أو تلك.

وإذا ما انتقلنا إلى التاريخ المعاصر وجدنا أن مالطة لعبت دورا لا يستهان به أثناء الحرب العالمية الثانية. ومعلوم أن إيطاليا أعلنت الحرب على الحلفاء، أي على إنجلترا وفرنسا بتاريخ 15 يونيو 1940. وعشية اليوم التالي استمعت كل مالطة إلى خطاب الزعيم الفاشي لإيطاليا: موسوليني، وهو خطاب منقول على الراديو مباشرة.

وقد ألقاه موسوليني من على إحدى الشرفات المطلة على ساحة روما الكبرى حيث احتشد مئات الآلاف من أتباعه ومناصريه. وفيه هدد وتوعد، وأرغى وأزبد كما يقال. ولكن الشيء الذي كان يجهله سكان مالطة والعالم كله هو أن أول دولة سيغزوها الزعيم الفاشي كانت: مالطة !نقول ذلك على الرغم من أن الجماهير المحتشدة لسماع خطابه كانت ترفع شعارات تدعو إلى ضم جبل طارق، والسويس، وتونس، ومالطة إلى إيطاليا.

ومعلوم أن مالطة آنذاك كانت واقعة تحت نفوذ إنجلترا. وقد فكر تشرشل للوهلة الأولى في الانسحاب منها عندما علم بنوايا موسوليني. لماذا؟ لأن مالطة قريبة جدا من إيطاليا ومن جزيرة صقلية الواقعة في جنوبها على وجه التحديد.

وكانت إيطاليا تمتلك قواعد جوية ضخمة في صقلية وبالتالي فبإمكانها أن تقصف القوات الإنجليزية في مالطة وتقضي عليها.

ثم يردف المؤلف قائلا: هذا وقد حصلت مناقشات صاخبة داخل الاجتماع الوزاري البريطاني قبل اتخاذ القرار الحاسم. وكان رأي البعض هو أن الأسطول البحري البريطاني قادر على حماية مالطة من هجمات موسوليني. وانتصر هذا الرأي الصائب في نهاية المطاف. ولكن الثمن المدفوع مقابل الحفاظ على مالطة كان باهظا.وبالفعل فقد هاجمت الطائرات الإيطالية منذ الصباح الباكر ميناء مالطة الكبير والعاصمة لافاليتا. واستفاق سكان مالطة على وقع القنابل.

ولكن القائد البريطاني للجزيرة قال لهم لكي يطمئنهم: حكومة صاحبة الجلالة اتخذت قرارا بالدفاع عن مالطة.

وسوف يصل الأسطول الإنجليزي قريبا إلى الجزيرة، فلا تخافوا. أنتم في حماية أكبر قوة في العالم.

ومعلوم أن حامية مالطة العسكرية كانت تضم آنذاك ثلاثين ألف رجل نصفهم مالطيون ونصفهم إنجليز. وكان عدد سكان الجزيرة آنذاك يبلغ مئتين وخمسين ألف نسمة.ثم وصلت الأجهزة والطائرات الحديثة إلى مالطة من إنجلترا. وراحت بدورها تقصف المواقع الإيطالية وتلحق بها أكبر الخسائر. وقد استطاعت في ظرف أيام معدودات أن تحيّد الأسطول الإيطالي الذي كان يتهيأ للانقضاض على الجزيرة الصغيرة. وأثبت الإنجليز بذلك أنهم سادة البحار وأن أسطولهم لا يقهر.

ثم تدخل الألمان في الموضوع بدورهم لمساعدة حلفائهم الإيطاليين. وراح سكان مالطة يشهدون عندئذ في سماء بلادهم أجمل المعارك الجوية التي جرت خلال الحرب العالمية الثانية أو بعضا من أجملها. وقد فضلوا المخاطرة بأنفسهم ورؤية هذه المعارك بالعين المجردة على أن ينزلوا إلى المخابئ لحماية أنفسهم. أو قل هذا ما فعله بعضهم من المبهورين بالطيران.

ثم استطاع الإنجليز بفضل صمود المالطيين وقوة معنوياتهم أن يصدوا الهجوم الإيطالي المنطلق من صقلية على مالطة

.

* الكتاب: المحنة المالطية

تاريخ إستراتيجي لجزيرة مالطة

* الناشر: بريجر بوبليشر ـ لندن ، نيويورك 2006

* الصفحات : 268 صفحة من القطع الكبير

The Maltese cross: a strategic history of Malte

Denis Castillo

Praeger Publishers- London- New York 2006

p.268