قام بتأليف هذا الكتاب العديد من الباحثين الدوليين في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وأشرف عليه ثلاثة باحثين مهمين هم: إيفو دالدير، وفيليب غوردون، ونيكول جنيسوتو. والأول هو عضو في مركز البحوث الأميركي الشهير: بروكنغز في واشنطن، وقد شغل بين عامي 1995 - 1996 منصب مدير الشؤون الأوروبية في ظل حكومة بيل كلينتون.

وهو باحث مختص في السياسة الخارجية الأميركية وكذلك شؤون الأمن الأوروبي. وكان من آخر إصداراته كتاب نال جائزة مرموقة هو: أميركا المنطلقة من عقالها، ثورة بوش في السياسية الخارجية الأميركية. وقد اختارته مجلة الايكونوميست بصفته أحد أهم الكتب عن الشؤون الأميركية والعالمية الراهنة.

أما الباحث الثاني الذي أشرف على هذا الكتاب الاستراتيجي فهو فيليب غوردون الذي يشرف على مركز الدراسات الخاصة بالعلاقات الأوروبية-الأميركية في الولايات المتحدة. وكان قد نشر مؤخرا كتابا بعنوان: حلفاء في الحرب: أميركا، أوروبا، وأزمة العراق.

أما الباحثة الثالثة التي أسهمت في الإشراف على هذا الكتاب الجماعي فهي نيكول جنيسوتو، مديرة معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية والاستراتيجية. وكانت قد اشتغلت في أحد مراكز البحوث التابعة لوزارة الخارجية الفرنسية ونشرت العديد من الكتب عن القضايا الاستراتيجية وشؤون الأمن الأوروبي.

يحاول هذا الكتاب دراسة أهم مشكلة تشغل العالم اليوم ألا وهي مشكلة الشرق الأوسط الكبير الممتد من حدود الباكستان وأفغانستان وحتى حدود المغرب الأقصى مرورا بالعراق وسوريا ولبنان ومصر وفلسطين وإسرائيل، الخ.

وقد أصبح واضحا أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يعتبران هذه المنطقة من أخطر المناطق في العالم إن لم تكن أخطرها. وبما أن قيادة السياسة العالمية هي الآن أوروبية-أميركية بالدرجة الأولى فإن الغرب يركز جهوده على هذه المنطقة لحل أزماتها التي تهدد مصالحه ومصالح الاستقرار في العالم كله. فالأزمة بين باكستان والهند تهدد مصير المنطقة، وتزايد شعبية التيار الأصولي في الشارع الباكستاني يشكل تهديدا مباشرا للغرب. نقول ذلك وبخاصة أن الباكستان تمتلك القنبلة الذرية.

ثم يردف مؤلفو الكتاب قائلين: يضاف إلى هذا أن حركة طالبان لم تستسلم حتى الآن ولا تزال تحاول العودة إلى الحكم في أفغانستان. وهي تشن هناك حرب مغاوير من الدرجة الأولى وبالتالي تهدد استقرار نظام الرئيس حميد قرضاي الموالي للغرب والذي يحاول إعادة بناء البلاد.

أما عن أزمة العراق فحدث ولا حرج! فالمشروع الأمريكي ـ البريطاني يصطدم هناك بمقاومة مسلحة ضارية لا تزال تمنعه من تحقيق أهدافه وتشكيل عراق ديمقراطي جديد يختلف جذريا عن عراق صدام حسين. وبالتالي فالعراق يقف على مفترق طرق: أما أن يغوص في الحرب الأهلية وتنتصر استراتيجية القاعدة القائمة على تخريب المشروع الأمريكي أو إفشاله. وأما أن ينتصر مشروع الوحدة الوطنية والبناء الوطني وتنسحب القوات الأجنبية على إثر عودة الأمان والاستقرار إلى بلاد الرافدين.

وحتى هذه اللحظة لا أحد يعرف فيما إذا كان المشروع الأصولي هو الذي سينتصر أم المشروع الأميركي. وفي أثناء هذا الصراع الضاري يدفع شعب العراق الثمن باهظا.

ثم ينتقل الكتاب بعدئذ إلى التحدث عن الأزمة السورية ـ اللبنانية وعن الصراع العربي الإسرائيلي وقضايا أخرى عديدة. ولكي نعطي صورة متكاملة عن مشروعه يستحسن بنا أن نتوقف عند محتوياته. نلاحظ أن المقدمة العامة للكتاب قد كتبت من قبل الباحثين الثلاثة المشرفين عليه تحت عنوان: إيجاد مقاربة مشتركة للمشاكل التي يطرحها علينا هلال الأزمات (أي الشرق الأوسط الكبير).

ثم تطرح بعدئذ مباشرة الأزمة الإيرانية التي يدرسها الباحث كينيث م. بولاك في الفصل الأول تحت عنوان: مقاربة متعددة الجوانب لإيران. وفيه يدرس الوضع الإيراني الداخلي من مختلف جوانبه الاقتصادية، والسياسية، والدينية، والعرقية، الخ. وذلك لأن الأزمة الحالية التي تعيشها إيران مع المجتمع الدولي لا يمكن فهمها إلا إذا فهمنا المعطيات الأساسية للمجتمع الإيراني. أما الفصل الثاني من الكتاب فمخصص أيضا لإيران. وقد كتبه الباحث الفرنسي برينو تيرتري تحت عنوان: الأزمة النووية الإيرانية.

أما الباحث والديبلوماسي المعروف مارتن انديك فقد كتب بحثا تحت عنوان: الاستراتيجية الأميركية الهادفة إلى حل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. والباحث المذكور هو رئيس لأحد مراكز البحوث الخاصة بالشرق الأوسط في واشنطن. كما أنه كان سفيرا لأميركا في إسرائيل بين عامي 1995-1997. وبالتالي فهو أحد كبار المطلعين على قضايا وخبايا الصراع العربي الإسرائيلي وإن كان يظل منحازا لوجهة النظر الإسرائيلية كمعظم السياسيين الأميركان.

وأما الباحث العربي يزيد صائغ فقد كتب أيضا بحثا عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وحلله من كافة جوانبه المعاصرة. أما القضية اللبنانية ـ السورية فقد تناولها الباحث الأميركي فلينت لوفريت في فصل بعنوان: سوريا ولبنان، طرق عديدة تؤدي إلى دمشق. والباحث المذكور ضليع في شؤون منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والشؤون السورية بشكل خاص. وكان قد نشر في العام الماضي كتابا عن سيرة حياة الرئيس السوري بشار الأسد وعن الأوضاع الداخلية السورية من مختلف جوانبها.

أما الباحثة إيفا غور والباحث رينارد ليندرز فقد كتب بحثا تحت عنوان: التشجيع على نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا ولبنان. ومعلوم أن السياسة الغربية والأميركية على وجه الخصوص تعتقد بأنه إذا ما حصلت الإصلاحات السياسية في البلدان العربية والإسلامية فإن نزعة التطرف الديني ستخف أو ستتراجع. ومعلوم أن المنطقة بشكل عام تعاني من الاستبداد السياسي ونقص الحريات وانعدام التعددية الصحفية والسياسية. وكل هذا يشجع على انتشار حركات التطرف والعنف.

وبالتالي فالشعوب بحاجة إلى أن تتنفس، إلى أن تأخذ حرياتها الإنسانية من سياسية واقتصادية واجتماعية. أما الباحث جيمس دوبنز فقد كتب فصلا بعنوان: العراق، من الدمقرطة إلى الحكم. وفيه يتحدث عن المشاكل التي تعترض تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم مختلف التيارات الموجودة في البلاد. أما الباحث توبي دودج فقد كتب فصلا عن العراق أيضا ولكن تحت العنوان التالي: إعادة تشكيل الدولة العراقية: من منظور أوروبي.

ونفهم من خلاله أن لأوروبا وجهة نظر عن الموضوع تختلف عن وجهة النظر الأميركية أو قل لا تتطابق معها تماما. ومعلوم أن أوروبا تفهم مشاكل العراق أكثر من أميركا نظرا للقرب الجغرافي والعلاقات التاريخية بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط.

وأما الفصول الأخيرة من الكتاب فتتحدث عن مشاكل باكستان وأفغانستان. فالباحث بارنيت روبان كتب فصلا في الكتاب تحت عنوان: مقترحات لتحسين الأمن والاستقرار في أفغانستان. وأما الباحث ميكائيل شمونك فكتب فصلا تحت عنوان: أفغانستان، المحاور الأساسية لاستراتيجية حلف الأطلسي الهادفة إلى تشكيل الدولة هناك.

وأخيرا كتب الباحث ستيفين كوهين بحثا عن باكستان تحت عنوان: باكستان وهلال الأزمات. هذا في حين أن الباحث جان لوك راسي كتب فصلا بعنوان: الحالة الباكستانية: استراتيجية من أجل أوروبا. هكذا نلاحظ أن الكتاب يتناول مشاكل الشرق الأوسط الكبير من كل جوانبها ويلقي عليها إضاءات متعددة قد لا تقنعنا دائما ولكنها تعبر عموما عن وجهة النظر الغربية.

* الكتاب: هلال الأزمات

الاستراتيجية الأميركية ـ الأوروبية لحل مشاكل الشرق الأوسط الكبير

* الناشر: مطبوعات معهد بروكنغز - واشنطن 2006

* الصفحات: 263 صفحة من القطع الكبير

Crescent of crisis

U.S-European strategy for Greater Middle East

Ivo Daalder, Philip Gordon, Nicole Gnesotto

Brookings Institution Press- Washington 2006

p.263